الرئيسية » سياسة واقتصاد » لعبة الشطرنج على رقعة العراق السياسية

لعبة الشطرنج على رقعة العراق السياسية

 تبدو الرهانات على رقعة الشطرنج السياسية العراقية باهظة، وتتجمع حولها قوى دولية وحركات سياسية محلية تخوض صراعاً مستميتا،ً رغم أن بعض الكتل جاء عن طريق الانتخابات، غير أن أغلبها لم تحصد مع الأصوات ثقة الناخبين، الشعب، السكان، لأنها فشلت تاريخياً في احلال النظام البديل الذي كان غالبية الشعب العراقي يتطلع له بعد انهيار الديكتاتورية.

لقد  ظهر عن المخاض العسير، الذي قدم الشعب العراقي بأجمعه على مذبحه الضحايا الجسيمة، وليد كسيح وضعيف ومشوه: هو النظام القائم منذ 2003، وتتحلق القوى الدولية والاحزاب السياسية اليوم حول رقعة الشطرنج (وقد دارت ظهرها في البداية لانتفاضة البصرة) لتفوز بالجولة الجديدة في الصراع الدائر، بالأساس من دون برامج وإستراتيجية واقعية لبناء العراق الجديد اقتصادياً واجتماعياً وتكنلوجياً وأمنياً… وإنما على تقاسم النفوذ والسلطة وأن تصب خيرات البلاد وممتلكات الدولة العامة ليس في صالح أهل العراق وإنما لمجموعات وطوائف وعشائر.

ضمن هذا السياق أجمعت تقارير مراكز البحث والتحليل السياسي في موسكو على أن الوضع العسكري/ السياسي في العراق ظل معقداً خلال الفترة الماضية. ولفتت إلى أن الأحزاب والكتل الرئيسة أجرت مفاوضات صعبة بصدد تشكيل تحالف برلماني في ضوء نتائج انتخابات مايو/ أيار للمجلس الوطني والاتفاق على تشكيلة الحكومة الجديدة. وحسب تقييمها يستمر الوضع في مجال الأمن متوتراً. وتنشط في مختلف انحاء العراق تشكيلات داعش الارهابية التي لم يتم إلحاق الهزيمة النهائية بها. ولم تتم تسوية العديد من القضايا في العلاقات بين الحكومة الفيدرالية العراقية وسلطات كردستان العراق. وأضفى استئناف العقوبات الأمريكية على إيران تعقيدات على حالة السياسة الخارجية للعراق: ويتعين على بغداد أن تختار بين مراعاتها أو ابقاء العلاقات مع طهران على مستواها الراهن.

وناقشت عدد من الدراسات في موسكو الوضع في العراق من عدة نواحٍ، مركّزة على تحول البلاد الى ميدان للصراع بين الولايات وايران، وخلفيات انتفاضة البصرة ومدن جنوب العراق وغيرها من المناطق وتداعياتها على آفاق الوضع السياسي لاحقاً واصطفاف القوى. وتقول: إن على مجلس الوزراء الجديد بناء العراق بعد حرب دامت 3 سنوات ضد داعش، وأن تناور بين الحليفين الرئيسين: إيران والولايات المتحدة الامريكية، اللذين يعتبران عدوين لدودين في المجال الجيو/ سياسي.

وأعتبر تقرير نشر في موقع “يورو آسيا” بقلم الباحث السياسي سيرجي مانوكوف، إن تجريد رئيس الحكومة حيدر العبادي، فلاح الفياض من مناصبه كافة، دليل ساطع على تفاقم العلاقات في معسكر شيعة العراق، وعن أن قيادات الحشد الشعبي تواصل القيام بأدوار مهمة في حياة البلاد، وإنها تتدخل اكثر فأكثر في الشؤون السياسية، رغم ان القانون يحظر على منتسبي مؤسسات القوة العمل السياسي. ويرى التقرير نفسه أن الحشد الشعبي الذي يصل تعداده الى 120 ألف شخص، ويعتمد مستقبل البلاد في الكثير على تحركاته، قد فقد اكثر من 8 آلاف شخص خلال المعارك مع الجماعات الإرهابية، في إشارة إلى أنه لن يتخذ موقف المبالاة من مسارات التطور السياسي، “ونقل البيادق على رقعة الشطرنج”.  وقال “إن البعض يعتبر الحشد الشعبي محرر لمناطق البلاد من المتطرفين الاسلإميين، وللبعض الآخر  هو صنيعة إيرانية و بالتالي إنه طابور خامس وقوة مزعزعة للاستقرار في العراق”. وقال ” ليس من المستغرب أن هناك عدداً غير قليل من العراقيين وبالدرجة الأولى الحلفاء الغربيين، يخشون إن الميليشيات المسلحة، التي تتألف أغلبها من الشيعة، قد تصبح في العراق قوة ظل جبّارة على غرار الحرس الثوري الإيراني أو حزب الله اللبناني”.

وقال إن الزعيم الشيعي هادي العامري الذي استبدل البدلة العسكرية ببدلة مدنية أنيقة، يرى أن منظمته “بدر” التي اصبحت هيكل الحشد الشعبي ـ ليست شبيهة بـ” بالحرس، الإيراني وإنما على الأغلب تشبه الحرس الوطني في الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، يؤكد أن الحشد الشعبي ظاهرة عراقية بحتة، وأنه لا يتعرض لأيّ تأثير خارجي”. وأشار الى أن وزير خارجية الولايات المتحدة مايك بومبيه، اتهم إيران في دعم الميليشيات الشيعية بهدف التغلغل في قوى الأمن العراقية وإضعافها. وقال إن الولايات المتحدة تضم العديد من قيادات الحشد الشعبي الى قائمة الإرهابيين.

وحسب ما جاء في التقرير، فإن الكثير يعتقدون أن الحشد الشعبي بالعراق هو المشروع الإيراني الثاني الناجح في الخارج بعد “حزب الله” اللبناني!. وقال إن ما يبرهن على النفوذ الذي تتمتع به طهران في العراق أن القوات الخاصة “القدس” التي تدخل في اطار الحرس الثوري الايراني نشرت بصورة سرية في جنوب وغرب العراق صواريخ “الزلزال” و”الفاتح ـ110″ و” ذو الفقار”. وإن هذه الصواريخ قادرة بفضل مدى اطلاقها الذي يصل من 200 الى 700 كم، بلوغ تل أبيب والرياض.

ولفت التقرير الى أنه ورغم الانتقاد الذي وجهته واشنطن، فإن الميليشيات الشيعية حاربت 3 سنوات ضد داعش جنباً الى جنب ليس فقط القوات العراقية، وانما ليس نادراً الى جانب قوات الإنزال الآمريكية. وقال التقرير “والآن وبعد أن تم إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش في العراق، ينطرح سؤال مشروع: ما هو مستقبل الميليشيات الشيعية؟

وحسب التقرير فإن هناك رأياً ينتشر وسط غالبية الدبلوماسيين الغربيين مفاده أن العامري يفضّل مواصلة الصداقة مع ايران ومع الولايات المتحدة، ولكن اذا ما تفاقمت العلاقات بينهما بحدة، فإنه سيقف الى جانب إيران، لأنها وسيلة مع الشيعة العراقيين الآخرين، يدرك أن النفوذ والتأثير الأمريكي في المنطقة سيضعف عاجلاً أم آجلاً.

د. فالح الحمـراني

اترك تعليقا