الرئيسية » جماليات » نيقولاي غوغل ولغز الجزء الثاني من رواية «النفوس الميتة»
نيقولاي غوغل

نيقولاي غوغل ولغز الجزء الثاني من رواية «النفوس الميتة»

يقول فيودور دوستويفسكي ” لقد خرجنا جميعا من “معطف” غوغل. بيد أن اسم غوغل يقترن برواية «النفوس الميتة» التي لم تضعه وحسب في مصاف الكبار، ولكن مهدت الطريق لرحيله، وهو  يعاني من أزمة  نفسية حادة، إلى العالم الأخر. وما زال الإقبال على أعماله الأخرى “المفتش العام” و”الأنف ذات النكهة السحرية” التي تؤسس لحد ما للتيار الطبيعي وللواقعية السحرية في آن واحد. وما زال غول يجد قراءه في روسيا وفي جميع أنحاء العالم، وتعرض المسارح أعماله وتعاد طباعة قصصه وتنعقد الندوات لدراستها في المؤسسات العملية

ويعتقد البروفسيور دميتري باك أستاذ الأدب الروسي المختص بأدب القرنين التاسع عشر والعشرين مازال على الباحثين الكشف عن الكثير من الألغاز التي حفت بحياة وأعمال نيقولاي غوغل (1809 ـ 1852) وضرورة دراستها. ويقول باك في دراسة له:  تمت دراسة تراث غوغل بأكمله، وان علماء القرن التاسع أمثال نيقولاي تيخونرافوف ساهموا بقسط كبير بهذا العمل. بيد أن البروفيسور يرى أن هناك مازالت أسرارا كثيرة تحف بحياة وإبداعات غوغل، مثل سر الجزء الثاني من رواية ” «النفوس الميتة»”. وأوضح البروفيسور: “من المعروف أن غوغل قبيل وفاته، حرق الجزء الثاني من رواية “«النفوس الميتة»”، ما خلا عدة فصول من البداية. بيد أن الطاقة الجبارة لهذا العمل، تكشف عن الفكرة التي تضمنها، لحد انه يمكن القول بانه موجود”. وأضاف باك “إن هذا الجزء يختلف عن الجزء الأول بكونه مكرس للجانب المشرق من حياة روسيا. وثمة احتمال من  أننا سنعثر في يوم ما على المقطوعات الأخرى التي تقبع في الأرشيف”..

بعد نشر الجزء الأول من «النفوس الميتة»، كان غوغل يخطط لمواصلة العمل ليكون على غرار رائعة دانتي الكوميديا الإلهية ليكون الجزء الأول لشخصيات كاريكاتورية بمثابة الجحيم. وتجري في الجزء الثاني مرحلة تطهير جزئي، وصحوة الرجل المحتال تشتشيكوف، بتأثير الحكام وأصحاب الأطيان النبلاء. وباشر غوغل بكتابة الجزء الثاني مباشرة بعد ظهور الجزء الأول ولكنه اجل العمل، وعوضا عن ذلك عكف على تأليف أعمال ذات طابع وعظي وأخلاقي التي تدشن للعالم رسالته. فتصدى لها اقرب أصدقاءه وذواقي أدبه بما في ذلك الناقد الكبير بيلينسكي. وعاد غوغل لاستكمال الجزء الثاني بعد مرور عدة سنوات مر خلاله بتجربة روحية دينية مؤلمة وضعته على حافة الجنون. وفي احد حالات الشعور بالإحباط وخيبة الأمل ، أو كما يقول هو ” إغراء الشيطان”، القى بالنار عدد من أعماله غير المنتهية بما في ذلك معظم فصول الجزء الثاني من النفوس المينة لأنه كان يعتقد بفشله في تصوير الأفكار التي كان يروم إيصالها ، وساوره القلق الشديد طويلا من أن يكون الرب قد عاقبه على الجزء الأول من النفوس،  حيث صور روسيا مشوهة ومحتضرة أخلاقيا واجتماعيا. وبعدها وقع في حالة كآبة توفي اثرها في21 فبراير/شباط 1852.

ولكن سر غوغول الرئيسي لا يكمن بحرق مخطوطة الجزء الثاني. إن الشيء الجوهري يكمن في عدم نضوب تأويل أعمال الأديب، لأنها متعددة التفسيرات ولهذا فان كل جيل جديد يقرأها بطريقته الخاصة مكتشفا أفكارا جديدة غير متوقعة. ولسبب معروف، لم يجرِ في العهد السوفياتي الاهتمام الكافي بميوله الدينية ولا بمشكلات العقائد الدينية في أعماله. ومازال أمام المهتمين بأدبه عملا غزيرا في هذا  المجال.

وغوغل بالإضافة إلى موهبته كأديب، كان ممثلا كوميديا عبقريا، اشتهر بمهارته بتنوع حركات الوجه. وكتب أعمالا خاصة عن خدمات الكنيسة” تأملات في الخدمة الكهنوتيّة في السماء (ليتورغيا( لقد نظر غوغل بعين ثاقبة للعالم المحيط به. “وسعى لان يكون على دراية بتفصيلات كل ما جاء بأعماله، سواء كانت هذه حوادث الماضي التاريخية أو أساطير أوكرانيا. وطلب دوما برسائله  إلى أقاربه أن يخبروه عن الفأل والأغاني الشعبية وتفاصيل ظروف الحياة. إن الدقة والتفصيلات في أعمال غوغول،  تثير الدهشة فعلا. لقد كان بالنسبة له  من المهم التدقيق، باسم النبات الذي ينمو على قارعة الطريق، و تسمية الملابس ولوازم البيت… الخ. وألحقَ غوغل رواية ” أمسيات قرب قرية ديكانكا بقاموس مختصر شرح فيه بعض المفاهيم الأوكرانية”

            

                                ظهور السيد المسيح على الملأ

 كان غوغل كان بين شخصيات لوحة الرسام الروسي الشهير الكسندر إيفانوف ” ظهور المسيح للشعب” المعروضة حاليا في متحف “تريتيكوف” في موسكو. وإن بين أُولئك الذين تطلعوا بتعطش إلى المسيح المقترب، يقف شخص بنصف استدارة متطلعا للمخلص، وقد تميز من بين الجمهور بنظراته المتقدة المشحونة بالتنبؤ، وتشابهها بغوغول واضح جدا .

وكان غوغل قد تعرف إلى الفنان التشكيلي الكسندر إيفانوف في إيطاليا، حيث امضى الأديب سنوات طويلة. ورسم في اللوحة  غوغل الذي كان يمر بأزمة روحية حادة، وهو يتطلع إلى ظهور المسيح.  وتعرض غوغول حينها لانتقادات من معاصريه على كبرياءه وخاصة بعد أن نشر في عام 1847 كتاب “مقتطفات مختارة من الرسائل المتبادلة مع الأصدقاء”. وكان الأديب على قناعة بان على روسيا برمتها أن تسمع صوته وان تنبعث من جديد بمساعدة أعماله. وفي هذا رأى غوغل معنى حياته وعمله. وتعاطى مع عمله الأدبي انه رسالة ينبغي تأديتها.

وكان غوغل قد أوصى حقا بان يجر دفنه فقط بعد ظهور معالم الانحلال، نظرا لأنه كان يغرق في حالات سُبات طويلة. ومازالت تدور شائعات لحد الآن عن إن غوغول  دُفن وهو مازال علي قيد الحياة، وانه قد تقلب في تابوته. ويرى بعض الباحثين إن تلك الشائعات لا تعدو غير ثمرة خيال  لا غير. لقد مر الأديب بتراجيديا نفسية فظيعة، أدت به إلى الموت، فإلى جانب دعواته الأخلاقية، وتصويره القيم الخالدة، فانه لم يستطع الانتقال من تصويره الساخر لروسيا في الجزء الأول من عمله الخالد «النفوس الميتة» إلى تصوير الجوانب الإيجابية فيها. ولذلك فانه حرق الجزء الثاني من «النفوس الميتة»، واحترقت معه أيضا حياة وريث بوشكين العظيم.إن غوغل لم يكن أديبا كبيرا، وحسب بل شخصية مثيرة وظاهرة نفسية ويلوح لمعظم دراسي ان جوانب في سيرته ستظل  لغزا غامضا.

د. فالح الحمـراني

اترك تعليقا