الرئيسية » سياسة واقتصاد » روسيا والناتو… علاقات صعبة – د. نورهان الشيخ
rwsy_wlntw.jpg

روسيا والناتو… علاقات صعبة – د. نورهان الشيخ

 
كان ترامب قبل تسلمه السلطة رسمياً بأيام، وفي مقابلة مع صحيفة «بيلد» الألمانية و«تايمز» البريطانية، أشار إلى أن الناتو منظمة «عفى عليها الزمن»، وخلال حملته الانتخابية أشار إلى أن الضمانات الدفاعية التي تقدمها واشنطن لأوروبا منذ نحو 70 عاماً قد لا تستمر وأنه «سيفكر مرتين قبل مساعدة حلفاء بلاده في الحلف الأطلسي الذين لا يدفعون كلفة الدفاع عنهم». ما أثار تفاؤلاً لدى موسكو بشأن إمكانية مراجعة سياسات الحلف ذات التكلفة الاقتصادية العالية لأعضائه، والتكلفة الاستراتيجية لها. إلا أنه بعد ثلاثة أشهر، وفي13 إبريل/نيسان، أكد ترامب عقب لقائه بالأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبيرج، في واشنطن أن الناتو «لم يعد أبداً من الكيانات التي عفى عليها الزمن» متراجعاً بذلك عن موقفه السابق، ومؤكداً التوجه الذي حكم السياسة الأمريكية على مدى ما يقرب من سبعة عقود منذ تأسيس الحلف عام 1949.
وتتضافر مجموعة من العوامل التي تدعم استمرار التوتر بين الجانبين، لعل أهمها استمرار التوتر في العلاقات الروسية الأمريكية التي اعتبرها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في أدنى مستوياتها منذ الحرب الباردة، والحلقة المفرغة التي يدور فيها الطرفان نتيجة تناقض المواقف من الأزمة الأوكرانية التي على إثرها اتخذ الحلف مجموعة من الإجراءات اعتبرتها روسيا تهديداً لأمنها القومي، وقد أشار بيان الخارجية الروسية ذاته إلى أن «تصعيد التوتر في العلاقات بين الطرفين لم يكن اختيار روسيا بل هو نتيجة مباشرة للممارسات الهدامة والسلبية التي اعتمدها الحلف على مدى سنوات طويلة بهدف تحقيق الهيمنة العسكرية والسياسية في الشؤون الأوروبية والعالمية».
 
ففي إبريل من العام الماضي، أعلن أوباما أن على الولايات المتحدة أن تعير اهتماماً أكبر لمسائل الدفاع عن أوروبا لمواجهة «سياسة روسيا العدوانية»، على حد تعبيره. وفشل اجتماع مجلس «روسيا – الناتو»، الذي يضم دول حلف الأطلسي وروسيا، وكان الأول بعد قطيعة دامت أكثر من عامين على خلفية الأزمة الأوكرانية، في تهدئة المخاوف الأمريكية والأوروبية. وبدأ الحلف اتخاذ حزمة من الإجراءات للرد على «التهديد المحتمل» الذي يمثله العدوان الروسي منها تعزيز التواجد العسكري على الحدود مع روسيا من خلال إقامة بنية عسكرية أطلق عليها «رأس الرمح»، تتضمن قوات بحرية وجوية وبرية ووحدات مهمات خاصة تندرج تحت ستة مقار قيادة في بلغاريا وإستونيا ولاتفيا وليتوانيا وبولندا ورومانيا. يتزامن هذا مع مواصلة نشر الدرع الأمريكية المضادة للصواريخ في أوروبا الشرقية وآسيا لتطويق روسيا وشل دفاعاتها الصاروخية، وحرمانها من القدرة على توجيه الضربة الثانية حال الهجوم عليها. هذا إلى جانب تكثيف الحضور العسكري للناتو في منطقة البلطيق في الشمال والبحر الأسود في الجنوب، في أكثر المناطق حيوية بالنسبة لروسيا. ومواصلة تمدد الحلف وتوسيع عضويته للوقوف به على الحدود الروسية مباشرة ودون منطقة عازلة بين الطرفين، وعلى النحو الذي يجعل موسكو في مرمى نيران الحلف المباشرة. وستكون جمهورية الجبل الأسود الدولة ال29 بين أعضاء الحلف في أول عملية توسع منذ عام 2009، كما تسعى الولايات المتحدة لضم فنلندا والسويد وربما جورجيا وأوكرانيا أيضاً.
وتشير التطورات الأخيرة إلى عزم الحلف المضي قدماً في سياساته السابقة، حيث بدأ البنتاجون منذ مطلع العام الجاري، في نقل القوات والمعدات العسكرية في ألمانيا لنشرها لاحقاً في دول البلطيق الثلاث المتاخمة لروسيا (ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا)، وكذلك في بولندا وبلغاريا في إطار عملية «الحزم الأطلسي» Atlantic Resolve التي تهدف إلى «ردع روسيا». وستقوم القوات الجوية الأمريكية بإرسال قاذفات بعيدة المدى من طراز بي-52، ذات القدرة على حمل الأسلحة النووية، و800 طيار إلى المملكة المتحدة، في شهر يونيو/حزيران، دعماً لمناورات مشتركة للناتو ستجري قرب الحدود الروسية، وخاصة في بحر البلطيق والقطب الشمالي، مع عدد من حلفاء الناتو. هذا في الوقت الذي توسع فيه روسيا من تعاونها العسكري مع صربيا، وتخطط لإنشاء قاعدة عسكرية روسية في مدينة نيش، سيبدأ العمل بها نهاية عام 2017، وستضم حوالي 5000 عسكري روسي، وذلك وفق ما تداولته بعض الصحف الصربية عن هذه الخطة منذ عام 2014.
كما قررت قمة الناتو الأخيرة زيادة الإنفاق العسكري ب2% من إجمالي الناتج المحلي بحلول عام 2024، وإعداد خطط لزيادة النفقات الدفاعية استجابة لمطالب ترامب بهذا الخصوص. ورغم تأكيد الحلف على أن كافة النفقات الأطلسية «متزنة وتحمل طابعاً دفاعياً»، وليست إلا رداً متوازناً على خطوات روسيا، فإن الأخيرة قد فسرت الخطوة على أنها تصعيد إزاءها. وفي مقابلة أجرتها معه صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية، نُشرت في 31 مايو، أشار الرئيس بوتين إلى أن واشنطن تنفق على التسلح أكثر من جميع دول العالم مجتمعة، عكس موسكو التي رفعت نفقاتها العسكرية إلى 3% فقط، ومع ذلك فهي واثقة من قدرتها الدفاعية.
كما تقوم الولايات المتحدة بتشكيل وحدة استخبارية جديدة لخدمة البنتاجون تعمل في دول البلقان وأوروبا الشرقية، وذلك وفق عقد ظهر نصه مؤخراً على بوابة المشتريات الحكومية في الولايات المتحدة، بهدف «المراقبة الحذرة لنشاط روسيا في البلقان ومناطق أخرى من أوروبا، والرد عليه»، ويتهم الغرب روسيا بدعم المحاولة الانقلابية الفاشلة في الجبل الأسود، والنشاط المتزايد للقوميين الصرب في أثناء الانتخابات الرئاسية فيها، وكذلك أعمال المتطرفين ضد الأقلية المسلمة في مقدونيا. ومن المفترض نشر عناصر للوحدة الجديدة في أراضي ألمانيا وإيطاليا وكوسوفو، بما في ذلك في قاعدة «كامب بوندستيل» العسكرية في كوسوفو.
إن أزمة الثقة وتصاعد الشكوك المتبادلة بين روسيا والناتو سوف تستمر لفترة ليست بالقصيرة، نتيجة استمرار التناقض حول قضيتي أوكرانيا والدرع الصاروخية التي ستكتمل بحلول العام 2020. ولكن ليس من المنتظر أن يصل التوتر حد المواجهة العسكرية أو النووية، كما يتخوف عدد من المحللين. فقد بلغ الجانبان من «الرشادة» ما يمكنهما من ضبط النفس وتلجيم الاندفاع عند الضرورة حتى لا تكون نهاية العالم.
 
د. نورهان الشيخ
الخليج: ٨-٦-٢٠١٧