الرئيسية » غير مصنف » فضيلة السؤال دُربة الجاهِل إلى العلم

فضيلة السؤال دُربة الجاهِل إلى العلم

محمود حيدر
1- كل سؤال عن شيء هو عديل الجهل به. ومتى عرفت ذلك فقد أدركتَ سر المثنى. والمثنى واحد بجناحين لا ينفصلان: جناح الجهل وجناح المعرفة. ولا يكتمل السؤالُ إلا بهما معاً؛ فلو لم يكن الجهل مكوِّناً من مكوِّنات السؤال، ما كان للسائل أن يسأل عن أمر يريد التعرف عليه. ولو لم تكن المعرفة داخلة في أصل الاستفهام لانْعَطَفَ السؤالُ نحو العدم. الجهل إذاً، ضرورة وجودية للمعرفة، وفي الآن الذي تولد فيه، تميل المعرفة صوب الجهل لتملأ خواءه، وتحيله بالسؤال الى علم ضاجِّ بالحياة.
2- ما كان للسؤال أن يوجد إلا متى قابَلَه جهلٌ بشيء. وما كنا لنسأل لولا أن غَدَوْنا في قلب اللحظة التي نُستدرجُ فيها لنقف حيارى أمام مجهول. ولأن كل مجهول هو مريب ومهول، فمن طبعه أن يحملنا على التساؤل عن سرِّه. أما ذاك الذي نألفه، ويقع تحت سطوة الحواس، فالجهل به جهل نسبي، فلا تلبث ان تنقشع منزلته في الزمان والمكان والدور ولو بعد حين. وعند انكشاف المستتر من الشيء يمحو السائل جهله به. ومتى اتفق له الأمر يمحّي السؤال ويتبدد الجهل والسؤال معاً، ثم ليظهر ذلك الشيء من بعد ذلك ناصعاً لاشِيَةَ فيه. الحاصل من هذا كله، أن كلاً من الجهل والسؤال يحصِّل معناه في مسرح الأضداد: السؤال يدل على عدم العلم، والجواب يدل على عدم الجهل.
3- في المحل الذي يظهر فيه المجهول وهو على أتم صورته، لا يعود ثمة حاجة الى الاستفهام. وما ذاك إلا لأن الشيءَ المكتملَ الحضورَ يصبح معروفاً، والمعروف لا يعوزه السؤال. من هذا النحو لا يجيء الاستفسارُ عن شيٍء إلا متى كان هذا الشيء منحجباً. فكلما توارى عن مجال الرؤية حنّ إليه السؤال وانجذب إليه السائل. هكذا تبتدئ رحلة السؤال في حقول الجهل، ذلك من أجل أن ينتقل السائل الى معرفة المجهول. ففي كنف هذه اللحظة بالذات يغدو كل من يطلب الاستفهامَ عن شيء جاهلاً بذاك الشيء.
4- الجاهل الذي أدرك جهله، ثم سدَّده بالسؤال، هو كَمَن دقّ باب العلم طالباً علياء المعرفة. وحين يسأل الجاهل عن علَّة جهله، ولماذا يجهل هذا الشيء أو ذاك، فقد وضع قدمه على دربة التعرف، وإذ يأتيه ما يستفهمُ عنه  فقد أدى ما عليه من حق الجهل عليه.
5- الجهل حدُّ العلم، والعلم سليل الجهل. وأما السؤال فهو مزيج من جهل وعلم. حين يسأل المرء عن أمر يجهله، صار كالذي يقطع نصف المسافة الى بلوغ العلم به.
6- مَزيَّة السؤال تكمن في حيازته على كيمياء التحويل. به تنتقل الموجودات من الكمون والخفاء الى الظهور والاعتلان. متى حل التساؤل عن موجود ما، تحول الجهل به الى علمٌ بالقوة، كما تقول الحكمة. وعليه فليس للسؤال من مقام إلا في محراب الجهل، وهنا على وجه الدقة يكمن سرّه الأعظم…
7- لا مناص لمن يبتغي الحفر في أرض الجهل من شجاعة. فلا يبوح بجهله من جهل أمراً وقاربه بالسؤال، إلا من كان شجاعاً. إذ ذاك يصير القادر على البوح من أهل المروءة ثم يصّاعد الى ذروة الكبرياء.
8- إذا عَرَفتَ من تصغي إليه، عرفْتَ قَدْراً مما جاءك منه من مقاصد الكلام. وإذا جَهِلتَ المتكلمَ فقد غاب عنك ما يرسله اليك من معنى القول. فالذي انتهى الى علمك منه أمران: أمرُه كمحدِّث وأمرُ حديثه. فقد عرفَّك المحدِّث عن اسمه وصفته وهويته لمَّا عرَّفك بنفسه، ثم عرَّفك بحديثه عن قصده، لمَّا كشف لك ما عنده من معارف غابت عنك. فإذا أردت أن تعرف معنى الخطاب ومقصوده، وجب ان تعرف حقيقة من تستمع اليه. ثم انك لن تستطيع ان تتعرف الى من تسمع منه الإجابة، إلا إذا تعرَّفْتَ اليه بلا مجادلة. دعه يملي عليك.. وما عليك إلا الإصغاء بلطف ورويَّة، فلن يكون لك هذا إلا بتساؤل المتهذِّب، وهو ما لا يتقنه إلا جاهلٌ عارفٌ بجهله.
9- المجادلة مفسدة التعرُّف. كل فهم لأمرٍ مجهولٍ لا يأتي عن جدل، لأن الجدل أداة تسلط لا أداة معرفة، والجدل وثن الغرور يبتدئ من جهل وينتهي الى جهل.
تحولات 27-8-2108

اترك تعليقا