الرئيسية » حضاريات » اللغة العربية في روسيا القيصرية: رؤية تاريخية – ناظم مجيد حمود / الجزء الاول
llg_lrby.jpg

اللغة العربية في روسيا القيصرية: رؤية تاريخية – ناظم مجيد حمود / الجزء الاول

وفرضت استحداث كراسي اللغات الشرقية في أقسام علوم اللغات، بعد إعادة بناء الجهاز الإداري والأكاديمي في جامعة موسكو وتأسيس جامعتي قازان وخاركوف،. وحينذاك كان يقصد باللغات الشرقية، في روسيا كما هو في أوروبا، لغات الإنجيل ولغات الشرق الإسلامي. ويُذكر أن أول مدرسة روسية لإعداد المعلمين تأسست في عهد القيصر أَلكسندر الأول في مدينة بطرسبورغ عام (1803)، وفي السنة التالية رُقية إلى معهد التربية، وفي الثامن من شباط عام (1819) حوّل إلى جامعة بطرسبورغ بمفهومها الحديث، واليوم تواصل رسالتها التربوية والتعليمية كواحدة من أهم وأكبر الجامعات الروسية والأوروبية.، وفي هذا المعهد أنشأ كرسيان للغات الشرقية هما: كرسي اللغة العربية وكرسي اللغة الفارسية. وللشروع في تدريس هاتين المادتين دعت وزارة المعارف الروسية المستشرقين الفرنسيين ديمانش (ت:1839) وشارموا (1793-1868)، وفي نهاية آذار (1818) بدءا التدريس. وكلاهما كان يحمل لقب بروفيسور. ولغرض مساعدة المستشرقين الفرنسيين في توجيه الدروس العملية لطلاب اللغتين العربية والفارسية عُين الأستاذ ميرزا توتشيباتشيف مدرساً، وكان الأستاذ ميرزا ذا معارف علمية عالية.

تدريس اللغة العربية

في تاريخ الاستشراق الروسي يُعد عام (1818) عاماً مشهوداً. إذ بدأ في نهاية آذار، كما ذكرنا، تدريس اللغتين العربية والفارسية في معهد التربية المركزي، وفي الحادي عشر من تشرين الثاني قررت إدارة أكاديمية العلوم الروسية إنشاء قسم خاص بالأوسمة والمسكوكات والمخطوطات والكتب الشرقية وعينت المستشرق كريستيان فرين (روسي النشأة ألماني الأصل) خازناً لهذا القسم الجديد. وهكذا جرى في عام (1818) تأسيس مركزين أكاديميين في مدينة بطرسبورغ قاما بدور كبير في تطوير علم الاستشراق الروسي: الأول في معهد التربية المركزي، الذي شكل نواة كلية اللغات الشرقية في جامعة بطرسبورغ (تأسست عام1855)، والثاني المتحف الآسيوي التابع لأكاديمية العلوم الروسية (تأسس عام 1818)، أول مؤسسة أكاديمية للبحوث والدراسات الشرقية في روسيا.

وبعد مضي عامين على إعادة تأسيس جامعة بطرسبورغ، وتحديداً في عام (1819) أُنشئت ثلاثة أقسام جديدة في كلية التاريخ والآداب هي:1- قسم التاريخ، 2- قسم الآداب، 3- قسم العلوم الشرقية. وفي القسم الأخير درّس الأستاذ الفرنسي ديمانش مادة اللغة العربية، ودرّس الأستاذ الفرنسي شارموا مادة اللغة الفارسية. وأدار الدروس التطبيقية في هاتين المادتين المدرس ميرزا توتشيباتشيف. وإثر استقالة كل من الأستاذين ديمانش وشارموا من جامعة بطرسبورغ عام (1821) كلف المدرس توتشيباتشيف بمهمة تدريس مادتي اللغة العربية واللغة الفارسية، بعد أن رُقي إلى درجة أستاذ مساعد، وحينذاك ترأس كرسي علوم اللغة العربية وآدابها في جامعة بطرسبورغ.. وفي عام (1822) دعت جامعة بطرسبورغ المستشرق الشاب يوليان سينكوفسكي (1800- 1858) للتدريس في الجامعة، وبدأ في (18/ آب/ 1822) تدريس مادتي اللغة العربية واللغة التركية على الرغم من أن تدريس مادة اللغة التركية أدخل، رسمياً، في الجامعات الروسية عام (1835). وتميزت محاضرات البروفيسور سينكوفسكي بالمعارف العلمية الغنية والمعلومات الواسعة الضرورية. واجتهد في إطلاع طلابه على مصادر المعرفة الحيّة، هذا ما يؤكده طلابه ومريدو مجالسه العلمية والأدبية ومنهم العالمين غريغوريف وسافيليف. وبعد فترة وجيزة من عمله في تدريس اللغات الشرقية بدأت اهتمامات العلامة يوليان سينكوفسكي بعلوم الاستشراق تتراجع مسجلة ميلاً واضحاً نحو النشاطات الأدبية والثقافية، الأمر الذي دفعه عام (1834) إلى إصدار مجلة (مكتبة المطالعة) وتدريجياً تفرغ للعمل في المجلة وانقطع عن التدريس، وآنذاك فقدت الجامعة أستاذاً قديراً وكسبت المحافل الأدبية الروسية أديباً وناقداً فذاً..، وفي عام (1827) كلف المستعرب فولكوف (تخرج في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة سانت بطرسبورغ عام (1823)، وعمل مساعدا للبروفيسور يوليان سينكوفسكي منذ عام (1824)، والعلامة لاحقاً في المتحف الآسيوي) بتدريس مادة اللغة العربية وآدابها لطلاب السنة الأولى في الجامعة.

مراكز الاستشراق

جدير بالذكر أن وزارة الخارجية الروسية أنشأت يوم 29 أيار عام (1883)، قسماً لتعليم اللغات الشرقية في الدائرة الآسيوية التابعة للوزارة. وجرى في هذا القسم تدريس اللغات: العربية والفارسية والتركية. وهكذا أصبح، مع نهاية عشرينات القرن التاسع عشر،عدد مراكز الاستشراق في مدينة بطرسبورغ وحدها أربعة : 1- قسم علوم اللغات الشرقية في جامعة سانت بطرسبورغ. 2- المتحف الآسيوي التابع لأكاديمية العلوم الروسية. 3- قسم تعليم اللغات الشرقية التابع للدائرة الآسيوية في وزارة الخارجية الروسية. 4- قسم المخطوطات الشرقية في المكتبة الإمبراطورية الروسية.

وعاماً بعد عام ساهمت هذه المؤسسات في إرساء تقاليد دراسة علوم لغات وتاريخ وأديان وثقافة شعوب الشرق وخلقت ظروفاً مواتية لنمو وتطورٍ عاصفٍ في حقول علم الاستشراق في بطرسبورغ وروسيا عموماً. الأمر الذي حثَّ العلماء- المستعربين: فرين وشارموا وسينكوفسكي على توزيع مذكرة مشتركة في عام (1829) طالبوا فيها الجهات المعنية افتتاح صفوف دراسية خاصة بعلوم اللغات الشرقية وآدابها. وفي وقت لاحق فرضت اللائحة الجديدة لميثاق الجامعات الروسية،أُقرت عام (1835)،على أقسام التاريخ والآداب وكليات الفلسفة في الجامعات والمعاهد إدخال تدريس اللغات الشرقية في مناهجها الدراسية وخصوصا العربية والتركية والفارسية والتترية والمنغولية. ومع أنَّ اللائحة المذكورة نصت على تدريس اللغة المنغولية إلا أن تدريس هذه المادة لم يتم إلا بعد عشرين عاماً.، ومن الملائم أن نذكر أنه حتى ثلاثينات القرن التاسع عشر كانت اللغات الشرقية تدرس في الجامعات والمعاهد الروسية التالية: جامعة بطرسبورغ، جامعة قازان، معهد لازاريّف للغات الشرقية في موسكو،تأسس عام (1815)، المعهد الشرقي في أوديسا..

وأُنشئ في جامعة بطرسبورغ، استناداً إلى ميثاق الجامعات الروسية المُقر عام (1835)، قسم العلوم الشرقية في كلية الفلسفة وضم ستة كراسي هي: 1- كرسي اللغة العربية وآدابها. ترأس هذا الكرسي، حتى عام (1847)، البروفيسور يوليان سينكوفسكي، وعاونه في تدريس مادة اللغة العربية وآدابها المستعربون: فولكوف (توفي عام1846) وموخلينسكي (1808-1877) وكاظم بيك (أول عميد لكلية اللغات الشرقية). ودُعي، بعد اعتزال البروفيسور يوليان سينكوفسكي التدريس، العلامة المصري الشيخ محمد عياد الطنطاوي للإشراف على تدريس مادة اللغة العربية وآدابها، وقبل ذاك ومنذ عام (1840) كان الشيخ الطنطاوي يشغل منصب أستاذ في قسم اللغات الشرقية التابع للدائرة الآسيوية بوزارة الخارجية الروسية. 2- كرسي اللغة الفارسية وآدابها. 3- كرسي اللغة التركية وآدابها. أدرج تدريسها في لائحة النظام الداخلي للجامعات الروسية عام (1835). 5- كرسي اللغة الجورجية وآدابها. بدأ تدريس هذه اللغة عام(1841). 6- كرسي اللغة الأرمنية وآدابها. شرع في تدريس هذه اللغة عام (1845). وتشير المصادر إلى أن لائحة النظام الداخلي للجامعات الروسية عام (1835) لم تتضمن تدريس اللغتين الجورجية والأرمنية.

 

القدس العربي 2014