الرئيسية » سياسة واقتصاد » اليويبل الذهبي للمركز الروسي فى مصر (1) – أحمد مصطفى
lywybl_ldhhby_llmrkz_lrwsy_f_msr_1.jpg

اليويبل الذهبي للمركز الروسي فى مصر (1) – أحمد مصطفى

             

وقد ألقى كل من السيدين صاديقوف قنصل عام روسيا، والذي دعا قناصل اليونان وتركيا واسبانيا للمنصة، وكذلك السيد/ أيكسى تيفانيان كلمة بهذه المناسبة الكبيرة عن تاريخ العلاقات الثقافية بين مصر وروسيا ومستقبله والأمل فى تعميق هذه العلاقات بما يتلاءم مع حضارة البلدين العظيمين – بينما تمحورت كلمتى على ما يلى:-

خمسون عاما على العلاقات الثقافية الروسية المصرية – هناك مثل صينى مهم "إن أردت أن تبنى العلاقات، فعليك بمد الجسور" – هنا الجسور تتمثل فى جانبين "الجانب الإقتصادى والجانب الثقافى" الجانب الثقافى من أهم الأمور التى تربط وتخلق علاقات طيبة بين البلدان لأنها تجعلنا نتعرف على تفكير الآخر وبالتالى صياغة علاقات سياسية واستراتيجية أقوى.

وبمراجعتى لعلاقات مصر مع روسيا، والتى تدخل عامها الـ 75 على وجه العموم ثم علاقاتها الثقافية الممتدة لـ 50 عاما على وجه الخصوص – فأجد أن العصر الذهبى كان منذ نهاية الخمسينيات بداية من المهرجان العالمى للشباب سنة 1958 ومشاركة مصر بإحدى فرقها للفن الشعبي، وايضا مشاركة احد اكبر نجمات السينما والإستعراض "نعيمة عاكف" بثلاث تابوهات فنية راقصة استطاعت من خلالها الفوز بلقب أحسن راقصة فى العالم ما بين 58 دولة مشاركة فى ذات المهرجان.

تمصير الأدب وارتباطه بصناعة السينما فبداية من "أنا كارنينا – نهر الحب" بطولة عمر الشريف وفاتن حمامة من روائع تولستوى – ثم ثلاثية دوستفسكى "الجريمة والعقاب/ سونيا والمجنون – الأبله /العبيط – الإخوة كرامازوف/ الإخوة الأعداء" إلى وجود مدربين رقص روس محترفين للفرق الشعبية المصرية وكذلك لفرقة رضا وايضا لأكاديمية الفنون لتطوير فن الباليه فى مصر وحصول مصر فى ذات التوقيت على العديد من الجوائز العالمية او على الأقل المشاركة القوية.

طبعا على مستوى الفكر والشعر والكتابة فلدينا الكثير من الكتاب والشعراء الروس المشهورين جدا فى مصر والعالم كـ "تولستوى ودوستافسكى وتشيكوف" وايضا "بوشكن" شاعر السيف والقلم فى روسيا والذى أنتج شعرا رائعا غزيرا وقتل وهو فى ريعان شبابه بشرف فى المبارزة الشهيرة بسبب الوشاية فى سان بطرسبرج، ومؤخرا تم اهداء تمثال له من روسيا الى مصر فى احتفالية خاصة به فى إبريل الماضى، وحتى لينين والذى قام بالتنظير للمذهب والفكر الشيوعى وأحد زعماء الثورة البلشفية فى ذكراها المئوى هذه الأيام.

ودائما نفخر فى مصر بكون روسيا ضيف شرف معرض القاهرة الدولى للكتاب نظرا للانتاج الفكرى الغزير والذى يحتوى على وجهة نظر مخالفة لوجه النظر الغربية، وعلى مستوى الموسيقى أيضا لدينا "موسيقى تشيكوفسكى" أشهر مؤلف وموسيقار وعازف للبيانو فى روسيا بل وربما فى العالم، والذى تعقد فى ذكراه سنويا مسابقة عالمية فى عزف البيانو فى موسكو، وايضا كورساكوف صاحب مقطوعة ترتبط وثقافتنا العربية والشرقية "شهرزاد" والتى يتم عزفها باستمرار فى مسلسلات الف ليلة وليلة والفوازير بشهر رمضان بمحطات التلفزة المصرية.

لن أقوم بسرد أمور كثيرة تقليدية كالآخرين – انا أعمل كباحث اقتصاد سياسي وبمجال الترجمة و"عضو مجموعة رؤية استراتيجية – روسيا والعالم الإسلامى – إعلاميون ضد التطرف" – فحاليا تنسق معى المجموعة لترجمة إحدى الكتب المهمة الصادرة عن د/ سهيل فرح رئيس تحرير موقع المجموعة بعنوان "الحضارة الروسية" – كل هذا يتم من خلال الإنترنت وكان من ضمن شروط الترجمة أن يكون المدقق اللغوى بريطانى الجنسية، وبالفعل لدى بعض الأصدقاء بريطانيا ننسق سويا لإنجاز هذا العمل فى أقرب وقت، لكى يتم عرضه سواء فى مصر أو بعض الدول العربية المهتمة بالحضارة الروسية أو حتى فى الغرب، وكل هذا يتم من رقميا فلم يكن يتم تصور ذلك من قبل وأنا اعيش فى الإسكندرية والمجموعة موجودة بموسكو والمدقق يعيش بلندن.

حيث دخلت الثقافة بشدة فى زمن الرقمنة، وبالتالى الدول التى لا تعرض منتجاتها الثقافية والفنية من خلال الإعلام الرقمى ووسائل تواصل الإجتماعى، لن يكن لها على المدى البعيد دورا مؤثرا فى العالم، وهنا لا اتكلم عن الكتاب فقط حتى لا يساء فهمى، ولكن اتكلم عن تحويل المنتجات الثقافية والفكرية الى الإنترنت، قد يتفوق الغرب علينا من خلال اختراعه للانترنت والتحكم فيه من خلال محركات البحث التى اخترعها، وايضا غزارة المعلومات التى توضع من جانبه فيه، وبالتالى فى اعلامه العادى اصبح يطلق مواقع ناطقة بالعربية لكسب ود الجمهور والشباب العربي وخصوصا المصرى، ليضمن ان يكون لديه ولاءا وتعلقا بالغرب.

ولكن منذ بداية الألفية أرى جهدا لا بأس به من جانب روسيا والصين لمجابهة هذا التوغل الغربي الرقمى والإلكترونى، وخصوصا عندما أشاهد مواقع مثل "بيدو، ويوكو" الصينيين وأيضا "ياندكس" الروسى الموازيان لموقع "جوجل، ويوتيوب" الأكثر مشاهدة عالميا والذان اصبحا ايضا محاطين بالمعلنين والرعاة بما يحقق صاحب هذا المنتج من نسب مشاهدة عالية بالملايين.

وكذلك أصبح هناك تميزا للاعلام "الروسى والصينى والإيرانى واللبنانى" على وجه التحديد خصوصا فى المجال الإخبارى، وذلك من خلال متابعتى لفضائيات مثل "آر تى بالعربية والإنجليزية" وموقع "سبوتنك" الروسيين، وأيضا متابعة قناة "سي سي تي فى" الصينية الإنجليزية، وقناة "برس تى فى" الإنجليزية والإيرانية، وطبعا قناة "الميادين" اللبنانية وذلك لجودة واحترافية المحتوى الخاص بهم مجتمعين، والذي ينافس بشدة الإعلام الغربي.

وما يزعجنى التضييق على القنوات الروسية من قبل بعض الدول، والتى تقول أنها تحترم حرية التعبير، وأصبح ذلك أمرا مفضوحا للعامة لما نجح فيه الروس وبميزانية محدودة مدارة بشكل ومفهوم احترافى كفء بتغيير وعى المواطن الغربي والعربي عن روسيا، وتسليط الضوء على سلبيات المجتمعات الغربية تلك السلبيات التى كانوا يتهمون الروس بها مسبقا كصور نمطية.

  

أيضا تصدى رجال القانون الروس والصينيين والإيرانيين لإيقاف هيمنة الغرب على القوانين الدولية المنظمة للملكية الفكرية وحقوق النشر فى عديد من المواقع، وخصوصا فى المنظمة العالمية للملكية الفكرية وفى منظمة اليونسكو، فالترجمة والنشر الإلكترونى من أهم الموضوعات الخاصة بالتأثير الثقافى.

حيث أصبحت التكتلات والمشاريع الثقافية المشتركة أمرا مهم للغاية يتشابه مع الأمور السياسية والإقتصادية لأنه صعب جدا على بلد وحدها أيا  كانت، أن تقوم منفردة بتحمل عبء مالى كبير مثل 50 عاما سابقة وذلك لنشر ثقافتها، حيث طغت الماديات واللوجيستيات والإحترافية على الهواية واختلفت المفاهيم، فمثلا عند مشاهدتى لفيديوهات خاصة بفرقة روسية جديدة تسمى "موسكو بويز – أولاد موسكو" فطلبت من الصديق أليكس الإتيان بهم خصوصا فى الإحتفال باليوبيل الذهبي، طبعا تكلم أليكس عن التكلفة العالية نظرا لشهرة الفرقة حاليا بروسيا ونلاحظ هذا الأمر أيضا فى المراكز الثقافية الغربية الأخرى.

وعليه فالمشروعات والشراكات الثقافية أصبحت أيضا ترتبط بالإقتصاد وخصوصا أن الشركات الكبرى والبنوك تخصص جزءا من إيرادات مشروعاتها لما يسمى "المسئولية الإجتماعية" والتى يمكن أن تمول من خلالها تلك النشاطات الثقافية المهمة، والتى لا ترتبط بالرفاهة الاجتماعية فقط، والتى يمكن ان تحارب مليون مرة الإرهاب والتطرف أكثر من الوسائل الأخرى وخصوصا الأمنية.

وهنا أود أن أشكر "شركة روس أتوم الروسية" وعلى نشاطها وخصوصا ما سنقوم به اليومين التاليين فى اللقاء المرتقب مع المدرستين واحدة حكومية والأخرى خاصة، وذلك للمساهمة فى بناء نواة قاعدة علمية ثقافية داخل الإسكندرية تكون رابط ما بين مصر وروسيا وتشجع الشباب المهتمين بالبحث العلمى والثقافة الروسية فى نفس الوقت.

ومن هنا أدعو الشركات المصرية الكبرى والبنوك الإهتمام بالبرامج الثقافية للمصريين ودعمها، لأنها ستضرب عصفورين بحجر واحد "محاربة الإرهاب وأيضا محاربة البطالة وتفريغ طاقات الشباب" من خلال جهود بناءة تخدم مستقبل مصر، ويمكن أن يكون هناك شراكة مع شركات روسية فى هذا الصدد بالتنسيق مع الجانب الروسي.

ولكن هذا يأتى من وجود رؤية وخطة واضحة المعالم محددة معدة مسبقا مع أصدقائنا الروس من خلال المركز الثقافى للعلوم والثقافة ومن خلال السفارة الروسية حتى نسير فى الأطر الرسمية – على سبيل مثال مشروع ترجمة عددا من مسلسلات وأفلام وكتب وبرامج مصرية عالية الجودة الى الروسية.

فمتحدثى اللغة الروسية ليسوا هم فقط 125 مليون نسمة سكان روسيا ولكن ايضا توجد دول أخرى وخصوصا دول الكومنولث الإسلامى الروسي السابق مثل "كازاخستان وأوزباكستان وآزربيجان وتتارستان والشيشان وانجوشيا وغيرها" وهى جمهوريات كثيفة السكان وللاسف المستثمر المصرى يغيب عنها.

فبيع مسلسل أو فيلم أو كتاب مترجم للروسية وخصوصا أن مصر بلد الأزهر سيشكل فارقاً، وسيعود بالنفع على الإقتصاد المصرى، وستفتح آفاقا جديدة فى مجالات تعاون ثقافى وسياحى واستثمارى – أيضا سيكون هناك فرص عمل تُخلق لمترجمين مصريين ومحررين روس، وسيستفيد ممول المشروع من المكاسب التى ستعود عليه من البيع لأنه كما نرى المسلسلات التركية والهندية والإيرانية والمكسيكية والبرازيلية غير الأمريكية طبعا ملء السمع والبصر، نظرا لأن عليها طلبا كبيرا فى كل الدول العالم ومنها مصر.

من حسن الحظ أنه أصبح لدينا أيضا مبادرة طريق الحرير، والتى ستولى الأنشطة الثقافية الكثير من الإهتمام، والتى ستربط حوالى ما يزيد عن سبعين دولة من أقصى شرق الصين وروسيا وحتى بريطانيا مرورا بمنطقتنا، ولديها أيضا صندوق يمكنه تمويل مشروعات ثقافية كبري يكون الهدف منها القضاء على الارهاب والبطالة من خلال الفنون.

وكذلك منتدى سان بطرسبرج الثقافى الدولى، الذى أختتم أعماله الأمس، والذى شهد توقيع حوالى 52 إتفاقية تعاون وشراكة ثقافية، وحضور زاد عن (20 ألف) ضيف من كل أرجاء العالم، وكانتا كلا من اليابان وكازاخستان ضيفتا الشرف هذه الدورة السادسة – دعونا نفكر سويا فى ذلك فى مستقبل الثقافة هذا امر يتطلب الكثير من الإهتمام.

فى النهاية هنيئا لأصدقائى الروس باليوبيل الذهبي للمركز الروسي.

ولكم خالص محبتي وجزيل شكرى.

 

أحمد مصطفى

رئيس مركز آسيا للدراسات والترجمة