الرئيسية » حضاريات » من لينين إلى بوتين: روسيا في الشرق الأوسط والأدنى – الفصل الثاني: إنجازات وإخفاقات خروشوف (5) – ألكسي فاسيلييف

من لينين إلى بوتين: روسيا في الشرق الأوسط والأدنى – الفصل الثاني: إنجازات وإخفاقات خروشوف (5) – ألكسي فاسيلييف

 نتابع تقديم فصول من كتاب المستشرق الروسي الكبير ألكسي فاسيلييف “من لينين إلى بوتين: روسيا في الشرق الأوسط والأدنى”. وكنا قد نشرنا نبذة ومقدمة عن هذا المستشرق في مقالتين يمكنكم الاطلاع عليهما على موقعنا :

 

“لنشتبك أولا، ثم يكون لكل حادث حديث”

نابليون بونابارت

“سنريكم كيف يكون عقابنا لأمثالكم”

نيكيتا خروشوف

  في مارس 1953م سيطر ورثة ستالين على مقاليد الحكم في دولة عظمى واكتسبوا امتيازات إضافية في الفضاء الاشتراكي الواسع. وكان عليهم التعامل مع عدد من الأوليات السياسية. كان أولها الصراع على السلطة. هذا الصراع الذي أظهر فيه نيكيتا خروشوف مهارة نادرة وحقق عددا من الانتصارات الهامة خلال فترة حكمه تبعها سقوط مدو. وتمثلت الأولوية الثانية في معالجة الموقف الداخلي. أما الثالثة فتمثلت في الوضع في المعسكر الاشتراكي، وأما الرابعة فكانت تتعلق بالعلاقات المتبادلة مع أمريكا والغرب عموما في ظل أجواء الحرب الباردة وسباق التسلح. لم يكن العالم الثالث ضمن أولويات السياسة السوفيتية حينها.

  كان القادة السوفيت جميعهم واقعين تحت ضغط الإرث السياسي والفكري لحقبة ستالين مع اختلاف الكثيرين منهم مع رؤاه الأصيلة بدرجة أو بأخرى. غير أن أفق نيكيتا خروشوف، الشخص العصامي محدود الثقافة والذي أصبح رجل دولة من طراز رفيع وصاحب خبرة كبيرة في العمل الميداني خارج حدود الكرملين، كان أكثر اتساعا من المحيطين به. كانت غريزته السياسية توحي إليه بضرورة التخلي عن شكل الحكم الذي انتهجه سابقه ستالين حيث اتخذ قرارات بإغلاق معسكرات الاعتقال وبحث عن أشكال جديدة للتعايش مع الغرب والنضال ضده في الوقت نفسه. ومع الوقت أخذ اهتمامه يتزايد تدريجيا ببلدان العالم الثالث.

  وقد استبدل نيكيتا خروشوف شعار البلاشفه “من ليس معنا فهو ضدنا” بشعار جديد وهو “من ليس ضدنا فهو معنا”. كما دشن لعلاقات صداقة مع رئيس وزراء الهند نهرو والرئيس الأندونيسي سوكارنو. وقد زار هذين البلدين في عام 1955م ثم توجه إلى أفغانستان بصحبة رئيس الوزراء السوفيتي حينها نيقولاي بولجانين حيث اقتنع أن الوضع هناك يختلف تماما مع رؤية ستالين ولا يتوافق معها. كما فهم أن سياسة دول آسيا وإفريقيا لا تتعارض ومصالح الاتحاد السوفيتي بل تضاعف الهوة بين هذه البلدان والغرب.  وكانت هذه الدول قد عقدت مؤتمرها الدولي في باندونج في إبريل عام 1955م ووافقت على خمس مبادئ للتعايش السلمي.

  أصبح خروشوف والمحيطون يولون اهتماما أكبر بتعظيم قدرات التحالف المعادي للغرب أو المعادي للامبريالية وقواه المنتشرة في البلدان العربية كما لاحظوا بسهولة استعداد هذه القوى للتحالف والتعاون مع الاتحاد السوفيتي.

  وفي التقرير الختامي للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي في مؤتمره العشرين (فبراير 1956م) تحدث خروشوف وفضح “عبادة الفرد” التى سادت في عصر ستالين، ولم يكتف بذلك بل تناول للمرة الأولى في حديثه الوضع في العالم الثالث. أشار خروشوف إلى أنه قد بدأت حقبه جديدة دعى إليها لينين وهي الحقبة التي ستشارك فيها شعوب الشرق بفاعلية في تقرير مصير العالم. ولفت الانتباه إلى أنه وخلافا لفترة ما قبل الحرب أصبحت الأغلبية العظمى من دول آسيا بلدانا مستقلة تدافع عن سياساتها الخارجية المستقلة. وأشار التقرير إلى أن “العلاقات الدولية خرجت عن إطار العلاقة بين الدول التي تقطنها أغلبية بيضاء وأخذت تصطبغ بطابع جامع بين بلدان العالم كافة”[i] كما جئ على ذكر ذلك في قرارات المؤتمر حيث تمت الإشارة للمرة الأولى إلى تضاعف عدد قوى السلام “بعد ظهور مجموعة من الدول المحبة للسلام على الساحة العالمية سواء في قارة أوروبا أو آسيا يدعون إلى إرساء مبدأ عدم الانضمام إلى الأحلاف العسكرية”. وكان من نتيجة ذلك أن تشكل “فضاء سلام واسع” يضم بلدانا اشتراكية وغير اشتراكية محبة للسلام في كل من أوروبا وآسيا وتغطي أكثر من نصف مساحة المعمورة”[ii].

  وشهد المؤتمر الحادي والعشرين للحزب الشيوعي ( يناير – فبراير 1959م) اتخاذ خطوة جديدة على طريق تقييم واقع العالم الثالث حيث امتنعت معظم البلدان التي كانت واقعة تحت الاحتلال والتي كانت تمثل مخزنا واحتياطيا استراتيجيا للدول الامبريالية عن لعب هذا الدور. أصبحت هذه البلدان تناضل ضد الامبريالية والاستعمار ومن أجل الحرية والاستقلال الوطني.[iii] وقد تحققت انجازات أخرى خلال المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي السوفيتي ( أكتوبر 1961م) حيث خرجت بلدان آسيا وإفريقيا الوليدة إلى الساحة العالمية وأصبحت تلعب دورا نشطا في حل قضايا الحرب والسلم وغيرت بشكل قوى من موازين القوى لصالح التيار المحب السلام [iv] أي الإتحاد السوفيتي وحلفائه وهو ما أدى بدورة إلى حدوث تغيرات جوهرية في منظومة العلاقات الدولية. كما لوحظ أثناء المؤتمرين الحادي والعشرين والثاني والعشرين للحزب الشيوعي أن البورجوازية الوطنية والتي أصبحت على رأس السلطة في عدد من الدول المتحررة لم تستنفذ بعد دورها التقدمي وما زال لديها القدرة على حل العديد من القضايا الوطنية الملحة. لكن المشكلة في انعدام الثقة فيها وذلك نظرا لاحتدام الصراع الطبقي داخل الدولة ما يدفعها للميل أكثر إلى موافقة الامبريالية وقوى الرجعية في الداخل.

  وقد تطلبت السياسة السوفيتية الجديدة الأكثر مرونة ونجاحا تغييرا في الشعارات المستهدفة والتي لم تكن في وضع يسمح لها بالتخلي عنها بعد. ونجحت قيادة خروشوف في العثور على أكليشيهات جديدة بسرعة لصياغة نظرية دعائية لسياساتها في العالم الثالث نذكر منها “الطريق غير الرأسمالي للتنمية” و” الديمقراطية الثورية” و” الديمقراطية الوطنية”.

  وهكذا لم يبدُ العالم منقسما إلى أبيض وأسود مثلما كان عليه الحال سابقا ولم يكن منقسما إلى “هم” و”نحن”. اقترب العالم من “المستقبل المشرق” لكن هذا الطريق لم يكن يسير بالضرورة عبر حروب دموية. تغيرت موازين القوى لصالح الاشتراكيين وظهرت إمكانية تحاشي التصرفات العدائية من جانب الامبريالية. كما اختلفت أشكال الانتقال إلى الاشتراكية بما في ذلك التطور السلمي للثورة.

  ومن الصعب القول بأن خروشوف قد طرح فكرة لينين وستالين حول “أزمة الرأسمالية” و”الانتقال المؤسس والعلمي إلى النهج الشيوعي”. كان الزعيم السوفيتي الجديد يرفض فكرة وجوب التضحية بالدماء في سبيل الانتقال من معسكر إلى آخر. وكان ذلك من انجازاته بحق. يتذكر الجميع ما قاله للأمريكيين: سوف ندفنكم. كان يقصد الجانب السياسي والاجتماعي فحسب وليس العسكري أو البشري. رفض خروشوف الحرب وخاصة في عصر السلاح النووي ( على الرغم أنه أحيانا كان يسمح لنفسه باجتذاب اهتمام العالم كله بتصريحاته وتهديداته القوية). كان بالفعل مؤيدا للتعايش السلمي ولكن على أساس التنافس بما في ذلك في المجال العسكري والسياسي ( وبدون إشعال حرب نووية صاروخية) حيث كان على يقين من انتصار الاشتراكية والاتحاد السوفيتي.

  وعندما سأل كاتب هذه السطور أناتولي جروميكو، إبن وزير الخارجية السوفيتي الشهير والذي ظل في منصبه لربع قرن، عن الأحداث التي أثرت بشكل أساسي على طريقة تفكير والده وغيره من الزعماء السوفيت سمع الرد التالي: “ما حدث يوم 22 يونيو 1941م”[v] وقد أجمع كثيرون على هذه الحقيقة وخاصة الجيل القديم الذي كان يقوم بوضع أو ينفذ السياسة الخارجية للاتحاد السوفيتي حينها. وبدون استيعاب هذه الحقيقة لا يمكن أن نقيم بشكل سليم رؤية القيادة السوفيتية للعالم في تلك الفترة ولاحقا حتى حكم الرئيس ميخائيل جورباتشوف بما في ذلك تقييم الوضع في الشرق الأوسط والأدنى.

  ففي الثاني والعشرين من يونيو 1941م اندلعت أكثر الحروب قسوة ودمارا وضحايا في تاريخ دولتنا. وقد حددت النتائج الدامية والمؤلمة التي تركتها هذه الحرب طبيعة النهج السياسي لاحقا سواء داخل البلاد أو على الساحة الدولية واستمر هذا التأثير لجيلين كاملين. كان مطلع الأغنية الروسية الشهيرة “أيا عزيزي. ليت الحرب لم تكن” يعني أن المواطنين السوفيت كانوا على استعداد للقيام بأي شئ في سبيل تجنب حدوثها. ولذا فقد كانوا على استعداد للحرمان والتقشف كي لا تتكرر المأساة. كان يجب امتلاك القوة حتى لا يتجرأ أحد مرة أخرى على الاتحاد السوفيتي.

  وقد رأى الأمريكيون أن تفوقهم النووي عامل ردع للاتحاد السوفيتي فيما اعتبر السوفيت تفوقهم البري ونشر فرق الدبابات السوفيتية في أوروبا عامل ردع لأمريكا. ولم يكن الطرفان المتنافسان على استعداد للتفاهم.

  وربما أصاب علماء السياسة الغربيون عندما اعتقدوا أن الزعماء السوفيت كانوا مشغولين ومهمومين طول الوقت بقضية الأمن. ولم يستطيع الأمريكان أن يتفهموا هذه المخاوف نظرا لأن المجتمع الأمريكي لم يعاني مثلما عانى الروس أثناء الحرب ولم تسقط قنبلة واحدة على القارة الأمريكية. في حين كان على القادة السوفيت العيش لعقود في ظل تواجد قواعد عسكرية أمريكية وانجليزية بالقرب من حدودهم يمكنها أن توجه الضربة الأولى في أي وقت. كان يكفى أن تنظر إلى الخريطة لكي تلحظ انتشار هذه القواعد لتحيط بحدود الاتحاد السوفيتي. ولم يكن القادة الأمريكان ليقبلوا بوضع كهذا. وقد هدد الرئيس الأمريكي الذكي والصارم جون كيندي بحرب نووية عندما غامر نيكيتا خروشوف وحاول في عام 1962م نشر صواريخ سوفيتية متوسطة المدى في كوبا. كان يرى أن هذا بمثابة تهديد للأمريكان يضعهم في وضع مشابه لما عليه السوفيت. وخسر خروشوف الرهان وخلال أقل من عشر سنوات ضاعف الطرفان من قدراتهما الصاروخية وخاصة في مجال إنتاج الصواريخ العابرة للقارات حتى أصبحا في وضع متساو في القوة وأصبح لديهما إمكانية التدمير المتبادل لأكثر من مرة ولذا فقد بدءا في التفاوض فيما بينهما والاتفاق حول تقليص عدد الأسلحة النووية الإستراتيجية.

(من الملاحظ أن الأمريكيين لم يستطيعوا فهم ما يفكر فيه الزعماء السوفيت حينها كما أن القادة السوفيت عجزوا عن فهم السياسة الخارجية الأمريكية وخاصة ما يتعلق بالعوامل المحددة لها. ولهذا السبب تحديدا قيمت موسكو عاليا التهديد النووي لأطراف العدوان الثلاثي في عام 1956م. سنقف تفصيلا عند ذلك لاحقا. وبعد انتهاء الأزمة الكوبية وتولى نيكسون رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية والبدء في مفاوضات الحد من الأسلحة الإستراتيجية في عم 1969م حدث نوع من التفاهم المتبادل بين العاصمتين. غير أن ما يعرف بالصقور في البلدين كانوا يضغطون دائما في سبيل تأزيم الموقف).

 [i]

[ii]

[iii]

[iv]

[v]

(يتبع)

اترك تعليقا