الرئيسية » سياسة واقتصاد » عظمة الشاشات – بقلم أمينة خيري
shsh.jpg

عظمة الشاشات – بقلم أمينة خيري

لم يستغرق الأمر أكثر من نحو عقد من الزمن لتعلن برامج السياسة والحوار، سيطرتها كاملة على أدمغة المواطنين، ومن ثم على آرائهم ومواقفهم وتوجهاتهم وعقائدهم وصولاً الى مصائرهم.

ولّت سنوات كان المواطن يغرق في مباريات كرة القدم، أو ينغمس في مسلسلات وأفلام مصرية، أو يهرب إلى عالم آخر اسمه المسلسلات التركية، أو حتى يعيش ساعات في عالم ما يسمى تلفزيون الواقع.

 

نبذ المشاهد العربي كل ما سبق، وسلّم نفسه طوعاً لبرامج الـ «توك شو» السياسية التي أصبحت سمة المنطقة العربية. وبغض النظر عن تصنيفاتها وانتماءاتها المتناقضة وتوجهاتها، فإن الـ«توك شو» العربي تحول من صناعة تلفزيونية أو إعلام عربي أو حتى بيزنس مالي إلى قوى عظمى عربية.

 

وعلى مدى عقد كامل، تحوّلت هذه البرامج من وسيلة للاطلاع على الأخبار، أو طريقة لفهم المجريات، أو منصة للاستماع إلى الأصوات المختلفة والآراء المتباينة إلى ما يشبه القوة السياسية الضاربة القادرة على توجيه إرادة الشعوب وصناعة رأي عام من الألف إلى الياء.

 

نظرة إلى برامج الـ«توك شو» العربية على مدار السنوات القليلة الماضية، كفيلة بأن تتعامل معها باعتبارها فاعلاً رئيساً ومحركاً محورياً وصاحب قدرة حقيقية على التحكم في مصائر المنطقة. فمن سنوات قليلة، جُهزت شعوب المنطقة لاستقبال الربيع العربي الموعود حيث عرض واستغراق في الهموم والمشكلات والصعاب التي يعيشها المواطن العربي الكادح، وكانت تغطيات على الهواء لانطلاق شرارات الثورات، ما زاد التصاق المواطن العربي بشاشته، يستطلع منها الأحداث، ويتعرف من خلالها إلى التطورات، ويستشرف عبر خبرائها ما هو مقبل عليه من أزمات وكوارث وأعاصير.

 

وقد أحكم الـ«توك شو» قبضته على مصائر ملايين العرب عبر سلاح التنظير. هذا السلاح تحمله على مدار ساعات البث جيوش جرارة من الخبراء الأمنيين والاستراتيجيين والعسكريين والسياسيين والاجتماعيين والاقتصاديين والنفسيين. وبدلاً من أن يملي المشاهدون رغباتهم ومشكلاتهم على الشاشات، باعتبارها في الأصل خدمة من خدمات التواصل والإعلام الجماهيري، أصبحت الشاشات هي من يملي على جموع المشاهدين الرغبات والتوجهات. لكنها تفعل ذلك في منتهى الذكاء والحنكة، إذ تجعلها تبدو كأنها مرآة المشاهد. جانب كبير من مجريات العالم العربي اليوم يقبع في أيادي الـ«توك شو»، سواء كانت العقول المحركة لتلك الأيادي وطنية أو دولية، حكومية أو خاصة، تابعة لأجهزة استخباراتية أو مملوكة لجماعات مصالح أو تهيمن عليها كائنات من الفضاء.

 

المهم أن هذه الشاشات وما تبثه صار أكبر من الواقع. هذه الشاشات لم تعد وسيلة إعلام، بل تحولت قوى عظمى عظمتها في شاشتها.

 

١٨ نوفمبر/ تشرين الثاني ٢٠١٦