الرئيسية » سياسة واقتصاد » ليونيد إيفاشوف: “اختيار الهدف الخطإ”*

ليونيد إيفاشوف: “اختيار الهدف الخطإ”*

كارثة “ايل – 20” سببها الموقف الروسي الممالئ لإسرائيل

25  سبتمبر 2018

قال وزير الدفاع الروسي سرغي شويغو إن الجمهورية العربية السورية سيتم تزويدها بنظم الدفاع الجوي S-300.. هذه، دعنا نقول، واحدة من الإجابات المتوقعة من جانب القيادة الروسية لإسرائيل ردا على الاستفزاز الذي أدى إلى فقدان طائرة “إيل-20”.  لكن هذا لا ينبغي أن يتوقف عنده ردنا، إذ يكفي أن نتذكر كيف تصرفت تل أبيب منذ اللحظة التي أرسلت فيها روسيا قواتها العسكرية إلى سوريا.

لا أرى أي خطإ أو قصور في تصرفات القيادة العسكرية لمجموعتنا في الجمهورية العربية السورية، خاصة إذا تساءلنا هل كان بإمكانها مسبقا التحسب لمثل هذا الوضع والتأكد من أن طائراتنا لن تصبح هدفا للدفاع الجوي السوري. قتال قواتنا يتم بحكمة ومهنية، مع أخذ جميع دقائق الوضع بعين الاعتبار. لكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك حسابات خاطئة، ولكن الأخطاء كلها ​​تكمن في السياسة، وليس في المجال العسكري.

نحن لم نظهر التزامنا بمبدأ حماية سيادة سوريا في الوقت المناسب، بعد أن أعلنا ذلك بالأقوال، ولكننا في الحقيقة تجاهلنا بصراحة تصرفات كل من الطائرات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية. أي أننا نعترف بحكم الأمر الواقع بمقبولية مثل هذه التحليقات الجوية، وهو ما تؤكده المذكرة التي تم إبرامها بشأن درء الحوادث في الجو.

ولئن كنا لا نزال متأخرين في شيء، ففي تسليح الدفاع الجوي السوري بأكثر الوسائل التي تمتلكها روسيا حداثة. وهذا صحيح في جميع النواحي – في المجال العسكري والسياسي، وفي الاستراتيجية، وحتى في المجال الاقتصادي. لنقل إن العقد الخاص بهذه الإمدادات كان قد بدأ ينشغل عليه بالفعل، لكننا ألغينا ذلك بناء على طلب إسرائيل، بعد أن مزقنا قبله عقداً مشابهاً مع إيران. وعندما كان أناتولي سرديوكوف وزيراً للدفاع، وقعنا اتفاقية لا يقرها العقل مع إسرائيل – بشأن تبادل المعلومات الاستخبارية. أي نوع من المعلومات، يا ترى، يمكن أن يهمنا في إسرائيل؟ طبعاً، الأمر يتعلق أولاً بحلفائنا الحاليين – سوريا وإيران وتركيا. أي أننا، في الواقع، ملزمون بالتعاون مع تل أبيب ضدهم. هذه الاتفاقية هي أيضاً مبادرة لم تصدر عن العسكريين، بل عن السياسيين.

طوال الوقت، ونحن في سوريا، كنا “نبلع” على مضض الضربات الجوية التي كانت إسرائيل تقوم بها ضد هذا البلد. وهذا حتى في الحالات التي يكون فيها لدى الإسرائيليين مجرد “اشتباه” بشيء ما في مكان ما هناك يهدد مصالحهم. ونحن رحنا نقنع أنفسنا بأن علينا أن نتفهم الأمر، إذ من خلال سوريا يتم بالفعل إمداد “حزب الله” بالأسلحة ولإسرائيل الحق وهلم جراً …

ولكن كيف يمكن أن يكون لهم أصلاً الحق في قصف أراضي دولة ذات سيادة؟ لئن كنتم قد خصَصتم أنفسكم بمثل هذا الحق، فلا تتضايقوا إذا استخدم الطرف الآخر حقه في الدفاع بكامل عدّته وعديده. وإذا نشأت لدى سوريا شكوك – وليس مهماً إن كانت هذه الشكوك لها ما يبررها أم لا – حول أن إسرائيل تبيّت شيئا ما ضد مصالحها، فهي أيضا يحق لها أن تضرب أراضي إسرائيل. إننا بتنازلنا لإسرائيل في هذه القضية جعلنا أنفسنا في وضع الخاضع: فهي يمكنها أن تفعل ما تراه ضروريًا، وليس لنا الحق فقط في غير النظر إلى هذا بصمت أو الاقتصار على الكلام في العموميات حول عدم قبول ما يحصل وأشياء أخرى مشابهة. ليس في هذا ذنب جيشنا. إن هذا التواطؤ هو ما أدى إلى أن تبادر إسرائيل صراحة، وبالتعاون مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، إلى الاستفزاز وهي واثقة من أن أي شيء لن يتهددها.

أي حاجة كانت إلى عملية الـطائرات المقاتلة الأربع  F-16؟ الحرب في سوريا بدت واصلة إلى نهايتها، وحتى العداء الشيعي السني اقترب من أن يتوقف: فالتدخل الروسي في الأحداث السورية حطم خطط الغرب الرامية إلى إشاعة الفوضى في الشرق الأوسط، ولم يحدث “اغتيال” جديد لدولة صديقة. وتعتبر مسيرة توطيد أواصر العالم الإسلامي عاملاً قوياً غير مريح لإسرائيل، بالإضافة إلى اتجاه واضح نحو وحدة الحضارة الإسلامية وروسيا الأرثوذكسية. فعندما تحول الاتجاه إلى عقد اتفاقيات مبدئية – أولاً في طهران، ثم في سوتشي مع أردوغان بشأن حلحلة الوضع في إدلب، كان على الغرب أن يفعل شيئًا ما على عجل. أعتقد أنه يجب البحث في أسباب الاستفزاز في هذا الأمر. وهكذا يلقى باللائمة على السوريين والروس والإيرانيين لأن الهجمات تطاولهم هم، بينما لا نرى علاقة لإسرائيل بالأمر. هناك محاولة بينة لجعل الشرخ بالذات في علاقتنا مع الحلفاء.

يقولون إن منظومات S-300 سيتم تسليمها إلى سوريا في خلال أسبوعين. لكنني لا أملك الثقة لا في المواعيد المطروحة، ولا في كون هذا الوعد سوف يتحقق. أولاً، حتى لو كانت لدينا أنظمة دفاع جوي جاهزة، فإن المطلوب أيضا إجراء تدريبات ما قبل تصديرها عليها، والأهم من ذلك تدريب من سيضطر إلى استخدامها في مراكز التدريب لدينا. ويمكن أن يستغرق الأمر ثلاثة أشهر على الأقل. فبعد التسليم ثمة النشر في نقاط التوزيع، ثم التدريبات … في أقل من ستة أشهر، أو حتى سنة، وإذا لم تكن هناك منظومات جاهزة، لن تكون أنظمة الدفاع الجوي الجديدة في حالة تأهب.

وثانيا، هناك عدد كاف من الأشخاص ذوي النفوذ في القيادة الروسية يحافظون على علاقات وثيقة مع إسرائيل، وسيحاولون القيام بكل شيء لضمان عدم تنفيذ هذا العقد.

لكي لا تتكرر كارثة مثل كارثة IL-20 مرة أخرى، تحتاج قيادتنا إلى تغيير موقفها تجاه إسرائيل، فنحن الآن لسنا نساهم في تأمين أمنها الذي يمكن تحقيقه بطرق أخرى، بقدر ما نشجعها على العدوان. الآن حان الوقت لوضع احترام سيادة سوريا فوق كل اعتبار. لقد جئنا إلى سوريا لا لحماية وحداتنا هناك، بل يجب علينا أن نضمن حماية مواطني هذه الدولة وأراضيها ومجالها الجوي. وقد حان الوقت لتحذير الجميع بأننا مستعدون قانونياً لحماية كامل الأراضي السورية من الضربات الجوية، واسقاط أولئك الذين ينتهكون المعايير الدولية. اسقاط طائرة واحدة. فإذا بدأوا بالثأر، إسقاط عشر طائرات أخرى.

لقد ذكرت وزارة الدفاع الروسية أن إسرائيل أصبحت في واقع الأمر دولة معادية، ويجب الحفاظ على هذا الخط. ساعتئذ سوف تصبح العلاقات مع إيران، ومع الدول العربية، ومع تركيا بناءة أكثر بكثير مما هي الآن. وفي الأمور الأمنية، يجب إعطاء الدور الحاسم للجيش، وألا يتدخل السياسيون والأوليغارشيون في الوضع، لأن اهتمامهم سينصب على تأمين مصالحهم الذاتية المغرضة.

/ ليونيد إيفاشوف، رئيس أكاديمية القضايا الجغراسياسية، vpk-news.ru/

ترجمة: ميشال يمّين

اترك تعليقا