الرئيسية » حضاريات » إسلام التاريخ وإسلام الضمير

إسلام التاريخ وإسلام الضمير

د. عمر بوساحة ( الجزائر)
إذا كان من الجائز القول بان المرحلة الأولى من التاريخ الاسلامي كانت مرحلة تعايش وهدوء نسبي، فإن ما تلاها من مراحل كان أغلبه تقاتل وصراعات، الأمر الذي جعل الكثير من المتتبعين يرون الاسلام في هذه التجارب التاريخية، التي لم تخل مرحلة منها من تقاتل ودماء، وصولا الى زمننا الراهن. فأصبح الاسلام لدى هؤلاء هو هذا التاريخ. والحقيقة أن الكثير منا نحن الذين ننتمي الى هذا الدين لا نفصل بن حقيقة الاسلام كدين وهذه المآسي، طالما أن كل الفئات التي تتقاتل تقدم نفسها بأنها تمثل الاسلام الصحيح.
لا يكون الاسلام “حقيقيا” في نظرنا إلا اذا تحرَر من مصالح  الفئات السياسية وصراعاتها من أجل السلطة والمكاسب والنفوذ. لقد أصبح عسيرا عند  الكثير منا التمييز في النقد بين الاسلام كدين يخص الضمير الانساني بما يتضمنه من مبادئ عالية نبيلة، وبين هذه التجارب التي شوهت الاسلام كدين في العالم، والتي لا يزال في الحاضر يمارسها الكثير. يثور جماعة الاسلام السياسي من الشجب الذي يطال بعض السلوكات المشينة  التي تنسب للاسلام وللشعائر الدينية، وفي الحقيقة أن هذه السلوكات تستحق إدانتهم هم كذلك  لو أنهم عاينوها بموضوعية ونزاهة، وتحرروا من الصراع الانفعالي المسيس الذي بينهم وبين الآخرين.
سيبقى الاسلام هكذا محل صراعات في بلدنا إذا نحن لم نحرره من السياسة والمصالح المرتبطة بها. فالاسلام دين للنقاء وصفاء الضمائر والأخلاق النظيفة، وليس دينا للأحقاد واللؤم ووضع الكمائن، التي مارسها  الساسة وزبانيتهم وكل من دخل تحت جبَتهم عبر مراحل تاريخنا الاسلامي الطويل.
 قتل الملوك آلاف المسلمين مثلهم،  وقتل المسلم أخاه وهو راكع الى جانبه في المسجد على اعتباره عدوا للدين، ولم ينتبه إلى أن دين المصالح هو من ارتكب الجريمة، وليس الاسلام الحق إسلام الضمير. لا يصبح الاسلام دينا فاعلا في التاريخ “ولن نبقى في التاريخ نحن كذلك”، إلا إذا عاد الدين إلى موطنه الأصلي، إلى ضمير الانسان الفرد، وتميز عن السياسة ومطامح الأشخاص في الوظيفة والأدوات. فوظيفة السياسة تحقيق المصالح، وفي ذلك فليتصارع المتصارعون. أما وظيفة الدين فهي تربية الانسان على الصدق والنقاء وحب الخير للناس ونظافة والضمير.

اترك تعليقا