الرئيسية » حضاريات » همس النيل: مصر وروسيا.. المستقبل يبتسم

همس النيل: مصر وروسيا.. المستقبل يبتسم

بقلم حمدي حنضل
كلما ظن البعض ان مصر لن تقوم لها قائمة.. اذا بها تنهض وتبهر بقوتها وشموخها الصديق قبل العدو.. فإن مصر اعرق الامم على وجه الارض.. امة واحدة لشعب يضم مسلمين ومسيحيين بلسان عربى عاشوا عيشا مشتركا على مدى زمنى طويل.. لا احد استطاع او يستطيع تفكيكها.. بهذه الكلمات اختتم الدكتور طه عبدالعليم تعقيبه على عالم الحضارات الروسى الدكتور سهيل فرح رئيس الجامعة المفتوحة لحوار الحضارات بموسكو.. فى ندوة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بالقاهرة اقامتها حول كتابه «الحضارة الروسية.. المعنى والمصير» وشهدت
مناقشات جادة كانت مصر حاضرة فيها بقوة. المشاركون رموز مصرية من بينهم الفريق الدكتور هشام الحلبى والدكتور عزت سعد سفير مصر الاسبق بموسكو والمدير التنفيذى للمجلس المصرى للشئون الخارجية.. والدكتورة نورهان الشيخ الاستاذ بالكلية والدكتورة سماء سليمان بمجلس الوزراء وادارها الدكتور محمد سالمان وكيل كلية الاقتصاد والعلوم السياسية ومع سخونة المناقشات.. تتكشف المعلومات حول حقائق التاريخ.. وتأثير الجغرافيا.. وأوجه التأثر والشبه والاختلاف بين الحضارة الروسية والحضارات المصرية القديمة والقبطية
والاسلامية. ولان جمهور الحاضرين ملء القاعة تجمعهم الاهتمام بالعلوم السياسية ومستقبل العلاقات الدولية فإن المناقشات لم تخل من حديث حول مستقبل روسيا.. والعالم الاسلامى ومصر فى القلب. عبقرية المكان تجلت فى مصر بكتابات جمال حمدان.. وفى روسيا أسموها جبروت المكان فإن روسيا تضم نصف القارة الاوروبية وثلث القارة الاسيوية.. والمناخ الروسى يتسم بالقسوة مما ادى لخلق حالة من التحدى الدائم واستطاع الانسان الروسى تطويع المكان رغم قسوته. وفى مصر لم تكن الارض سهلة ممهدة وانما قهرها المصريون بقوتهم وارادتهم فكانت ثورة الحياض ثم صورة الرى الدائم.. وهنا تتجلى عظمة المصريين فعندما كان عددهم 10 ملايين نسمة لم تكن بريطانيا الا مليونا واحداً من السكان فكانت مصر سلة الغذاء ولديها ما يكفى كل سكانها.. فالمصريون روضوا الطبيعة لتلبية احتياجات الامة المصرية منذ 5400 سنة. وفى كل من مصر وروسيا تتجلى قيمة النهر مصدراً للحياة فى الدولتين.. فالنيل فى مصر لم يكن التعامل معه بالامر السهل.. فقد واجه المصريون تحدى الجفاف سنين.. والغرق سنوات.. وبينما استطاع المصريون كبح جماح النهر واقاموا اكواما من التراب لحمايتهم فكانت كوم حمادة وكوم امبو وغيرهما لدرء حظر الغرق وعرف المصريون كيف يدخرون من السنوات السمان.. لاحتياجاتهم فى السنوات العجاف وفى روسيا فإن نهر الفولجا يمثل الام الحاضنة للحياة كما النيل للمصريين وهو اطول الانهار الاوروبية قاطبة ويمتد 1500 كيلو متر وعلى ضفافه عاش عدد كبير من الشعوب الروسية لكل منها تاريخه وشخصيته يتشاطرون الحياة بأفراحها واتراحها.. بانتصاراتها وانكساراتها.. وللاسف فإن ثلث السكان الروس يعيشون فى مناطق غير صحية ورغم المدى الجغرافى الاوسع والاكبر على هذا الكوكب للدولة الروسية فإن الارض الزراعية لاتكفى حتى الآن سوى 47 فى المائة من السكان.. والثروة الحيوانية لاتلبى الا 53٪ من احتياجات الانسان لتتجسد الاسئلة لماذا ضعفت الانتاجية وهل السبب فى ذلك قسوة الطبيعة ام ان هناك اسباباً اخرى تظل مفتوحة. وناقش الحاضرون وبينهم المستشرقة الروسية الدكتورة نائلة عبدالحميدوف الاستاذة بجامعة قازان الفيدرالية والدكتور شريف جاد.. قضية الهوية.. وتبرز مجموعتان هما الاكثر تأثير َا فى الحضارة الروسية وهما الارثوذكسية والاسلام فقد ساهما فى رسم الملامح الروحية والثقافية لروسيا.. وحتى بالقانون.. فقد صدر فى 21 يونيو 2001 قانون يشير إلى التنسيق المشترك بين الدولة والمجموعات الدينية فى حقل النشاطات التثقيفية الروحية والخيرية للحفاظ على وحدة الدولة.. وبالارقام فإن عدد المساجد عام 1999 فى روسيا وصل إلى 4 آلاف مسجد بالاضافة إلى 2734 جمعية اسلامية و106 مدارس ومعاهد عالية للتعليم الاسلامى ويصل عدد المسلمين فى بعض التقديرات إلى 30 مليون مسلم.. وتكشف المناقشات ان مصطلح «الروسيا» ظهر اول ما ظهر عند البيزنطيين فى القرنين التاسع والعاشر الميلادي.. لتظهر روسيا كتجمع تاريخى لتكتل من الشعوب الكثيرة ذات توجهات حضارية مختلفة وحدتها دولة مركزية قوية. وفى حالة مصر اشار الحاضرون إلى ان المصريين امتازوا بأنهم امة واحدة.. انها اعرق الامم على وجه البسيطة.. انها تتكون من ملايين البشر يحكمها حاكم واحد وطوال 5400 سنة لم تعرف التقسيم طوليا ولا عرضيا وظهرت مركزية مصر حول النهر.. فالمصريون هم من عشوا فى مصر فى ظل عصر الاسرات ويسجل التاريخ لسنوسرت الثانى قوله هذه حدود مصر ومن يفرط فيها ليس ابنى وليس من «صلبي». وحول تأثر الحضارة الروسية بالحضارة الاسلامية أشار الحاضرون إلى ابن سينا.. والفارابى وابن الهيثم وكيف كانت كتبهم تملأ المكتبة الروسية. وتحدث الحاضرون حول دور الاتحاد السوفيتى فى شركة الحديد والصلب المصرية وفى الغزل والنسيج ومجمع الالومنيوم وغيرها.. وكيف كانت عروضه المالية والفنية هى الافضل.. واشارت الدكتورة نائلة عبدالحميدوف ان اللغة العربية هى اللغة الثانية فى جمهورية تتارستان الروسية كما ان قازان هى ملتقى الثقافات العربية الروسية. وتعبرالدكتورة نورهان الشيخ الاستاذ بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية عن خلاصة قراءتها للتاريخ الروسى مؤكدة انه كلما فكر عدو ان ينال من روسيا.. كبرت روسيا وصارت اقوى واكثر.. ويأتى الرد على لسان الدكتور طه عبدالعليم بأن كلا من مصر وروسيا مستهدفتان.. واكد ان فى كل من مصر وروسيا قوة كامنة.. وتملك كل منهما مقدرات الانطلاق.. ومقومات التقدم وان تماسك الامة المصرية يستعصى على التفكيك وارادتها تبهر الصديق قبل العدو.. فإن مصر تقدر.. وكذلك روسيا.. والمستقبل يبتسهم لهما.
المصدر : الجمهورية: ١٣-١٢-٢٠١٨

اترك تعليقا