الرئيسية » سياسة واقتصاد » روسيا والولايات المتحدة: البحث عن نقاط مشتركة

روسيا والولايات المتحدة: البحث عن نقاط مشتركة

التقى سكرتير مجلس الأمن القومي الروسي نيكولاي باتروشيف بمستشار الأمن القومي الأمريكي جون بولتون في جنيف في الثالث والعشرين من آب أغسطس الجاري. وهو اللقاء الأول على هذا المستوى بين مسؤولين أمريكيين وروس منذ قمة رئيسي البلدين في هلسينكي في يوليو الماضي. وبين هذين اللقاءين كانت قد وجهت للرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقادات شديدة في بلاده للقائه بالرئيس الروسي ولما قاله خلال المؤتمر الصحفي عقب الاجتماع. وأثارت قمة هلسينكي الجدل في أمريكا حول كيفية التعامل مع موسكو، كما أثرت العقوبات الأمريكية التي فُرضت على موسكو عقب هذه القمة على العلاقات الروسية الأمريكية لتجعلها في أسوإ حالاتها. وجاء رد الفعل الروسي الأول على العقوبات عبر بيان للخارجية الروسية جاء فيه أن العقوبات هي «طريق مسدودة».. كما جاء في البيان: «بغض النظر عن عدد حُزَمِ العقوبات الأحادية الجانب التي تفرضها واشنطن (وقد وصل عددها إلى 55  حزمة) لن تكون هذه العقوبات شرعية أبدا، وإن اعتماد الساسة الأمريكيين على هذه القيود ليس إلا محاولة للتستر على عدم جدواها».

وقبل يوم من لقاء بولتون وباتروشيف وصف الرئيس الروسي العقوبات الأمريكية بـ «غير البناءة» ولمح إلى أن الرئيس الأمريكي ليس وحيدا في قراره بل «النخبة الأمريكية الحاكمة» حسب قوله.

وأضاف الرئيس الروسي: «آمل أن يفهم شركاؤنا الأمركيون في لحظة ما، أنه لا مستقبل لهذه السياسة، كي نبدأ التعاون بشكل طبيعي».

وكان من المقرر أن يزور جون بولتون العاصمة موسكو لإجراء مباحثات مع المسؤولين الروس، إلا أن الضغوط الأمريكية الهادفة إلى الحد من التعاون مع روسيا دفعت مستشار الأمن القومي نظيره الروسي لنقل الاجتماع إلى مكان أكثر حيادا.. إلى جنيف.

وقال المتحدث باسم الكرملين عشية اجتماع جنيف «لإصلاح العلاقات الروسية الأمركية علينا أولا أن نفهم إن كانت هناك أي نقاط مشتركة بين الطرفين أصلا».

وكانت موسكو قد طرحت العديد من الملفات التي يمكن للطرفين بحثها في جنيف، من أبرزها الملفات المتعلقة بالأمن الدولي بما فيها الملف السوري وملف اتفاقية الحد من الأسلحة الاستراتيجية. وقال باتروشيف أثناء التحضير للقاء «سوف نقدم بعض المقترحات والتي أعتقد أن الطرف الأمريكي سيأخذها لدراستها بهدف التعاون حول مضمونها».

نيكولاي باتروشيف البالغ من العمر سبعة وستين عاما هو من الرجال المخضرمين في الإستخبارات الروسية. وقد خلف بوتين في منصب رئيس هيئة الاستخبارات الفدرالية المعروفة بالـ (في اس بي) سنة 1999، وبقي في منصبه حتى العام 2008، حين تم تعيينه سكرتيرا لمجلس الأمن القومي الروسي. وهو من المقربين للرئيس الروسي وموضع ثقته، وفوض لإجراء المباحثات حول مسائل حيوية مع الجانب الأمريكي بناء على الاتفاق الذي توصل إليه الرئيسان خلال قمة يوليو، حين اتفقا على أن تستمر المفاوضات على مستوى مستشاري الأمن القومي.. وكانت واشنطن قد أدرجت اسم باتروشيف هذا العام على قائمة الأشخاص المعاقبين من قبل أمريكا، ولكنها اعتبرت أن العقوبات لا تشكل عائقا أمامه للتفاوض مع مسؤولين أمركيين.

نائب وزير الخارجية الروسي سيرجي ريابكوف الذي كان من أعضاء الوفد الروسي إلى جنيف كان قد قال سابقا إن مسألة الوجود الإيراني في سوريا تبقى من أكثر المسائل حرجاً في أجندة اللقاء. وكان بولتون قد ناقش هذه النقطة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي في تل أبيب قبل توجهه إلى جنيف.  وقد نقل للطرف الإسرائيلي ما قاله بوتين لترامب، وهو أن روسيا ليست قادرة على إجبار الإيرانيين على مغادرة سوريا.

وهذا ما قاله بولتون: «قال لنا (بوتين) أن مصالح روسيا والمصالح الإيرانية ليست متطابقة تماما، ولذلك سنتحدث (نحن الأمريكيين) معه عن الدور الذي يمكن أن تلعبه موسكو» وأضاف «سنرى ما يمكننا أن نتفق عليه فيما يخص حل الأزمة في سوريا، ومن الشروط المسبقة لذلك عودة القوات الإيرانية إلى إيران».

ولم يخفِ مستشار الأمن القومي الأمريكي ما يقف وراء إيمان البيت الأبيض بامتلاكه ذراعا ضاغطة على الكرملين في الملف السوري حين قال «الروس عالقون هناك (في سوريا) الآن، ويودون إيجاد من يتحمل معهم تكاليف إعادة إعمار سوريا، وقد ينجحون أو لا ينجحون في ذلك».

رد الكرملين كان سريعا على لسان المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف الذي قال «لا يصح لأحد، ناهيك عن زملائنا في واشنطن، الجزم بأن روسيا عالقة في مكان ما، ودعونا لا ننسى أن عناصر الجيش الأمريكي موجودون على الأراضي السورية أيضا».

استمر اجتماع باتروشيف – بولتون خمس ساعات، ولم ينتج عنه أي إعلان مشترك، وكان قد ألمح إليه الطرف الروسي، وقال باتروشيف عقب الاجتماع « أراد الأمريكيون ضم نقطة تَدخُلِنا في انتخاباتهم وهم يؤمنون بأن ذلك حصل فعلا، ونحن ننفي ذلك، ونعتبر أنها مسألة غير محسومة. أما نحن فاقترحنا بدورنا أن تُضَمَ إلى أجندة المحادثات نقطة عدم جواز التدخل في شؤون الدول الأخرى، إلا أن الأمركيين قالوا إنهم لن يوقعوا على وثيقة كهذه». وعلى الرغم من هذه النقاط الشائكة، إلا أن موسكو اعتبرت هذه المفاوضات «بناءة». ووجه باتروشيف دعوة إلى بولتون لزيارة موسكو أو أي مدينة روسية أخرى لإجراء الجولة التالية من المشاروات دون تحديد تاريخ هذه الجولة. وسلم باتروشيف بولتون مجموعة من المقترحات الروسية حول التعاون المشترك وقال إن واشنطن بحاجة لبعض الوقت لدراستها.

في مسار الشرق الأوسط، تبدو الهوة بين الطرفين في الملف السوري هي الأوسع، إذ لم تحرز المفاوضات حول ملف استخدام السلاح الكيماوي في سوريا أي تقدم. وكانت الولايات المتحدة قد أعربت عن قلقها ازاء الوضع في إدلب ووعدت برد قوي إن استخدمت القوات السورية السلاح الكيميائي حسب واشنطن. من جهتها حذرت وزارة الدفاع الروسية في بيان صدر الجمعة 24.08 من “وجود خبراء أجانب في إدلب لتنظيم هجمات كيماوية وهمية على بلدة كفر زيتا جنوبي إدلب خلال اليومين القادمين باستخدام أسلحة مسممة”، وأشار البيان الى أن “مجموعات من القاطنين في شمالي إدلب سيشاركون في الهجوم الكيميائي”.

وتابع البيان أنه “بعد الهجوم الكيماوي الذي يجري تحضيره في سوريا، سيرتدي بعض الناس خوذاً بيضاء، ليصوروا مقاطع فيديو يتم نقلها إلى وسائل إعلام عربية وأخرى ناطقة باللغة الإنجليزية”، مشيرا الى أن “مجموعة من الميليشيات خضعت لتدريبات من قبل شركة بريطانية». وتخشى موسكو حسب بعض المتابعين أن تكون هذه العملية الاستفزازية ذريعة لتوجيه ضربة أمريكية جديدة لسوريا، قد تشارك فيها قوى غربية أخرى. واعتبر دميتري سوسلوف نائب مدير مركز الدراسات الأوروبية والدولية في مدرسة الاقتصاد العليا في موسكو، أن نتائج الاجتماع لم تكن مفاجئة. وذلك لوجود العديد من الاختلافات حول عدد من المسائل المحورية، واكتفت النتيجة بالتزام الاستمرار في الحوار وتكثيفه.

وقال سوسلوف «إن ما أعلن عنه من توسيع للحوار بين وزارتي الدفاع، واستمرار المفاوضات على مستوى رؤساء مجلسي الأمن في البلدين حول مجموعة النقاط التي طرحت في جنيف والتي تشمل جميع الملفات في أجندة العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة (الحد من السلاح الاستراتيجي وسوريا وإيران وأوكرانيا وغيرها). هذا الإعلان يعني أن العلاقات الروسية الأمريكية تتجه بهدوء نحو نموذج المواجهة الخاضعة للسيطرة بدل المواجهة غير الخاضعة للسيطرة والتي سادت خلال العام ونصف العام السابقين». وحسب الخبير الروسي  «إن تمكن الجمهوريون من الحصول على الأغلبية في الكونغرس (أو على جزء من المقاعد على الأقل) خلال الإنتخابات النصفية القادمة، وإن استمر ترامب بتقوية مواقفه السياسية.. فسوف يثبَتُ نموذج « المواجهة الخاضعة للسيطرة» في العلاقات الروسية الأمريكية». ويجمل الخبير الروسي  فكرته بالتطرق إلى ملفي سوريا وإيران «إن واشنطن تتوقع تنازلات أحادية الجانب من موسكو(في سوريا) وهذا الأمر مستبعد، والتزام الطرفين بالحوار وتقوية هذا الحوار يعتبر مؤشرا إيجابيا».

محمد جسن

اترك تعليقا