الرئيسية » سياسة واقتصاد » ما بعد حادثة ” إيل/ 20 ” ليس كما قبلها

ما بعد حادثة ” إيل/ 20 ” ليس كما قبلها

مستوى العلاقات بين الدول والحكام يختلف من عقد الى اخر وبشكل عام هذه العلاقات تتغير حسب الظروف المحيطة والطارئة والتي تؤثر على مصالحها الوطنية والقومية، وغالبا ما يكون هذا عائدا الى تقاسم النفوذ بين الدول الكبرى وفرض هيمنتها بالقوة والتي حتما تجبر الدول الصغرى على تغيير سياستها كرها او طوعا تماشيا مع طموحاتها التوسعية .

منطقتا العربية، شاء القدر ان تأخذ النصيب الاكبر من التآمرات العالمية والتحالفات الدولية والاقليمية، حيث سجل التاريخ مراحل مختلفة، فهناك فترات سادها الود والتعاون وحسن الجوار وتارة اخرى أعلنت الحروب وفرض الاقتتال وزرعت الكراهية المقيتة وأخذ الثأر نصيبه والانتقام .

المياه واليابسة العربية لا تخلو منذ عقود من القوات والاساطيل العسكرية المختلفة التابعة للدول الكبرى، والغربية اخذت منها نصيب الاسد حيث تبحرهنا وتتجول هناك وتبرز نفسها كأنها المالك الحقيقي للمنطقة. هكذا تعاملت القوى الغربية في المنطقة العربية وخصوصا في الخليج وشبه الجزيرة العربية.

ما يقرب من 90 عاما والسياسة الغربية وخاصة الامريكية كامشة بإحكام الأنظمة في المنطقة، واولها السعودية.

وخلال هذه الفترة تحكمت الولايات المتحدة بكل صغيرة وكبيرة في إدارة سياسة المملكة العربية السعودية الخارجية وحتى الداخلية بحجة رئيسية هي محاربة الشيوعية والملحدين .

ولاجل محاربة المد الشيوعي أنشئ الكثير من الأحلاف في المنطقة كان أولها حلف “بغداد” 1955 الذي دخل فيه العراق وإيران والمملكة المتحدة وتركيا وباكستان وهذا الحلف اعلن عن مهمته أنها العداء للشيوعية الا انه سرا كان لحماية امن دولة اسرائيل الوليدة في 1948.

لكن حلف “بغداد” لم يستطع الوقوف امام المد السوفيتي في المنطقة الذي تمكن من إقامة علاقات وطيدة مع مجموعة من الدول العربية مثل مصر وسوريا والعراق واليمن الديمقراطي والصومال .

ومع اشتداد الصراع على المنطقة بين قطبي الحرب الباردة اعلنت مجموعة اصدقاء موسكو عن قيام حلف سياسي جديد عام 1977 معادٍ لسياسة الغرب واسرائيل في المنطقة اطلق عليه اسم “جبهة الصمود والتصدي” وتكون من العراق وسوريا واليمن الديمقراطي وليبيا والجزائر ومنظمة التحرير الفلسطينية .

الا ان قيام الثورة في ايران سرع في حل حلف بغداد 1979 وتفكيك “جبهة الصمود والتصدي” الوليدة ولم يكن قد صلب عودها بعد بسبب اعلان الحرب من قبل احد مكونيها وهو العراق على ايران وبدعم من دول الخليج وشبه الجزيرة العربية التي من خلال المعطيات والتغيرات السياسية الطارئة على المنطقة لم تبق مكتوفة الايدي واعلنت عن تشكيل “درع الجزيرة” عام 1982 للدفاع عن كيانها ووجودها وامنها الاقليمي.

إضافة الى الاحلاف والتكتلات العسكرية الاقليمية في المنطقة التي هيمنت على سياستها الدول الغربية كانت هناك مجموعة كبيرة من الجمعيات الخيرية والمؤسسات والمنظمات الدينية التي تدور ايضا في فلك السياسة الغربية وتأتمر بأوامرها وانشئت لها المئات من المعاهد والمدارس الدينية ومع برامج التدريب البدني والعسكري وفيما بعد اتضح انها جماعات ارهابية تجني منطقتنا العربية ثمار قيامها اليوم وخصوصا على الاراضي السورية .

السياسة الخارجية والداخلية اليوم لدول مجلس التعاون الخليجي مختلفة تماما عن السابق مما يعجل في هزيمة الجماعات الارهابية في سوريا وتلاشيها كليا في المنطقة وبالتدريج.

قرار غالبية دول مجلس التعاون الخليج بمد جسر من العلاقات الاقتصادية الى موسكو كان صائبا لكسر الاحتكار والهيمنة الغربية عليها.

السياسة الاقتصادية وقوانين الاستثمارات في روسيا جذبت وبسرعة الاستثمارات الخليجية بمئات المليارات وهذا يدل على العلاقات الودية والثقة المتينة بين موسكو ودول المجلس وهذا أضعف الى ادنى المستويات سياسة العداء لموسكو مما سيغير حتما سياسة واهداف حلفها العسكري “درع الجزيرة” .

اعلان وزارة الدفاع الروسية تحميل اسرائيل مسؤولية حادث اسقاط “ايل/20” الروسية من  قبل الدفاعات الجوية السورية والتي راح ضحيتها 15 عسكريا روسيا ادى الى إمتلاك الجيش السوري منظومات الدفاع الجوي “أس – 300 ” والتي كانت موسكو قد توقفت عن تزويد الجيش السوري بها سابقا بطلب من دولة اسرائيل.

ويرى مراقبون ان زيارة وزير الدفاع الامريكي جيمس ماتيس للمنطقة بما فيها اسرائيل قبل ايام من حادثة إيل/20  ليست بالصدفة وهي ترافقت مع انعقاد اللجنة العسكرية العليا الخليجية في الكويت في العاشر من سبتمبر/ ايلول 2018 والتي خصصت لمواجهة المخاطر التي تهدد امن منطقة الخليج والجزيرة .

وزير الدفاع الامريكي أكد في لقائه مع قادة الجيوش الخليجية على التزام واشنطن منع ايران من امتلاك السلاح النووي، الا انه اخفى المهمة الرئيسية للقائه بهم – حسب رأي مراقبين – والمتمثلة بتوحيد جهود كل حلفاء واشنطن في المنطقة ضد  قرار موسكو  بتزويد الدفاع الجوي   السوري بمنظومة “أس – 300”  كرد صارم على اية عمليات اسرائيلية ضد التواجد العسكري الروسي في الاراضي السورية الهادف الى القضاء على الارهاب.

  حادثة “إيل/ 20” نقطة فاصلة في تاريخ المنطقة. فكل الحماقات الغربية والاسرائيلية على سوريا انتهت وعملية محاربة الارهاب الذي لم يقض عليه التحالف الغربي ستتواصل حتى إنهاء الارهاب في سوريا واقامة السلام واعادة الاعمار. وإقامة القيامة على موسكو بسبب ذلك من قبل اصدقاء  واشنطن في المنطقة العربية لم تحدث، فكل شئ قد تغير.

صادق النويني

اترك تعليقا