الرئيسية » سياسة واقتصاد » نحو استراتيجية جديدة لمواجهة التطرّف والإرهاب (1) – ثلاثية التعصّب والتطرّف والإرهاب

نحو استراتيجية جديدة لمواجهة التطرّف والإرهاب (1) – ثلاثية التعصّب والتطرّف والإرهاب

د. عبد الحسين شعبان*

* أكاديمي ومفكر عربي (من العراق) – نائب رئيس جامعة اللاّعنف وحقوق الإنسان (أونور)، بيروت. له أكثر من 60 مؤلفاً في قضايا الفكر والقانون والسياسة الدولية والأديان والثقافة والأدب والمجتمع المدني، وحائز على جائزة أبرز مناضل لحقوق الإنسان في العالم العربي، القاهرة، 2003.

 

تـوطئــة

        أصبح التطرّف Extreme ظاهرة متفشّية في العديد من المجتمعات، بما فيها بعض المجتمعات المتقدّمة، وإنْ كان قديماً قِدَم البشرية، إلاّ أنه وبفعل “العولمة”، والثورة العلمية – التقنية والتطوّر الهائل في تكنولوجيا الإعلام والاتصال والمواصلات والطفرة الرقمية “الديجيتيل” والمعلوماتية، بات أكثر خطورة وتهديداً على المستوى العالمي بما لا يمكن قياسه قبل بضعة عقود من الزمان، سواء بعمق تأثيره أم بسرعة انتقاله أم مساحة تحرّكه، حتى غدا العالم كلّه “مجالاً حيوياً” لفيروساته، الأمر الذي لم يعد تهديده للسلم الأهلي والمجتمعي فحسب، بل أصبح عالمياً بتهديده للسلم والأمن الدوليين.

        ويصبح التطرّف فعلاً مادياً حين ينتقل من التنظير إلى التنفيذ، ومن الفكر إلى الواقع، ومن النظرية إلى الممارسة، فما بالك إذا استخدم الدين ذريعة للإلغاء والإقصاء وفرض الرأي بالعنف والإرهاب خارج نطاق القانون والقضاء، لا سيّما من خلال التكفير Expiation للآخر بزعم امتلاك الحقيقة وادّعاء الأفضليات.

        التكفير حكم ليس بالضرورة أن يصدر عن محكمة، بل تصدره أحياناً جماعة سرّية خارج القانون والقضاء، بحق شخص أو مجموعة من الناس لا تتفق معها بزعم مخالفتها للدين أو العقيدة فتقوم بتأثيمها لفعل ما ومن ثم تحريمها وبالتالي تجريمها، والأمر يشمل الأفكار والأشخاص .

وكان من نتائج استشراء ظاهرة التطرّف انتشار ظاهرة العنف Violence والإرهاب Terrorism، وهو الأمر الذي تفشى في العديد  البلدان العربية والإسلامية وأخذ يهدّد الدولة الوطنية بالتشظّي والتفتّت، إنْ لم يكن بالانقسام، الذي يتّخذ في بعض الأحيان طابعاً مجتمعياً، خصوصاً حين يجد بيئة صالحة لتفقيس بيضه، وتفريخ مجموعات متنوّعة ومختلفة من القوى الإرهابية، ابتداءً من تنظيم القاعدة وفروعها ووصولاً إلى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام “داعش” وأخواتها “جبهة النصرة” أو “فتح الشام” حسب التسمية الجديدة أو غيرها.

جدير بالذكر أن ظاهرة التطرّف استفحلت لدرجة مريعة، بعد موجة ما أطلق عليه “الربيع العربي” التي ابتدأت في مطلع العام 2011، والتي كان من أعراضها “الجانبية” تفشي الفوضى وانفلات الأمن واستشراء الفساد المالي والإداري وإضعاف الدولة الوطنية ومحاولة التغوّل عليها من جانب جماعات مسلّحة خارج حكم القانون والقضاء، وأخذت بعض تلك الجماعات على عاتقها تهديم مقوّمات الدولة، سواء بفعل “إرادي” أم عبر سلوك وتصرّف يؤدي من شأنه إلى النتيجة ذاتها.

وإذا كان من الوظائف الأساسية لأي دولة هي حفظ الأمن والنظام العام وحماية أرواح وممتلكات المواطنين، فإن الجماعات المتطرّفة والإرهابية التي اعتمدت الإرهاب والعنف وسيلتين لفض النزاعات بينها وبين الدولة في الغالب، وبينها وبين المجتمع، قادت من الناحية الفعلية إلى “حروب أهلية“، الأمر الذي أدى إلى تدمير المؤسسات الحكومية والمرافق الاقتصادية والحيوية، وعطّل التنمية وعملية التراكم والتطوّر،  ناهيك عن العبث والاستخفاف بالأرواح والممتلكات العامة والخاصة، سواء بشلّ أجهزة الدولة أم تعويمها وإفقادها القدرة على القيام بمهامها كلاًّ أو جزءًا، خصوصاً في ظل الفوضى وانعدام الأمن.

وإذا كان التغيير “فرض عين” مثلما هو “فرض كفاية” كما يُقال، أي أنه خيار واختيار، وفي الوقت نفسه “اضطرار”، لأن ذلك من طبيعة الأشياء، إذْ لا يمكن دوام الحال على ما هو عليه إلى ما لا نهاية، فذلك من المُحال، لكن الوصول إليه يحتاج هو الآخر إلى توفّر شروط موضوعية وأخرى ذاتية لإنجازه، وكسب للرأي العام، فحتى البلدان التي حصل فيها التغيير بإرادة شعبية، بانهيار أو تآكل “الشرعيات القديمة” لكن “الشرعيات الجديدة” لم تُبنَ بعد أو لم تستكمل، وواجهتها مشكلات جمّة وتحدّيات كبرى أمام عمليات الانتقال والتحوّل من طور إلى طور. وحسب أنطونيو غرامشي “فإن الماضي قد احتضر، أما الجديد فلم يولد بعد”.

وقد أكّدت الغالبية الساحقة من التجارب العالمية أن التغيير الذي حصل بحكم القوة سرعان ما ارتدّ على أعقابه، وأحياناً تكون ردود الفعل أقوى وأقسى، الأمر الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى تأخير عملية التطوّر الطبيعي التدرّجي، لأن درجة تطوّر المجتمع والقوانين السائدة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومستوى وعي الناس والثقافة عموماً لم ترتقِ لتحقيقه، والعكس صحيح، كلّما كان التطوّر منسجماً مع درجة تطوّر ووعي الناس، ناقلاً إيّاها من طور إلى آخر، ولكن دون قفز على المراحل أو حرق لها، كلّما كان أكثر رسوخاً وثباتاً ونجاحاً، لأنه تطوّر طبيعي وليس مفروضاً.

ثلاثية التعصّب والتطرّف والإرهاب

التطرّف ابن التعصّب Fanaticism ووليده العنف، وقد يقود هذا الأخير إلى الإرهاب. ويستهدف العنف في العادة ضحية أو ضحايا بعينهم، في حين أن الإرهاب هو استهداف مجموعة من السكان بهدف إحداث نوع من الرعب والفزع في المجتمع وإظهار الدولة بمظهر الضعيف والعاجز عن حماية الأمن، وإذا كان العنف يخضع للقانون الجنائي الوطني، فالإرهاب يخضع إليه أيضاً، إضافة إلى القوانين الدولية، خصوصاً إذا كان للأمر علاقة بجرائم ضد الإنسانية أو جرائم الإبادة الجماعية أو جرائم الحرب.

وقد بات هذا الثلاثي (التعصّب والتطرّف والإرهاب) قضية دولية مطروحة على طاولة البحث والتشريح في الأمم المتحدة وعلى صعيد المجتمع الدولي كله، فلم يعد كافياً منذ  أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية التي حصلت في الولايات المتحدة وهزّت العالم، وجود قرارات تعالج قطاعياً وجزئياً بعض مظاهر التعصّب والتطرّف والإرهاب في العلاقات الدولية، وإنما استجدّت الحاجة الملحّة والماسّة إلى بحث شامل لهذه الظواهر بأبعادها ودلالاتها المختلفة.

للتعصّب سبب والتطرّف ثمرة لهذا السبب، أما الإرهاب فهو نتيجة، الأمر الذي سيبقي الحاجة ضرورية لمعالجة أسباب التعصّب والتطرّف، وليس معالجة النتائج فحسب، وحتى النتائج فهناك من يريد تحميل تسديد فواتيرها للآخرين، وإنْ كان الجميع مشمولين بها، لكن القوى المتنفذة والمتسيّدة في العلاقات الدولية تريد تعليقها على شماعة “البعض”، ولتلك الأسباب تتنصّل عن أي محاولة لوضع ضوابط ومعايير لإيجاد تعريف دولي جامع ومتفق عليه لظاهرة الإرهاب. وعلى الرغم من أن الحديث عن الإرهاب يرتفع بوتيرة متسارعة منذ ما يزيد على 5 عقود من الزمان، إلاّ أنه يتم الاتفاق على تعريفه، وبالتالي وضع الخطط والوسائل الكفيلة لمواجهته.

وقد كانت الأمم المتحدة قد أصدرت منذ العام 1963 ولغاية أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، نحو 13 اتفاقية وإعلاناً دولياً حول الإرهاب[1]، لكنها لم تتوصل إلى تعريف لماهيته بسبب التفسيرات والتأويلات الخاصة التي تريد القوى النافذة في العلاقات الدولية فرض مفهومها وإملاء استتباعها على الشعوب والأمم، خصوصاً حين تحاول دمغ المقاومة بالإرهاب وتغض النظر عن إرهاب الدولة والجماعات العنصرية الاستيطانية الاستعلائية، وخصوصاً في فلسطين المحتلّة، في حين تتحدّث أحياناً عن إرهاب فردي أو عمليات عنف محدودة ومعزولة.

وعلى الرغم من أن مجلس الأمن الدولي أصدر 3 قرارات بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، وفي ما بعد 4 قرارات بعد احتلال “داعش” للموصل في العام 2014، لكن الأمر لم يتغيّر، وظلّ تعريف الإرهاب عائماً، بل ازداد التباساً بحكم التفسيرات المختلفة بشأنه، باختلاف مصالح القوى الدولية[2]، لأن القوى المتنفّذة تحاول احتكار العدالة وفرض مفهومها الخاص للإرهاب، وكان مجلس الأمن الدولي قد أصدر بعد يوم واحد من أحداث 11 سبتمبر (أيلول) القرار 1368 في 12 (سبتمبر/أيلول) الذي اعتبر الحدث تهديداً للسلم والأمن الدوليين شأنه شأن أي عمل إرهابي وطالب الدول بعمل عاجل لتقديم المرتكبين ورعاتهم إلى العدالة[3].

ثم صدر القرار 1373 في 28 (سبتمبر/ أيلول) من الشهر ذاته والعام ذاته (2001)، وهو من أخطر القرارات بخصوص الإرهاب الدولي، لأنه أعطى المبرّرات للعودة إلى القانون الدولي التقليدي و”الحق في الغزو” و”شن الحرب“، أنّا شاءت الدولة تحت عنوان حماية مصالحها القومية، أو إذا شعرت أن ثمة خطر وشيك الوقوع يهدّدها أو من المحتمل تهديدها أو أن ذلك يلبي مصالحها القومية، وذلك حين رخّص القرار لما سمي بـ”الحرب الاستباقية“، أو “الحرب الوقائية“، الأمر الذي يثير إشكالات وتحفظّات فقهية وسياسية لتعارضاته مع ميثاق الأمم المتحدة.[4]

والقرار يتجاوز أيضاً على مضمون المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة التي تجيز للدول “حق الدفاع عن النفس” (فرادى أو جماعات) إلى أن تتم دعوة مجلس الأمن للانعقاد، وذلك حين سمح، لمجرد الشبهات شن الحرب ضدّ دولة أو جهة ما، تصنّف باعتبارها “إرهابية” (دول محور الشر وقائمة المنظمات الإرهابية مثلاً)، كما أهمل القرار الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والدينية والتربوية والقانونية التي تكمن وراء ظاهرة الإرهاب الدولي، وكذلك وراء ظواهر التعصّب والتطرّف والعنف، مثلما أغفل مبدأ حق تقرير المصير والحق في المقاومة[5].

وكان القرار الثالث هو القرار 1390 الذي صدر في 16 يناير (كانون الثاني) 2002 قد فرض التزامات ومسؤوليات على الدول بشأن مكافحة الإرهاب الدولي وتجفيف منابعه والقضاء على بؤر تمويله وغير ذلك، ودعا هذا القرار إلى تعاون الدول مع الأمم المتحدة وإلاّ اعتبرت متواطئة أو داعمة للإرهاب في حال عدم انضمامها للحملة الدولية لمكافحة الإرهاب[6]. وقد صدر هذا القرار بالتوافق وليس بالتصويت، ويتلخص مضمونه وتفسيراته وتأويلاته في أنه أعطى للمرّة الأولى في تاريخ الأمم المتحدة: الحق في اتخاذ عقوبات خارج نطاق حدود الدول وأدرجها ضمن الفصل السابع، حيث نص على تجميد الأموال وحظر توريد الأسلحة ووضع أسماء أشخاص مطلوبين للعدالة ومنظمات كذلك، إضافة إلى ضرورة تعاون الدول وإلّا اعتبرت متواطئة أو داعمة للإرهاب في حال عدم انضمامها للحملة الدولية لمكافحته[7]

أما القرارات ما بعد احتلال داعش للموصل فهي أربعة:

الأول – رقم 2170 وصدر في 15 أغسطس (آب) 2014 بشأن التهديدات التي يتعرّض لها السلم والأمن الدوليين نتيجة الأعمال الإرهابية وفيه إدانة للفكر المتطرّف وتنديد بتجنيد المقاتلين الأجانب.

الثاني – رقم 2178 الصادر في 24 سبتمبر (أيلول) 2014 وفيه أيضاً إدانة للتطرّف والعنف والإرهاب، ويستعيد القرار 1373.

الثالث – رقم 2185 والذي صدر في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) والذي أكّد على دور الشرطة كجزء من عمليات الأمم المتحدة لرفع درجة المهنية لمحاربة التطرّف والإرهاب.

الرابع – رقم 2195 في 19 ديسمبر (كانون الأول) 2014 حثّ الدول على العمل الجماعي والتصديق على الاتفاقيات الدولية ذات الصلة وشدّد على العلاقة بين مكافحة الإرهاب والتطرّف المقترن بالعنف ومنع تحويل الإرهاب[8]

يمكن القول إن كل تطرّف ينجم عن تعصّب لفكرة أو رأي أو آيديولوجية أو دين أو طائفة أو قومية أو إثنية أو سلالية أو لغوية أو غيرها، ولكن مهما اختلفت الأسباب وتعدّدت الأهداف، فلا بدّ أن يكون التعصّب Fanaticism وراءها، وكلّ متطرّف في حبّه أو كرهه لا بدّ أن يكون متعصّباً، لا سيّما إزاء النظر للآخر وعدم تقبّله للاختلاف، وكل اختلاف حسب وجهة نظر المتعصّب يضع الآخر في خانة الارتياب، وسيكون غريباً، وكل غريب أجنبي، وبالتالي فهو مريب، بمعنى هو غير ما يكون عليه المتطرّف.

التطرّف يمكن أن يكون دينياً أو طائفياً أو قومياً أو لغوياً أو اجتماعياً أو ثقافياً أو سياسياً، والتطرّف الديني يمكن أن يكون إسلامياً أو مسيحياً أو يهودياً أو هندوسياً أو غيره، كما يمكن للتطرّف أن يكون علمانياً، حداثياً، مثلما يكون محافظاً وسلفياً، فلا فرق في ذلك سوى بالمبرّرات التي يتعكّز عليها لإلغاء الآخر، باعتباره مخالفاً للدين أو خارجاً عليه أو منحرفاً عن العقيدة السياسية أو غير ذلك.

أما الإرهاب فإنه يتجاوز التطرّف، أي أنه ينتقل من الفكر إلى الفعل، وكل إرهاب هو عنف جسدي أو نفسي، مادي أو معنوي، ولكن ليس كل عنف هو إرهاب، خصوصاً إذا ما كان دفاعاً عن النفس ومقاومة العدوان وحسب نعوم تشومسكي، فالإرهاب هو كل محاولة لإخضاع أو قسر السكان المدنيين أو حكومة ما في طريق الاغتيال والخطف وأعمال العنف، بهدف تحقيق أهداف سياسية، سواء كان الإرهاب فردياً أو تقوم به مجموعات أو تمارسه دولة، وهذا الأخير هو الإرهاب الأكثر خطورة[9].

وإذا كان هذا التعريف البسيط والعميق الذي يقول به مفكر أمريكي، فإن صعوبات جمّة تعترض المجتمع الدولي للاتفاق على تعريف المقصود بالإرهاب في القانون الدولي بسبب خلفية الجهات والقوى والبلدان التي تنظر إليه كل من زاويتها ومصالحها. وغالباً ما يحدث التسييس والخلط المتعمّد والمقصود بين الأعمال الإرهابية وأعمال المقاومة المسلحة.

وتحاول “إسرائيل” ومعها الولايات المتحدة وقوى متنفّذة في العلاقات الدولية اعتبار كل عمل عنفي حتى وإن كان اضطراراً ودفاعاً عن النفس ومن أجل التحرّر الوطني، وهو ما تقرّه المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، “إرهاباً”، علماً بأن القانون الدولي يعتبر اللجوء إلى الدفاع عن النفس واستخدام جميع الوسائل المشروعة بما فيها القوة، عملاً مشروعاً في حالات النضال من أجل الانعتاق وتحقيق الاستقلال وحق تقرير المصير[10].

وكلّ إرهاب تطرّف، وبالطبع كل متطرّف هو متعصّب ولا يصبح الشخص إرهابياً إلاّ إذا كان متطرّفاً، ولكن ليس كلّ متطرّف إرهابي، فالفعل سواء كان عنفياً أم إرهابياً  تتم معالجته قانونياً وقضائياً وأمنياً، لأن ثمة عمل إجرامي تعاقب عليه القوانين، أما التطرّف، ولا سيّما في الفكر، فله معالجات أخرى مختلفة، وهنا يمكن قرع الحجة بالحجة ومحاججة الفكرة بالفكرة، والرأي بالرأي، وإنْ كانت قضايا التطرّف عويصة ومتشعّبة وعميقة، وخصوصاً في المجتمعات المتخلّفة، كما أن بعض التطرّف الفكري قد يقود إلى العنف أو يحرّض على الإرهاب، بما فيه عن طريق الإعلام بمختلف أوجهه.

وإذا كان التطرّف يمثّل نموذجاً قائماً على مرّ العصور والأزمان، فإن نقيضه الاعتدال والوسطية والمشترك الإنساني بين الشعوب والأمم والأديان واللغات والسلالات المتنوّعة، لأن الاجتماع الإنساني من طبيعة البشر، حيث التنوّع والتعدّدية والاختلاف وهذه صفات لصيقة بالإنسان، وكلّها ينبغي الإقرار بها والتعامل معها كحقوق إنسانية توصلت إليها البشرية بعد عناء، وهي النقيض لفكر التطرّف والتكفير.

التطرّف يعني في ما يعنيه ادّعاء الأفضليات، فـ”الأنا” أفضل من “الأنت”، و”النحن” أفضل من “الأنتم”، وديني أفضل من الأديان الأخرى، وقومي فوق الأمم والقوميات الأخرى لدرجة الزعم بامتلاك الحقيقة، وتلك البذرة الأولى للتعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب.

[1] – نوقشت مسألة الإرهاب الدولي قبيل الحرب العالمية الثانية، وفي العام 1937 تم التوصل إلى إبرام اتفاقية دولية بخصوص الإرهاب الدولي، وحاولت هذه الاتفاقية توصيف الأعمال الإرهابية في المادة الأولى بأنها “الأعمال الإجرامية الموجّهة ضد دولة، وتخطط إلى إحداث حالة من الرعب في أفكار أشخاص معنيين أو مجموعة من الناس لدى العامة”، لكن الإرهاب على الرغم من الدعوات القديمة والجديدة التي تدعو لتعريفه ما زال ملتبساً ومبهماً، خصوصاً باستمرار سياسة الكيل بمكيالين والازدواجية في التعامل الدولي، والانتقائية والتجزيئية التي تريدها القوى المتنفّذة. جدير بالذكر أن هذه الاتفاقية لم تدخل حيّز التنفيذ بسبب عدم المصادقة عليها، على الرغم من توقيع 24 دولة عليها.

انظر:                                     League of Nations OJ No. 19, at 23, 1938 Doc C456 (1) M(1) 1937-1938.

قارن: شكري، محمد عزيز – الإرهاب الدولي، دراسة قانونية ناقدة، بيروت، دار العلم للملايين 1991، ص 143.

[2] – يبلغ عدد الاتفاقيات والإعلانات والقرارات الدولية التي تتناول قطاعات مختلفة من ظاهرة الإرهاب الدولي أكثر من 20 وثيقة، لكن جميعها لم تعرّف معنى الإرهاب الدولي، ولم تضع معايير جامعة ومانعة لمفهومه.

انظر: نصـوص القـرارات الدولية التي صدرت بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، لدى: شعبان، عبد الحسين – الإسلام والإرهاب الدولي: ثلاثية الثلاثاء الدامي، الدين، القانون، السياسة، دار الحكمة، لندن، 2002، (ص 146 – 152). أما القرارات التي صدرت بعد احتلال داعش للموصل فيمكن الاطلاع على شرحها وتفسيرها في محاضرة للباحث بعنوان: “الإرهاب الدولي: أخطاره واستراتيجية مكافحته”، (مركز الدراسات العربي – الأوروبي)، باريس، منتدى حوار باريس الرابع 10/3/2015. ومحاضرة للباحث  بعنوان ” الإرهاب الدولي وإشكاليات احتكار العدالة الدولية” ألقيت في عمان بتاريخ 28 تشرين الثاني (نوفمبر) 2014 لمناسبة انعقاد اجتماع المكتب الدائم لاتحاد الحقوقيين العرب، ومحاضرة للباحث بعنوان ” حكم القانون والأمن الإنساني” المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة، بيروت، 5 آذار (مارس) 2015، ومحاضرة الباحث في دمشق بتاريخ 8/1/2017 بدعوة من اتحاد الكتاب العرب واتحاد الصحفيين في سوريا والموسومة “ نحو خطاب عربي جديد لمواجهة التطرّف “

[3] – قارن: المصري، شفيق – الإرهاب في القانون الدولي، مجلة الشرق الأوسط، بيروت، العدد 105.

[4] – يسمّي د. جورج ديب الأجندة الأمريكية الجديدة بالدستور العالمي الجديد الذي يعطيها “حق التدخل” ويضرب أمثلة عديدة على ذلك ما حصل في هايتي العام 1994 والصومال 1992-1993 والعراق بسبب غزو الكويت العام 1991 وفيما بعد فرض الحصار عليه وكوسوفو 1999  بما وسّع من محاولات استخدام القوة في العلاقات الدولية ليس لإعادة السلام والأمن إلى نصابهما، بل لفرض النموذج الذي تريده الولايات المتحدة.

انظر: ديب، جورج- حوار خاص أجراه معه علي الأمين، مجلة الصياد، العدد 2983 في 4 كانون الثاني (يناير) 2002.

انظر: ديب، جورج- إسرائيل دولة إرهابية في القانون والممارسة- كتاب فكر، ندوة الحزب السوري القومي الاجتماعي ، بيروت، تشرين الثاني (نوفمبر) 2001، ص 56 وما بعدها.

[5]  – جدير بالذكر أن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 40/61 الصادر في 9 ديسمبر (كانون الأول) 1985 كان قد اعتبر: الاستعمار والعنصرية والاحتلال الأجنبي وهدر حقوق الإنسان مولدة للإرهاب الدولي.

[6] – قارن: هاليداي، ألفريد – ساعتان هزتا العالم، 11 أيلول (سبتمبر) 2001: الأسباب والنتائج، ترجمة عبد الإله النعيمي، دار الساقي، لندن، 2002، ص 19 وما بعدها.

[7] – قارن: شعبان ، عبد الحسين- الإرهاب الدولي وإشكاليات احتكار العدالة الدولية، محاضرة في عمان (اتحاد الحقوقيين العرب) مصدر سابق.

[8] – انظر: محاضرتنا حول “حكم القانون والأمن الإنساني”، بيروت،  مصدر سابق.

[9] – انظر: تشومسكي، نعوم – “القوة والإرهاب وجذورهما في عمق الثقافة الأمريكية” ترجمة إبراهيم يحيى الشهابي، دار الفكر، دمشق، 2003.

قارن: بحث للباحث في ندوة أثينا (5 – 7 كانون الأول /ديسمبر العام 1986)  الموسومة “الإرهاب إزاء التحرر الوطني في الظروف الدولية الراهنة” حضرها 70 استاذاً ومختصاً وباحثاً من ثلاثين بلد، والجدل الذي دار بينه وبين البروفسور بالمير من جامعة فلوريدا الذي حاول اختزال الإرهاب إلى اختطاف الرهائن والقتل والقنص والاغتيال  وأعمال العنف متجاهلاً إرهاب الدولة وخصوصاً إرهاب “إسرائيل” ضد الشعب العربي الفلسطيني ، وكان بالمير قد حدّد المرتكزات الأمريكية إزاء الإرهاب في الشرق الأوسط بثلاث: أولها – طرد النفوذ السوفييتي وثانيها – توثيق العلاقة التحالفية والتعاهدية مع “إسرائيل” وثالثها – حماية المصالح النفطية.

انظر: شعبان، عبد الحسين- الإسلام والإرهاب الدولي، مصدر سابق ، ص 16-18.

[10] – تنص المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، “الفصل السابع” على: ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينتقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات، في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء “الأمم المتحدة” وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي، والتدابير التي اتخذها الأعضاء استعمالاً لحق الدفاع عن النفس تبلغ إلى المجلس فوراً، ولا تؤثر تلك التدابير بأي حال فيما للمجلس – بمقتضى سلطته ومسؤولياته المستمدة من أحكام هذا الميثاق – من الحق في أن يتخذ في أي وقت ما يرى ضرورة لاتخاذه من الأعمال لحفظ السلم والأمن الدولي أو إعادته إلى نصابه.

انظر: ميثاق الأمم المتحدة والنظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، نيويورك، المركز الإعلامي للأمم المتحدة، ديسمبر (كانون الأول) 2012.

اترك تعليقا