الرئيسية » سياسة واقتصاد » قراءة روسيّة: إيران تنتصر على أمريكا في العراق!

قراءة روسيّة: إيران تنتصر على أمريكا في العراق!

خلصت دراسة نشرت في موسكو إلى إن الحياة السياسية العراقية شهدت في الأسبوع الماضي حدثين شهدا على تعزيز المواقع الإيرانية في البلاد، في إشارة إلى انتخاب محمد الحلبوسي رئيساً للبرلمان وتسرب أنباء عن التوافق على أن يكون عادل عبد المهدي رئيساً للحكومة المقبلة، وإدراك ايران ضرورة أن تكون لها قوى تأثير من وسط المكون السني، وعدم حصر رهاناتها على الأحزاب الشيعية.

وأعاد التقرير الذي كتبه الباحث السياسي المهتم بشؤون المنطقة وإيران، الكسندر كوزنيتسوف، إلى الأذهان أن الصراع بعد إلحاق الهزيمة بداعش بين الولايات المتحدة وإيران في سبيل بسط النفوذ على العراق، قد احتد بشدة. كذلك نشطت دول إقليمية سياستها إزاء العراق. وإن بعض تلك القوى نشطت اتصالاتها برئيس حكومة تصريف الأعمال حيدر العبادي وبعض القيادات الدينية المؤثرة، بما في ذلك مقتدى الصدر. وفي الوقت نفسه وضِعَت مهمة فصل بعض الأحزاب الشيعية المعتدلة عن إيران، وتشكيل حكومة جديدة، مستقلة عن إيران وترتبط بعلاقات ودية مع واشنطن.

ورصد الباحث السياسي أيضاً وقوع أحداث جديدة في الحياة السياسية الداخلية العراقية. فبعد انتهاء الانتخابات البرلمانية بدأت ترتسم معالم تكتل بين تكتل “النصر” الذي يترأسه حيدر العبادي وتكتل مقتدى الصدر”سائرون”. مشيراً إلى أن الصدر أعلن مرات عديدة وقوفه ضد مشاركة التشكيلات المسلحة الموالية لإيران، بما في ذلك المنضوية تحت لواء “الحشد الشعبي” في الحياة السياسية في البلاد. وفي الوقت نفسه أصبحت الاحتجاجات الجماهيرية في البصرة بمثابة ناقوس خطر لطهران، التي تجلّت بإشعال حريق في القنصلية الإيرانية، والهجوم على بعض مقرات الأحزاب الموالية لإيران. وقال: “إن بعض وسائل الإعلام الإيرانية قيّمت هذه الاحتجاجات بمثابة مؤامرة دبرتها الولايات وحلفاؤها في المنطقة” وأضاف” بيد أن الأسباب العميقة للاحتجاجات تكمن في انتشار البطالة في مناطق جنوب العراق، وانقطاع التيار الكهربائي وانعدام المياه الصالحة للشرب“.

وهكذا، على حد قوله، أصبحت مصالح إيران مهددة في العراق. ولكن بحكم الأحداث التي وقعت الأسبوع الماضي، يمكن الاستنتاج: إن طهران تمكنت من تبديد هذا التهديد، وبرهنت على ذلك بعاملين جديدين في السياسة الداخلية للعراق هي انتخاب رئيس جديد للبرلمان وطرح ترشيحات جديدة لمنصب رئيس الوزراء، وأعاد الى الأذهان انتخاب مجلس النواب محمد الحلبوسي رئيساً له، منوهاً بأن الحلبوسي أصغر رئيس للبرلمان في تاريخ العراق الحديث.

ومن محطات السيرة الذاتية للحلبوسي أشار الباحث السياسي إلى كونه ينتمي للمكون السني ورجل أعمال ناجح. وقال إنه “جمع ثروته من الصفقات مع جيش الاحتلال الأمريكي”. وأضاف” بالرغم من علاقاته المالية الوثيقة بالأمريكيين في الماضي، انتقل محمد الحلبوسي تدريجياً إلى المعسكر الموالي لإيران” موضحاً علاقاته بكتلة الفتح وجماعة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي. وعلى حد قوله” كلاهما معروف بموقفه الداعي إلى ضرورة الحضور الإيراني في العراق”. وعلى هذه الشاكلة، والكلام لكوزنتسوف، فإن الحلبوسي هو “مرشح فصائل الحشد الشعبي السنية”، موضحاً أنه على الرغم من أن غالبية مقاتلي الحشد الشعبي من الشيعة، إلا أن فصائل عديدة انضمت له في الفترة الأخيرة. ولفت “إلى أن طهران أدركت في نهاية المطاف “قوى تأثير” لها وسط السنة العراقيين، مقررة بعدم وضع الرهان حصراً على الأحزاب الشيعية“.

ومن المواصفات الأخرى لصورة محمد الحلبوسي السياسية، أشار الباحث الروسي إلى كونه أول رئيس للبرلمان لا ينتمي إلى الحزب الإسلامي الذي يعتبر عملياً فرعاً عراقياً لحركة الإخوان المسلمين. وأعاد الأذهان إلى أن جميع رؤساء البرلمان السابقين: محمود المشهداني وأسامة النجيفي وسليم الجبوري كانوا مرشحين عن هذا الحزب. وقال إن الخطوات الأولى لرئيس البرلمان الجديد كشفت فوراً عن اتجاهه الموالي لإيران. واقتبس من أول كلمة للحلبوسي أمام البرلمان بعد انتخابه إشارته إلى موقفه السلبي للغاية من العقوبات المفروضة على ايران، التي تروم أمريكا جر العراق لها، وقوله: إن الشعب العراقي يقدر عالياً الدعم الذي قدمته إيران في الماضي وتقدمه في الوقت الحالي. وإنه يرفض تنفيذ المطالبة بالضغوط الاقتصادية على الجمهورية الإسلامية، وينظر لها وحتى لو صدرت عن أمريكا بأنها ظلم، وسيعارضها بشدة. وفي سياق منحاه الإيراني، وجه رئيس البرلمان إلى نظيره الإيراني علي لاريجاني دعوة لزيارة العراق. وقال كوزنيتسوف الذي يجيد الفارسية ” لم يكن من محض الصدفة أن تكرس صحيفة “كيهان” الإيرانية المحافظة مقالة كبيرة عن انتخاب رئيس البرلمان العراقي الجديد، وصفت فيه انتخاب الحلبوسي على أنه انهيار للسياسة الأمريكية الرامية لعزل العراق عن إيران“.

وعلى حد تقييم كوزنيتسوف، فإن نصر ايران الآخر سيتمثل في طرح مرشح موالٍ لإيران لرئاسة الحكومة. وجدد ما يتردد في وسائل الإعلام العراقية من النظر في ترشيح عادل عبد المهدي للمنصب الرفيع، الذي وصفه بأنه أيضاً من الموالين لإيران لرئاسة الحكومة. وقال إن صحيفة (كيهان) الإيرانية ذكرت أيضاً هذا الاحتمال. وقال إن السيرة الذاتية لعبد المهدي مثيرة للاهتمام، وأشار إلى محطات سيرته الذاتية السياسية وتنقله من اليسار إلى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية عام 1980 . وأضاف أنه “وعلى خلاف حيدر العبادي، فإن عادل عبد المهدي لم يتعاون مع الأمريكيين، وفي خلافه عن القادة السياسيين الآخرين لم يتورط بفضائح كبرى“.

وخلص إلى القول: “إن ايران بهذه الصورة نجحت في تعزيز نفوذها في العراق، وإنها نجحت مرة أخرى بالتغلب على أمريكا”. وعلى وفق رأيه “في هذه المرة بفضل العمل الذي قامت به طهران، ليس فقط مع الشيعة وإنما مع المكون السني للمجتمع العراقي”. وإن انتخاب الرئيس الجديد للبرلمان مؤشر على ظهور جيل جديد من الساسة العراقيين على خشبة المسرح السياسي. وقال: إن هذه القيادات السياسية لم تمض 20/30 سنة في دول المهجر والمنافي، وعملياً لا تتذكر النظام الديكتاتوري البائد. “والأمل معقود على أن يتميزوا بالبرغماتية وانجذاب أقل من سلفهم إلى ممارسة الفساد الحكومي“.

د. فالح الحمـراني

اترك تعليقا