الرئيسية » حضاريات » د.سامي نصار* يكتب: في انتظار جودو “تجديد الخطاب الديني”
smy_nsr.jpg

د.سامي نصار* يكتب: في انتظار جودو “تجديد الخطاب الديني”

 

ولا يختلف الأمر كثيرا عندما نعلق حلول مشكلاتنا على تجديد الخطاب الديني الذي لم يأت (ولن يأتي)، كما لن يخرج علينا أحد من المؤسسات الرسمية التي أنيطت بها هذه المهمة ليعرفنا بعبارة موجزة ماذا يقصد بالخطاب الديني، وكيفية وآليات تجديده، وذلك لسبب بسيط أنه لا يوجد خطاب ديني واحد، فالخطاب الديني ليس صوتا واحدا بل أصوات متعددة  تعبر عن المجال العام بتفاعلاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وهذه التفاعلات تمثل قواعد إنتاج الخطاب، وبالتالي هو جزء من الخطاب الاجتماعي ومن ثم فلا ينتظر تجديد في الخطاب الديني مالم يحدث تغيير في قواعد إنتاجه.

فالخطاب بمعناه العام يشير إلى الطريقة التي يتم بها التأليف بين العناصر اللغوية لكي تشكل نظاما للمعنى يكون أكبر من حاصل جمع أجزائه. ومن هنا فأن المؤسسات الاجتماعية (مثل مؤسسات التعليم، و السياسة، و الدين، و القانون) تنتج أشكالا من الخطاب تعبر عن مجال الخبرة الاجتماعية التي تدور في فلكها. ويعد الخطاب، وفقا لهذه الرؤية، وسيلة لإنتاج المعنى و تنظيمه ضمن سياق اجتماعي معين. وهكذا تكون اللغة مفهوما أساسيا في نطاق هذه الرؤية، لأن اللغة هي التي تجسد أشكال الخطاب. وبهذا الاعتبار، يؤلف الخطاب “صيغة منطقية”، وهذا يعني أن أشكال الخطاب تعد بمثابة أساليب دالة أو كاشفة لطريقة التنظيم الدقيق للخبرة البشرية بالعالم الاجتماعي في صورة لغة، ومن ثم تؤلف هذه الأشكال الخطابية أنماطا للمعرفة.

ويبدو أن من تصوروا أنهم أوكلت إليهم مهمة تجديد الخطاب الديني لا يزالون مصرين على تبني الصيغ والأساليب التقلدية والقديمة، ويتبدى ذلك في الاليات التي يوظفونها في الخطاب وأهمها آلية الحذف والإلغاء، فهم يلغون المسافة بين الذات والموضوع، وبين العلم والدين، وبين الحاضر والماضي. كما يضفون القداسة على نصوص ثانوية يقمعون بها الخطابات المضادة وأصحابها، كما يفرطون في استخدام أساليب الوعظ والتأنيب، والتجريم والتأثيم، والتحليل والتحريم، والتعظيم والتقزيم.

إن الخطاب الديني أكبر و أشمل و أوسع من أن تنهض به مؤسسة بعينها، فهو واحد من عديد من الخطابات التي يستلزمها تكوين الوعي الاجتماعي، ويتقاطع و يتداخل معها و يأخذ منها و يعطيها. و تشير التجارب السابقة إلى فشل الأزهر ورجالة في الوصول إلى آلية أو صيغة تضمن التجديد المستمر للخطاب الديني. إن تجديد الخطاب الديني لن يتم في دهاليز الأزهر وأروقته، ولا في أقبية الكنيسة وباحاتها، وإنما هو رهن بتجديد المجال العام فهو أحد تجلياته مثله مثل غيره من أنواع الخطاب.
و بالتالي فإن القضية ليست في تجديد الخطاب الديني وحده، بل في صياغة خطاب تنويري عام يقوم على العقلانية، والديموقراطية، و حرية الفكر و التفكير و البحث وإنتاج المعرفة وتداولها و نشرها ومناقشتها دون قيد أوشرط أو وصاية من أي سلطة كانت سياسية أم دينية، و هذا لا يؤمن به من يتصورون أنهم قادرون وحدهم على تجديد الخطاب الديني، فهي شروط تتصادم مع خطابهم بقواعده وآلياته ومناوراته. ومن ثم سوف نظل في انتظار تجديد الخطاب الديني حتى يتحررمن أسر سدنة الدين والمتاجرين به، وحتى يتسع المجال العام ويتجدد فتتجدد معه كل أنواع الخطاب التى قد يكون من بينها خطاب ديني جديد.

ولا أستطيع أن أختم هذا المقال إلا باقتباس جزء من مسرحية في انتظار جودو يلخص حال بطلي المسرحية…ويلخص حالنا أيضا

“ﻓﻼدﻳﻤﯿﺮ : إﻧﻨﺎ ﻓﻰ إﻧﺘﻈﺎر ﺟﻮدو.

اﺳﺘﺮاﺟﻮن : آه.. ( ﻓﺘﺮة ﺻﻤﺖ) ھﻞ أﻧﺖ واﺛﻖ؟

ﻓﻼدﻳﻤﯿﺮ : ﻣﺎذا؟

اﺳﺘﺮاﺟﻮن : أن ھﺬا ھﻮ اﻟﻤﻜﺎن اﻟﺬى ﻳﺠﺐ أن ﻧﻨﺘﻈﺮ ﻓﯿﻪ..

ﻓﻼدﻳﻤﯿﺮ : ﻟﻘﺪ ﻗﺎل ﺑﻘﺮب ﺷﺠﺮة( ﻳﻨﻈﺮ إﻟﻰ اﻟﺸﺠﺮة) ھﻞ ﺗﺮى أشجارا أﺧﺮى ؟ ً

اﺳﺘﺮاﺟﻮن : ﻳﺠﺐ أن ﻳﺄﺗﻰ إﻟﻰ ھﻨﺎ

ﻓﻼدﻳﻤﯿﺮ : إﻧﻪ ﻟﻢ ﻳﻘﻞ أﻧﻪ ﺳﻮف ﻳﺄﺗﻰ ﻋﻠﻰ وﺟﻪ اﻟﯿﻘﯿﻦ.

اﺳﺘﺮاﺟﻮن : وإذا ﻟﻢ ﻳﺄت ؟

ﻓﻼدﻳﻤﯿﺮ : ﺳﻮف ﻧﺤﻀﺮ إﻟﻰ ھﻨﺎ ﻓﻰ اﻟﻐﺪ.

اﺳﺘﺮاﺟﻮن : ﺛﻢ ﺑﻌﺪ ﻏﺪ.

ﻓﻼدﻳﻤﯿﺮ : رﺑﻤﺎ.

اﺳﺘﺮاﺟﻮن : وھﻜﺬا ﺑﺎﺳﺘﻤﺮار.”

 

نقلا عن موقع "هوامش"

************************

* استاذ اصول التربية-مصر