الرئيسية » كلمة أسرة التحرير » دوستويفسكي ورسالة الروسيا (2) – سهيل فرح (عضو أكاديمية التعليم الروسية)، رئيس تحرير النسخة العربية لموقعنا
dstwyfsky_fywdwr.jpg1_.jpg

دوستويفسكي ورسالة الروسيا (2) – سهيل فرح (عضو أكاديمية التعليم الروسية)، رئيس تحرير النسخة العربية لموقعنا

الحرية والواجب الأخلاقي أو دوستويوفسكي وكانط

الفكرة الروسية التي حضرت يكثافة في روايتيه الأخيرتين " الأخوة كارامازوف" و" المراهق"، فيها تعلق واضح بمفهومي الحرية والواجب الأخلاقي الأمر الذي جعل افكاره تتقارب كثيراً مع التصور الكانطي لهذه المفاهيم. فكانط ركز على سبيل المثال على حرية الفرد التي نظر اليها بان معادلة الواجب وتحديداً الواجب الأخلاقي. ودوستويوفسكي بدوره ينظر لهذه المسألة من زاوية مشابهة لكانط. حيث يطرح الأسئلة ويخلص الى بعض الإستنتاجات حولها: " هل الخلاص يتم من خلال تغييب حرية الفرد؟ على العكس، على العكس من ذلك. فلا أؤكد فقط على مخاطر " تغييب الشخصية، بل أركز على اهمية حضور الشخصية الإنسانية في أرقى درجاتها وتحليلاتها. وهي التي تحددت معالمها بوضوح في الغرب. يرحى ان يُفهم موقفي: فالتصرف الحر المنبثق من وعي تام به، وغير المجبر للإقدام على التضحية التامة بالنفس مقابل الكل، هو حسب ظني، يعتبر المؤشر الأرقى لتطور الشخصية، يعبر عن القوة الهائلة الحاضنة لها. ويفسح المجال لصاحبه لأن تكون في داخله أعلى درجات حرية الإرادة الخاصة. إن طاقة العطاء المنطلقة من محض الإرادة الطيبة لأجل إشباع الآخرين، لا يقدم عليها، إلا من كان يملك الشخصية القوية المنظورة. وهذه الشخصية هي الواثقة بالتمام من حقوقها القائمة بذاتها، والتي لا تحمل في ثناياها أي خوف، والتي ليس بمقدورها العمل بأي شيء خارج عن إدارتها. أي إنها لا ترى نفسها إلا لكونها مؤهلة لأن تمنح عطاءاتها للآخرين، لكي يشعر الآخرون بأنهم على الطريق الحق، وبانهم سعداء كأشخاص" (7).

في هذا التوصيف الدوستويوفسكي لمفهوم الحرية الشخصية والحق والواجب تجاه الأنا والآخر، نلمس عن حق رؤية روسية متقدمة، تجعلنا لا نجافي الموضوعية إذا استنتجنا بأنها لا تضاهي في احترامها ونظرتها للإنسان ولسلوكياته . تلك الأطروحات الفلسفية والوجودية التي طلع فيها الفكر في الغرب. ولعلها بالتالي تقلب الصورة الستيريوتيبية (المنمطة) لدى الكثير من المقاربات الأوربية والغربية وغيرها التي تعتبر بان الفرد كقيمة ,وبان الإرادة الحرة في التفكير وفي السلوك , لا وجود لها في الفكر الروسي.

في نظرة دوستويوفسكي هذه هناك العديد من القواسم المشتركة التي جمعته مع الرؤية الكانطية الفلسفية لهذه الموضوعات. والتي اكثر ما تبدو جلية في عمله الأخير الشهير " نحو نقد العقل الخالص". فالإثنان استقيا من ينبوع واحد وفهم واحد للأخلاق المسيحية. وهذه التصورات الأخلاقية نلمسها حاضرة وبكثافة في العمل الأدبي الفلسفي لدوستويوفسكي " أسطورة حول الديان الأكبر". وفي اعمال كانط المعروفة " نفد العقل الخالص " " نقد العقل المحضر" و" أسس ميتافيزيقيا الأخلاق". فكما هو الأمر عند كانط كذلك عند دوستويوفسكي فأن الكذب هو من السلوكيات الثقيلة الظل. فالكذب هو من الممنوعات، ذلك لأن ام الرذائل تمكن فيه. الكذب يولد الخوف. وإذا اراد المرء ان يفكر بالسلوك الذي يتوجب الإقدام عليه، عليه بداية ألا يكذب.

ودوستويوفسكي يعتير بأن صفاء الفكرة الروسية ونقاءها الأخلاقي والوجودي ينبغي أن يستند الى هذه الروحية. دوستويوفسكي في إشارته المتواصلة الى دور الديان الأكبر يركز على ضرورة الحرص الشديد على حرية الفرد وعلى حرية الأرادة وعلى وعيه وضميره الأخلاقي، وعلى ضرورة عدم التفريط بأي ثمن بهذه القيم. والشخص الذي يملك حرية الإرادة، هو الأنسان المتميز بالضمير المرتاح لنفسه ولغيره. وهو المؤهل اكثر من غيره لأن تكون مساحة الحرية والواجب الخلاقي واسعة في الفلسفة التي ترتكز عليها أمته.

الإنساني والشخصي في فكر دوستويوفسكي 

دوستويوفسكي الإنسان المواطن العالمي، الذي حاول عن صدق التماهي مع القيم الإنسانية المشتركة الهادفة الى توحيد البشر مع أساس فلسفة كليانية خبرة، كان يحمل في ذهنه مشروعاً إنسانياً عاماً أقرب الى الحلم المتسامي النبيل والجميل. بيد انه في دواخل نفسه وفي نظرته للجوانب المعتمة في الشخصية الأنسانية كانت تعتريه موجات متواصلة من الخيبة لأنماط الحياة الفردية والجماعية للروس التي تظهر في سلوكيات الناس اليومية. في مقاربة دوستويوفسكي لهذه الظاهرة بدا التناقض واضحاً في الرؤية الفلسفية للحلم المرسوم في الذهن حول المشهد الأكسيولوجي الإنساني العام، وبين العلاقة الملموسة والمحسوسة في سلوك الإنسان. وهي في طروحاتها الكلامية – النظرية وتمثلاتها الحياتية – المعاشة تُظهر بعض من اوجه الصراع في علاقة الفكرة الروسية بنفسها أولاً قبل علاقتها مع الآخر. فهذه الروسيا ومع انسانها القاطن في مداها الواسع الأرجاء، الذي يحتضن عشرات لا بل مئات الإتينات والشعوب واللغات والأديان والمذاهب والأفكار والثقافات، يجول في داخلها من الناحية النظرية الرغبة الجامعة في تمثل القيم الإنسانية العامة المشتركة، وقد تكون مخلصة لذلك، لا بل محبة لها. الا انها على المستوى العملي اليومي، وانطلاقاً من إعتبارات مادية إقتصادية، بيوسيكولوجية وسوسيوثقافية، تجد نفسها في المشهد اليومي للعلاقة بين بشرها بأن الكثير, الذي لا يمكن إحصاؤه, تدخل فيه عناصر الضعف والعتمة واللاتوافق الداخلي. وهذا ما يظهرعادة داخل دائرة الجماعة التي يجمعها البناية أو حتى المسكن الواحد، او الحي الواحد، او المدينة الواحدة. ومجمل تفاصيل الحياة اليومية التي تصنع المشهد اليومي طوال الساعات الأربع والعشرين هي التي تحدد معالم الشخصية الإجتماعية . وفي هذا المشهد اليومي تظهر في السر والعلن كل اوجه الصراع مع الذات الفردية والجماعة. وتبعاً للعوامل الإيجابية او السلبية، لحالات التشاؤم أو التفاؤل التي تفرزها الطاقات الغرائزية والنفسية والعقلية والروحية ترسم روسيا لنفسها في يومياتها نظرتها وعلاقتها مع اناها الجماعية. وهنا يصعب على الباحث تحديد حركية البارومتر الروسي حيال إقترابه أو بعده من الجانب المتسامي في فكرته الروسية. ودوستويوفسكي الإنسان المفكر الشخص أو الفرد لم يكن في فلسفته وفي سلوكياته اليومية بعيداً عن هذا المشهد. ولنترك المتسع من الكلام له ليعبر عن هذه الحالة: " أقول انا، إنني أحب الإنسانية، ولكنني أتعجب من نفسي: بقدر ما يزداد حبي للإنسانية عامة، بقدر ما أجد نفسي لا احب الناس بشكل خاص، أي عندما نأخذ كل منهم على انفراد. على مستوى الأحلام، وليس من باب الصدفة القول، بأنني عادة ما اكون على توق شديد للتعلق بالأفكار الهادفة لخدمة البشرية، ولربما حملت عن حق صليبي من أجل البشر، إذا ما دعت الحاجة لذلك. بينما أجد نفسي عاجزاً عن المكوث مع شخص ما في غرفة واحدة، ولو لمدة يومين من الزمن، وهذا أتلمسه إنطلاقاً من التجربة… كلما كان شخص ما قريباً، ملاصقاً مني، أشعر بأن هالته تضغط على حبي لنفسي، وتُخجل حريتي. في سياق يوم واحد يمكن الكراهية أن تدخل عليّ، وتظهير حتى امام او حيال أفضل الناس، وهذا يظهر أيضاً حيال أي شخص يتناول بشراهة الطعام على الغداء، او حياال آخر مصاب بالزكام عندما تنتابه موجات متواصلة من العطس. أفصح الى ابعد من ذلك بالقول إنني قد اصبح عدواً للناس أذا ما أراد احدهم أن يقحم نفسه في الهالة المحاطة بجسدي. وهذا وإن كان كثير الحدوث فإنه كلما ابتعدت مسافة الود بيني وبين الناس على انفراد، كلما تصاعد نور ونورانية الحب في داخلي حيال الإنسانية بعامة" (8). قد تكون هذه الأحاسيس مرتبطة بنموذج عن البشر النوابغ الذين يتمتعون باحساس مرهف وبذاتية قد تصل بالبعض منهم الى درجة النرجسية. ودوستويوفسكي الذي عبر عن هذه المشاعرمع شخصيات ابطاله في رواية " الأخوة كارامازوف" لم يكن بعيداً كشخص في سلوكياته اليومية عن هذه الجو. وقد يبدو لأول وهلة بأن رؤيته للإنسان الواقعي الملموس والمحسوس تتناقض مع الرؤية العامة للإنسانية وللفكرة الروسية معها. إلا ان الحقيقة البشرية المعاشة لدى الملايين من البشر تؤكد بأن المسافة دائمة ما تكون شديدة البعد بين الحلم الجميل والواقع المر. فتجربة الأنسان في علاقته مع ذاته وداخل دائرة الأسرة والمجتمع والثقافة الواحدة تصيغ مفرداتها وكلامها وسلوكياتها العملية إشكاليات الأنانية وروح التضحية، العدوانية الإنفصالية والسلام العقلي، إغراءات المادة والتوق الى الروحانيات، الخاص الشخصي والعام الإنساني. التعصب لروح الجماعة المسورة بكاتدرائيات الدوغماتيات المتنوعة الألوان والمصادر، وتقديس الروح الفر دانية، الحرة، المعقلنة.

أشد ما كان يقلق دوستويوفسكي في نظرته للناس هو تلك الفئة التي تطاطأ رؤوسها كالقطعان امام اوامر السلطات كل السلطات أي كان نوعها. فهو لا يغمز بنظرته النقدية لسلوكية البشر، من زاوية العين الروسية الفاحصة، بل يوسع دائرة الرؤية لتشمل مشاكل وتناقضات وعذابات وآمال وطموحات واحلام البشر على المستوى العالمي. وحالة دوستويوفسكي تعكس موقف الأديب، الفيلسوف الحالم بعالم طاهر يصطدم دائماً بواقع الحياة البشرية المليئة بالثغرات والأخطاء والخطايا . وخلاص هذا العالم كان يراه دوستويوفسكي يتمثل بشهادة المسيح ورسالته على الأرض. وصورة الشعب الروسي الذي عاش دوستويوفسكي بين ظهرانيه طوال حياته كان يشبهها بصورة المسيح المصلوب.

 بيد أن هذا الشعب الذي تجمع معظم ابنائه عقيدة الإيمان الأورثوذكسية الواحدة مستعد لأن يخوض الحرب من اجلها كقيمة تجسد قدس الأقداس الروسية . فهو في الحياة العملية وفي اسئلته التي يطرحها على ذاته القومية وعلى علاقته مع روسيته والآخر، نجده يتوه في أجواء واسعة من القلق والضياع والحب والكراهية بين هذا الخيار او ذاك. (يتبع)

المراجع.

1- ميخائيل باختين. شعرية دوستويوفسكي. دار توبقال، المغرب، الدار البيضاء،1986،ص120

2- المرجع نفسه. ص. 121 (بالعربية)

3- دوستويوفسكي م.ف. المؤلفات الكاملة. المجلد 25، ص.20 (بالروسية)

4- دوستويوفسكي م.ف. المرجع نفسه ص .100

5- من كتاب " دوستويوفسكي والأرثوذكسية". موسكو،2003 . ص.30 .(بالروسية)

6- المرجع السابق.ص.28

7- دوستويوفسكي م.ف. المؤلفات الكاملة. المجلد الخامس.ص.116 (بالروسية)

8- دوستويوفسكي م.ف. المؤلفات الكاملة. المجلد الرابع عشر.ص53 (بالروسية)

9- دوستويوفسكي م.ف. المؤلفات الكاملة. المجلد الثالث عشر. ص 44 (بالروسية)

10- المرجع نفسه. ص.70 .

11- دوستويوفسكي م.ف. المؤلفات الكاملة. المجلد 15، ص 186 (بالروسية)