الرئيسية » جماليات » نجيب محفوظ..مـئـة وسبعـة من الأعوام

نجيب محفوظ..مـئـة وسبعـة من الأعوام

د.أحـمـد الـخميسي
لدي المثقفين والشعب الروسي عادة جميلة، لا أظن شعبا آخر يتبعها، وربما تكون اختراعا روسيا قحا، فحينما يرحل أحد كبار كتابهم أو فنانيهم، فإنهم عند وداعه يلتفون حول تابوته المسجى فيه، يصفقون له معا وهم يقولون له بصيحة جماعية متكررة :” برافو! أحسنت! برافو!” تحية له على حياة عامرة بالعطاء والابداع، وتحية له لأنه استطاع أن يستصفي من عمره عملا وانجازا أفاد به الآخرين. ولو كان باستطاعتي لقمت بذلك مع كاتبنا الكبير العظيم نجيب محفوظ في  ذكرى ميلاده المئة والسبعة التي حلت في 11 ديسمبر، ولصفقت له، وهتفت : ” أحسنت يا أستاذ”، وعشت حياة غنية لم يعطلك فيها شيء، ولم يشغلك شيء عن تحقيق ما أردت. قال محفوظ ذات يوم :” ربما لا تكون الكتابة الأدبية أهم شيء في العالم، لكنها أهم شيء بالنسبة لي”. انجاز نجيب محفوظ الأدبي معروف، وكتبت عنه مئات الكتب وربما أكثر في مصر وفي الخارج، لكن ما يعنيني هنا هو نجيب محفوظ الشخص الذي استطاع أن يدير حياته ويتحكم فيها بحيث يحقق كل ذلك. لدى معظمنا أحلام كبيرة، لكن معظمنا لا ينجح في تحقيق تلك الأحلام، لا لشيء، إلا لغياب الارادة القوية والاصرار، والقدرة على توظيف ساعاته وأيامه وشهوره. وقد عاش كاتبنا الكبير حياة وصفها هو شخصيا بأنها ” حياة الرهبنة” انقطع فيها للأدب، حتى أنه كان عندما يزوره أخوته في منزله يقضي معهم دقيقتين لا أكثر ثم ينهض معتذرا ليواصل عمله، أما هم وقد اعتادوا ذلك منه فيقولون له: ” تفضل أنت اشتغل. احنا قاعدين شوية مع الأولاد”. ومعروف كيف كان يدخن نجيب محفوظ، سيجارة واحدة كل ساعة بالضبط، وكنا حين نلتقي به في كازينو صفية حلمي بميدان الأوبرا نلاحظ  أنه إذا أخرج سيجارة فهي الحادية عشرة صباحا، وإذا أخرج الثانية فهي الثانية عشرة، وهكذا. وكان يسحب السجائر من علبته من دون أن ينظر في الساعة. فيما بعد منعه الأطباء من التدخين وسمحوا له بسيجارتين فقط طول اليوم، وفي تلك السنوات الأخيرة ذهبت إليه مرة مع أخي العزيز جمال الغيطاني في باخرة ، وحين أشعل الأستاذ سيجارة وكان يقترب من التسعين، مازحه الغيطاني بقوله ” دي تالت سيجارة يا أستاذ نجيب”، فرد عليه رغم السن بحزم لطيف: ” مستحيل. دي تاني سيجارة”. وبارادته الفولاذية تلك نجح نجيب محفوظ في أن يقفز من زقاق صغير في القاهرة إلي العالم أجمع، وقد أحببت شخص نجيب محفوظ الذي يمثل بحياته معجزة أخرى إلي جانب أدبه، أحببت فيه عطفه على البشر، وتواضعه، وكانت محبتي له تتزايد يوما بعد يوم في سنواته الأخيرة وأنا أراقب كفاحه الجميل من أجل استمرار حياته، يوما بعد يوم، بالتمشية، والالتقاء بالناس، وحين يكون وحده تماما فيستعيد الأغنيات القديمة لكي تظل ذاكرته وروحه حية. كان هذا الكفاح اليومي من أجل الحياة يضاعف محبتي له، واعجابي به بل وذهولي، فأتذكر قول أنطون تشيخوف: ” الحياة تعطى لنا مرة واحدة، ولابد أن يحياها المرء بقوة ووعى وجمال، فتشبث بقوة ببقايا حياتك، وانقذها، لتحيا حياة سامية مهيبة كقبة السماء”. وعند رحيل محفوظ بكيته في صمت حينما شاهدت صورته مبتسما بوداعة وأسى خفي كأنما يقول للزمن:” أعلم أنك ستهزمني كما تهزم كل شيء”، وطاف في ذهني حينذاك أن نجيب محفوظ عاش في وحدة رغم الضوضاء التي حوله، وهو أمر طبيعي لمن بذل كل ذلك الجهد، وأمر طبيعي أيضا عند كاتب عظيم يدرك مأساة أن كل شيء لزوال، وأن علينا مع ذلك أن نعشق كل شيء. ولم يكن الأديب أو الأدب هو الذي أبكاني عند وداعه، لأن أدبه لم يرحل، بل الشخص الذي كافح بنبل، وصمت، من أجل استمرار الحياة، والشخص الذي استطاع بإرادة فذة عبقرية أن يحقق أحلامه. في ثلاثية نجيب محفوظ ترد عبارة ” إن الرجل القوي العذب أسطورة”، وأظن أن هذه العبارة تنطبق أكثر ما تنطبق على محفوظ نفسه، الذي تحول إلي أسطورة إنسانية وأدبية، تذكرنا دائما بأن الحياة يمكن وينبغي أن تكون مهيبة ومنيرة كقبة السماء. في ذكرى ميلادك أقف مع الآلاف حول نصفق ونهتف لك : برافو، أحسنت، وعشت حياة ثرية عامرة بالعطاء، والابداع.

اترك تعليقا