الرئيسية » حضاريات » كيف يعمل العقل الأميركي؟

كيف يعمل العقل الأميركي؟

يرى البروفيسور جيرار دولودال استاذ الفلسفة في جامعة “بيربينيان” بفرنسا ان الولايات المتحدة دخلت عام (1976) في القرن الثالث في تاريخها. وهذا يعني ان عمرها الآن يتجاوز القرنين وربع القرن بقليل. وخلال هذين القرنين تشكلت الروح الاميركية، وكذلك الفلسفة والعقلية الاميركية. ويرى هذا الباحث الذي كرس عمره لدراسة الفلسفة الاميركية وتدريسها في الجامعات الفرنسية انه لا يمكن فصل الفلسفة الاميركية عن الايديولوجيا الاميركية. وبالتالي فلكي نفهم سياسة القادة الاميركيين، فإنه ينبغي علينا ان نتعرف على فلسفتهم والبواعث العميقة التي تحركهم وكذلك منهجيتهم في الفعل ورد الفعل: أي في معالجة القضايا المطروحة. لا يمكن اختزال الفلسفة الاميركية الى مجرد تقليد او امتداد للفلسفة الاوروبية، بالرغم من انها كانت في البداية امتداداً للفلسفة الانجليزية او زرعاً لها في القارة الجديدة، ولكنها فيما بعد استقلت عنها واصبحت لها شخصيتها وسماتها الخاصة. وخلال قرنين من عمر الولايات المتحدة شهدت ظهور فلاسفة كبار ليس أقلهم ويليام جيمس (1842 – 1910)، وشارك ساندرسبيرس (1839 – 1914)، وجون ديوي (1859 – 1952)، وجورج هيربرت ميد (1863 – 1931)، ثم مؤخراً ريتشارد رورتي، وجون رولس، وتوماس كهن، وسواهم. ولكن قبل ان ندخل في صميم الفلسفة الاميركية ينبغي ان نطرح هذا السؤال: ما هي الفلسفة؟ في الواقع انه على عكس ما يتوهم المثاليون والتجريديون فإن الفلسفة مشروطة بالسياق الذي ولدت فيه. فالسياق العربي الاسلامي ولّد فلسفة ذات سمات وملامح تختلف عن الفلسفة التي ولَّدها السياق الاوروبي، أو الاميركي، أو الهندي، أو الصيني، الخ.. هذا لا يعني بالطبع انه لا توجد سمات مشتركة بين مختلف انواع الفلسفات. فالواقع انها جميعها قائمة على التساؤل، والمحاجَّة العقلانية، وليس على التسليم والنقل كالدين. ولكن هناك خصوصيات لكل فلسفة. وما يهمنا هنا هو الكشف عن خصوصية الفلسفة الاميركية. فقد كنا نعتقد ان هذه الفلسفة هي نسخة طبق الاصل عن الفلسفة الاوروبية او الانجليزية لأن اميركا هي بنت اوروبا كما يقول الجنرال ديغول. ولكننا اكتشفنا ان الامور اكثر تعقيداً، وان هناك استقلالية متميزة للفلسفة الاميركية. بالطبع فإن هذه الاستقلالية لم تحصل دفعة واحدة، وانما على مراحل استغرقت مائتي سنة: أي عمر اميركا ذاتها. والفلسفة الاميركية مرتبطة بالطريقة التي تشكلت فيها اميركا يوماً بعد يوم، بل وبالطريقة التي لا تزال تتشكل فيها حتى الآن. وبالتالي فإن الفلسفة تبلورت تدريجياً لكي تلبي حاجيات المجتمع الاميركي الوليد ولكي ترد على الأسئلة المطروحة عليه. بهذا المعنى فإن الايديولوجيا الاميركية تشكلت قبل الفلسفة الاميركية دون ان يعني ذلك ان الفلسفة هي مجرد ايديولوجيا. بالطبع فان الفيلسوف الاميركي يشارك معظم المواطنين الاميركيين مشاعرهم واحاسيسهم وردود افعالهم تجاه الاحداث الكبرى. ولكن الفلسفة تتجاوز الايديولوجيا السياسية من حيث انها اكثر عمقاً وشمولية. ولكن ما هي خصوصية الفلسفة الاميركية؟ يمكن الاجابة عن هذا السؤال كما يلي: اذا كان المرء ديكارتياً في فرنسا، فانه سيكون براغماتياً في اميركا. هذا يعني ان الاميركي أقرب الى الفلسفة العملية التجريبية منه الى الفلسفة التأملية او النظرية على الطريقة الديكارتية.

اذا ما نظرنا الى الايديولوجيا الاميركية من الخارج بدت لنا متناقضة او غير متماسكة.

فالأميركي يبدو من جهة مغامراً يجازف بنفسه، ومن جهة اخرى محباً للأمان والاطمئنان والسلامة. انه يبدو فردياً متميزاً عن غيره، وامتثالياً تقليدياً في آن. انه يرفض أوروبا ويحنّ إليها في ذات الوقت. إنه يدعو لانعزالية أميركا وراء حدودها، ثم يتدخل في شؤون الآخرين! إنه إمبريالي النزعة، لكنه يدعو أيضا إلى احترام حقوق الشعوب المضطهدة. لكن إذا ما نظرنا إلى الأمور من الداخل، فإن كل هذه التناقضات تتبخّر وتزول. ففي رأي البروفيسور “جيرار دولودال”، فإن الآيديولوجيا الأميركية تشكل كلاً متماسكاً. ثم يشرح الأمور تفصيلاً على النحو التالي. كانت أميركا تشكل، في الأساس، الأرض الموعودة للحرية، والمساواة، والإخاء، فمعظم المهاجرين الذين ذهبوا إليها وشكلوا الأمة الأميركية كانوا فارّين من بلادهم بسبب القمع أو الاضطهاد الفكري والديني. وحتى عندما هربوا من بلادهم بسبب الجوع أو بحثاً عن لقمة العيش في هذه الأرض الموعودة، فإنهم كانوا يهربون من الآيديولوجيا السائدة التي جوّعتهم وأهانتهم في بلادهم الأصلية. وبما أنهم كانوا هامشيين أو مهمّشين، فإنهم قبلوا بحق الاختلاف والتسامح مع الآخرين الذين يختلفون عنهم في العِرق، أو في اللون، أو في الدين.. ولهذا السبب نلاحظ أن الأميركي خليط من الفردانية والنزعة الاجتماعية في آن. إنه خليط من الحرية الفكرية، والامتثالية التقليدية. من هنا سر التناقض الذي يتراءى لنا من الخارج في الشخصية الأميركية. لننتقل الآن إلى سِمة أخرى تتمثل في الريادة الاستكشافية وأسطورة الحدود. فالأميركي المعاصر هو سليل ذلك الرائد الذي فتح قارة هائلة واستثمر أرضها وبناها وزرعها. وهذا يتطلب الكثير من حسّ المبادرة، والشجاعة، والصبر، والمثابرة. وهي صفات فردية لدى الإنسان. لكنه اضطر أيضاً إلى تنمية عاطفة التضامن والحس المشترك وتجميع القوى. وهكذا جمع الأميركي في شخصه بين النزعة الفردية، والنزعة الاجتماعية التضامنية.

ثم هناك سِمة أخرى من سِمات الشخصية الأميركية تتمثل في الربط بين النزعة الفردية والديمقراطية. فالانخراط الشخصي لكل أميركي في حياة الأمة يعطي للفرد حقوقا مقدسة. وهذه الحقوق تتيح له، تحت اسم الديمقراطية، أن يتسلّح مثلاً من أجل الدفاع عن نفسه. وهي صفة موروثة عن عصر الفتوحات الأولى وعقلية الحدود. لكنها تتيح له أيضا أن ينتظم في صفوف جماعة معينة للدفاع عن عقيدة ما أياً تكن. وهكذا يجمع الأميركي في شخصه وبحكم طريقة تشكّل أمته تاريخياً، صفتين اثنتين تبدوان متضادتين للوهلة الأولى: صفة الفردانية، وصفة الحياة الاجتماعية أو حب الجماعة. هناك سِمة أخرى وأساسية من سِمات الشخصية الأميركية هي: حب النجاح. في الواقع ان التعاون بين الفرد والجماعة هو الذي صنع أميركا. وقد كان هذا التعاون منسجماً أحياناً داخل الطوائف الدينية، لكنه أكثرة صعوبة في أثناء المسيرة الكبرى نحو الغرب، أو أثناء تحويل أميركا من بلد ريفي زراعي إلى بلد صناعي عمراني. لكن النجاح في تحقيق ذلك جعل الأميركي يشعر بأنه قادر على تحقيق المعجزات. فالأميركي يعتقد بأنه لا شيء مستحيلاً في هذا العالم، وأنه يكفي أن نمتلك الإرادة والرغبة لكي نستطيع تحقيق أي شيء. في الواقع ان فكرة النجاح تمثل الفكرة المفتاحية والأساسية التي تنبني عليها الأيديولوجيا الأميركية. لكن لا ينبغي الخلط بين فكرة النجاح، وفكرة الإمكانية بلا حدود. فالفكرة الثانية مرتبطة بالأبعاد الشاسعة الواسعة للأراضي الأميركية، وبالإمكانات اللانهائية للإنسان الذي يشتغل من خلال الجماعة ويحقق المعجزات. وأما الفكرة الأولى، أي فكرة النجاح، فهي علامة على أن العمل صالح، وأنه مرضيّ عند الله، وأنه مبرّر ومشروع. أما السِّمة الأخيرة من سِمات الأيديولوجيا الأميركية فتتلخص بهذا المفهوم: القدر المتجلّي بشكل ساطع: أي قدر الشعب الأميركي أو الأمة الأميركية. في أعماق الوعي الأميركي، أي في أعماق الأيديولوجيا، توجد الفكرة التالية: وهي أن الله اختار أميركا للدفاع عن الخير، والقانون، والحقيقة. وبالتالي فالأميركي يعتبر نفسه وكأنه مكلّف بمهمة أو برسالة. وهي نفس الرسالة التي دفعته للهجرة إلى أميركا في الفترات الأولى. تتلخص هذه الرسالة في ما يلي: بناء عالم جديد يتمتع فيه الإنسان بالحرية ويتخلص فيه من القمع والاضطهاد. يقول ابراهام لنكولين، أحد المؤسسين الأوائل للولايات المتحدة الأميركية: ما الذي يشكل الحصن الحصين لحريتنا واستقلالنا؟ ويجيب: إنه ليس قلاعنا ولا حصوننا ولا شواطئنا الوعرة والصعبة الاختراق.. إنما هو الثقة التي نضعها في حب الحرية، وهو حب زرعه الله في قلوبنا. وأما جورج واشنطن، بطل حرب الاستقلال وأول رئيس لأميركا، فيقول: إن قدر الشعب الأميركي يكمن في المحافظة على النار المقدسة للحرية.. وبعده بسنوات طويلة يقول رئيس آخر مشهور هو جون كندي: يا مواطنيّ الأميركان: لا تتساءلوا ماذا يمكن لبلادكم أن تفعل من أجلكم، وإنما تساءلوا ماذا يمكن أن تفعلوا أنتم من أجل بلادكم.. وأنتم يا مواطنيّ في العالم كله: لا تتساءلوا ماذا يمكن لأميركا أن تفعل من أجلكم، وإنما تساءلوا ماذا يمكن أن نفعل جميعاً من أجل حرية الإنسان في كل مكان.

وبعض قادتهم يحصر قدرهم الساطع في فتح أميركا ذاتها ويقول بأن العناية الإلهية أرسلتهم إلى هناك من أجل هذا الغرض وبناء أمة جديدة كبيرة. لكن بعضهم الآخر يعتقد بأن رسالة أميركا تشمل العالم كله وليس القارة الأميركية فقط. مهما يكن من أمر، فإننا نجد في الفلسفة الأميركية نفس السمات التي وجدناها في الإيديولوجيا الأميركية. وقد كانت الفلسفة ذات لون ديني أو حتى لاهوتي قبل عام 1865، ثم أصبحت ذات لون منطقي وعلمي بعدئذ. هذا يعني أنها تعَلْمنَت أو تحرّرت من هيمنة الدين المسيحي كما حصل للفلسفة الأوروبية ذاتها في نفس الفترة أو قبل ذلك بقليل. فالفلسفة الأميركية تتميز أيضا بحب الحرية والتعددية والقبول بالاختلاف. وهي كلها أشياء وجدت لها مرتعاً خصباً في أميركا. كما انها تتميز ثانيا بذلك المبدأ الذي نص عليه شارل سانديرس بيرس والذي يقول بإعطاء الحرية الكاملة للبحث العلمي والفلسفي.

انه ينص حرفيا على ما يلي: عدم عرقلة البحث العلمي أو سد طريقه. وهنا تتجلى اسطورة الحدود المفتوحة الى ما لانهاية. وهي أسطورة ساعدت على فتح أميركا ذات الأراضي المترامية الأطراف الى ما لانهاية.. هكذا نلاحظ ان الفلسفة الاميركية تلتقي مع الإيديولوجيا الاميركية في نفس المبدأ. واما السمة الثالثة من سمات الفلسفة الاميركية فتخص التصور السائد هناك عن الديمقراطية. وهو تصور مرتبط بالتجربة العملية المحسوسة باعتبارها امتحانا للأفكار الفردية في الساحة العامة. فالديمقراطية تعني المناقشة وتصارع الآراء المختلفة داخل الساحة الاجتماعية والفكرة التي تنجح في الاختبار بعد وضعها على المحك هي الفكرة الصائبة.. واما السمة الرابعة فتخص النجاح والفعالية. فالنجاح هو امتحان لقيمة الافكار، أو لكي نكون اكثر دقة، انه امتحان لمدلولها ومعناها في سياق محدود تماما. وأما السمة الخامسة للفلسفة الاميركية فتكمن في هذا القدر المتجلي بشكل ساطع والذي تحدثنا عنه قبل لحظة: نقصد قدر اميركا ورسالتها الى العالم. والتعبير الفلسفي عن هذا القدر يتجسد في الفلسفة البراغماتية. فهذه الفلسفة تجمع بين المنهجية التجريبية للفكر، وبين نمط الحياة الديمقراطية. وهي فلسفة مؤهلة لكي تكون فلسفة الغد بالنسبة للعالم كله. وكما ان الفلسفة الاغريقية كانت بنت الايديولوجيا الاغريقية، فإن الفلسفة الاميركية ذات رسالة كونية: أي موجهة لكل البشرية.

ولكن يبقى السؤال مطروحاً: ما هي الفلسفة البراغماتية؟ البعض، وبخاصة في أوروبا، يقدمون عنها صورة كاريكاتورية. فيقولون بأنها فلسفة الوصول والانتهازية، أو فلسفة المنفعة والمصلحة الشخصية فقط. انها الفلسفة الذرائعية بامتياز انها فلسفة اصحاب المصارف والبنوك ورجال الاعمال. باختصار: فإنها التجسيد الاكثر فضائحية عن النزعة التجارية الاميركية… ولكن البراغماتية بالمعنى العميق للكلمة ليست ذلك. فالفلسفة التي بلورها بيرس، وجيمس، وديدي ومدرسة شيكاغو وهيربرت ميد تستحق الاحترام أكثر من ذلك بكثير. والواقع انها ظلت مجهولة في أوروبا حتى أمد قريب. وبالتالي فلا ينبغي اختزال الفلسفة البراغماتية الى مجرد ذرائعية مصلحية أو أنانية أو انتهازية.. لا ريب في انها أبعد ما تكون عن الفلسفة التأملية التجريدية. لا ريب في انها عملية: بمعنى انها تربط الفكر بالممارسة. ولكن ما معنى الفكر اذا لم يكن قابلا للتطبيق على أرض الواقع؟ ولكن هذا شيء، والقول بأن البراغماتية هي فلسفة النجاح التجاري والصناعي شيء آخر.. لا ريب في ان ويليام جيمس قد ساعد أعداء هذه الفلسفة على مهاجمتها عندما أطلق تصريحات سريعة من النوع التالي: الحقائق (وليس الحقيقة) لا تشترك الا في شيء واحد وهي: انها افكار مربحة أو نافعة. اذا ما لبت فكرة ما حاجتنا الحالية قلنا بأنها نافعة لأنها صحيحة، أو صحيحة لأنها نافعة..

ولكن جيمس نفسه هو الذي أدان بكل قوة التسيب الاخلاقي الناتج عن الركض وراء الربح السريع والنجاح في الحياة، وعبادة المال. ويرى جون ديدي ان الفيلسوف بيرس، مؤسس البراغماتية، لم يكن من الراكضين وراء النجاح السهل، ولم يدع الى الخضوع للمال والتجار والسماسرة.. نقول ذلك ونحن نعلم ان برتراند رسل هاجم الفلسفة البراغماتية عندما قال: ان حب الحقيقة محجوب في اميركا بسبب اللهاث وراء الربح التجاري! والبراغماتية ليست الا التعبير الفلسفي عن هذا اللهاث.. وقد ردَّ عليه جون ديدي بنوع من التهكم الساخر عندما قال بأنه لا يمكن اعتبار الفلسفة الواقعية الجديدة (أي فلسفة رسل نفسه) بمثابة انعكاس للعظمة الارستقراطية الفارغة للانكليز!!..

لا ريب في ان البراغماتية في مجال الاعمال و”البيزنيس” موجودة في السلوك الاميركي. ولكن الفلاسفة يحاربونها. لماذا؟ لأنها تقدم فكرة خاطئة عن الروح الاميركية. والدليل على ذلك ان الفيلسوف الفرنسي جاك مارتيان الذي لا يمكن لأحد ان يتهمه بأنه من أتباع البراغماتية كان يقول بأنها لنميمة كبرى ان نتهم الشعب الاميركي بالنزعة المادية أو المنفعية الصرفة. ومن المعلوم ان مارتيان عاش سنوات عديدة في اميركا، ولذلك فإن شهادته ذات وزن ومصداقية. وقد قال مرة: ان من يتعرف على اميركا عن كثب ويعاشر أهلها معاشرة شخصية لا يمكنه الا ان يحبها. نقول ذلك وبخاصة اذا كان شخصا مثاليا، محترما، يعرف قيمة الفكر والروح.. وبالتالي فلا يمكن اختزال الشعب الاميركي الى مجرد شعب رأسمالي لا يفكر إلا في المصلحة الشخصية والربح.

هاشم صالح

الشرق الأوسط