الرئيسية » أخبار المجموعة » روسيا والعالم الإسلامي : “صيغة الأمن الإنساني ” أو المدخل الثقافي للحوار بين الثقافات وشراكة الحضارات ( خطاب في المنتدى الدولي الثاني للكتاب والمفكرين “قراءات أيتماتوف للحوار بين الثقافات”)

روسيا والعالم الإسلامي : “صيغة الأمن الإنساني ” أو المدخل الثقافي للحوار بين الثقافات وشراكة الحضارات ( خطاب في المنتدى الدولي الثاني للكتاب والمفكرين “قراءات أيتماتوف للحوار بين الثقافات”)

فؤاد ماميدوف (محمدوف)

موسكو ، 22 نوفمبر/ تشرين الثاني ، 2018

” الثقافة ستنقذ العالم، إذا العالم سيحميها “

اليوم، جمعنا هنا وإياكم انتصار الأفكار الساطعة والتراث المثمر للكاتب والمفكر القرغيزي البارز –  جنكيز أيتماتوف، الذي ترك علامة مشرقة في تاريخ الثقافة العالمية. نجد في أعماله الرائعة الحب ليس فقط للإنسان، ولكن أيضا فهم مذهل لقوانين الحياة، وفتح الطريق إلى السعادة البشرية. كما أنه يساعد الناس في العثور على الإجابات الصحيحة على أسئلة الحياة، ويغرس الثقة بانفسهم، ويدعو إلى السلام والصداقة والرحمة وتربيية مواطنين أكفاء، وتحسين الأنظمة الاجتماعية -السياسية وإقامة العدالة الاجتماعية.

الكاتب أيتماتوف، يعتبر الضمير بمثابة مكسب أخلاقي عظيم للبشرية، والثقافة ككل كأفضل إجابة لتحديات العصر و الحياة. إن القيمة الإيديولوجية لأعماله ترجع أيضا إلى حقيقة أنها تدعو إلى تكوين إحساس بالكرامة الوطنية التي تنسجم مع قيم النزعة الإنسانية المميزة للبشرية جمعاء، في وقت، تعيش الحضارة العالمية حالة أزمة ثقافية عميقة.

إن الثقافة الأخلاقية والأمن الإنساني قد تم اختبارهما بشكل حاد، ومشاكل البشرية تتعقد، وحلها بالطرق التقليدية لا يعطي دائما النتائج المرجوة . فلسفة حياة جنكييز أيتماتوف تضع على جدول الأعمال مسألة إيجاد إجابات لذلك بمغزى ثقافي لتحديات العصر، تكنولوجيات لتعزيز فعالية حوار الثقافات والحضارات. مثل هذا البحث ينطوي على الوعي بقوانين الحياة التي نعيش بموجبها في عالم مترابط. علاوة على ذلك، فإن الموارد الطبيعية لهذا العالم تتناقص باستمرار، ويزداد عدد السكان. تناقص الموارد الطبيعية بشكل كبير على خلفية الكوارث البيئية، فضلا عن تزايد الأزمات السياسية والصراعات الثقافية، ويرجع كل ذلك إلى حد كبير إلى عدم وجود ثقافة روحية عالية.

” الخير والشر دائماً في صراع، وفي الحياة الشر أقوى من الخير لأن وسائل الخير ليست دوما مناسبة، في هذه الأثناء، الشر لا يقززه أي شيء” – هذه الكلمات الصادقة للمفكر الأذربيجاني وشاعر القرن التاسع عشر- ميرزا شافي فازه – الذي طرح علينا سؤال: كيف نتغلب على الشر؟ ويبين التاريخ أن حل المشاكل اﻹنسانية ، البشرية تحتاج إلى حل ﻻ بقوة القانون وليس عن طريق القوة، بل بقوة الثقافة، باستخدام نهج وأساليب التعليم الثقافي الشامل والتنويري من أجل تغيير إيجابي في وعي الناس وتفكيرهم وسلوكهم.

فقط الثقافة الروحية العالية يمكن ان تنقذ العالم، في حالة إذا العالم يحميها ! المعيار الحقيقي لقيمة الشخص ليس القومية ، وليس الدين، وليس مكان الولادة، وليس مكان الإقامة، بل ثقافته الروحية، ثقافة العقل وثقافة القلب. يجب إظهار الوطنية وحب الناس .على المفكرين في المقام الأول، الترويج النشط لرفع مستوى ثقافة الفرد والمجتمع، والجمع بين قيم الثقافة الوطنية والأممية.

” يتغير السلوك الإنساني مع تغير الثقافة” . إذا أردنا تغيير السلوك البشري إلى الأفضل ، فنحن بحاجة إلى عملية التثاقف ( التبادل الثقافي بين الشعوب والامم) وتثقيف الناس، وتعريفهم بالمستوى الأعلى لثقافة الإنسانية، وتاريخها.الممارسة ليس فقط في الثقافة الوطنية، بل أيضاً في الثقافة والحضارة العالمية. وهذا سيساعد على تعزيز إندماج الثقافات وسيضاعف من اهتمامات الروس وشعوب العالم الأخرى.

أصيغ سابقا في “بيان الحزب الشيوعي”  شعار الحزب ” يا عمال العالم اتحدوا! ” . أود أن أطرح اليوم شعار ثقافي ملح وهو ” يامثقفي العالم اتحدوا !”. لماذا نحتاج إلى ثقافة روحية عالية ؟ لأنها تجمع الناس من مختلف القوميات وتكتشف ” القرابة الروحية ” وتفتح فرصا جديدة للتنمية والتفاهم والتعاون المتبادل.

أنا أحب أعمال الكاتب الروسي المتميز فيودور دوستويفسكي، لكن في شيء واحد اختلف معه، هو قال ان” الجمال سينقذ العالم، وانا اقول ان الثقافة ستنقذ العالم ! ” على الرغم من أن دوستويفسكي كان يشير إلى العالم الأخلاقي للإنسان، وهناك بعض الناس يفهمون كلمة “الجمال” حرفياً. كم هناك من الحروب الدامية! بسبب النساء الجميلات والأراضي الجميلة! ومن ناحية أخرى، من المستحيل إنقاذ العالم من خلال الثروة الأخلاقية فقط، لأنه في إطار الحضارة هناك العديد من العوامل المدمرة والقوى التدميرية التي تكون الأخلاق امامها عاجزة عن ايقافها.

يقودنا السؤال الى الفهم والاستنتاج الصحيح لمكونات الثقافة الروحية ونمثلها في “جناحين”. الجناح الأول هو الثقافة الفكرية، والآخر هو الثقافة الاخلاقية. إذا كان مجازيا نمثل الثقافة بشكل طائر، فيصبح من الواضح أن الطائر لا يستطيع الطيران بجناح واحد. في الوقت نفسه، إذا كان أحد الأجنحة مريضا، ستكون الرحلة غير كاملة وعفوية. لهذا لنقص بسبب عدم وجود أو نقص الثقافة الفكرية يؤدي إلى التخلف. وفي الوقت نفسه، يؤدي النقص المرتبط بنقص الأخلاق إلى التعالي والتدمير والتنافس الخطير.

كل شعب وكل إنسان في ظروف الحضارة الأنثربوجينية سيكون مشبع بحفظ وتحسين حياته. إذا كان الشخص لا يمتلك ثقافة فكرية، من الصعب عليه أن يكون مبدعا، وان يتخذ القرارات الصائبة، وقد يكون ضحية للقوى المدمرة. من ناحية أخرى، يمكن أن يكون الفكر، الخالي من الأخلاق، خطرا على المجتمع والدولة. لذلك، عند الحديث عن تطور الثقافة البشرية، يجب على المرء أن يضع في اعتباره التطور المتناسق “لجناحي الثقافة” – الفكري والأخلاقي.

ضمان العدالة الاجتماعية والأمن الاقتصادي في المجتمع يلعب دورا هاما في التنمية المستدامة جنباً إلى جنب مع تطور الثقافة الروحية – الفكرية والأخلاقية ، ثقافة العمل والإنتاج والثقافة البيئية. ومما له أهمية خاصة تطوير ثقافة العلاقات الإنسانية، التي تعتمد على خلق النزعة الإنسانية وحسن النية والتعاطف والتضامن والتعاون. دعونا نتذكر أعمال أيتماتوف ” نحن جميعا في نفس القارب ” و” لا تسأل لمن يقرع الجرس…..”

للحصول على النتائج المتوقعة في التنمية البشرية، من الضروري أولاً أن نبدأ بالفهم العلمي الصحيح للثقافة كظاهرة اجتماعية، مما يفتح رؤية إمكانيات غير محدودة للتنمية البشرية.

الثقافة هي المعرفة والتنمية والرفاه، والجهل هو الشر والفقر. من الضروري استخدام إمكانيات التحولات اللامحدودة للثقافة لتحقيق التنمية المستدامة في روسيا وفي العالم. لسوء الحظ، لا تُفهم الثقافة الروحية في يومنا هذا إلا بالمعنى الضيق للكلمة، وبشكل أساسي مثل الفن والمعايير الأخلاقية، مما يؤدي إلى التقليل من إمكانيات التحولات الكبيرة . لتحقيق كفاءة التحولات الثقافية التي تفي باحتياجات الوقت، من الضروري، أولاً وقبل كل شيء، التخلي عن الفهم “الضيق” (السوفياتي) القديم للثقافة باعتبارها ” فوق الاقتصاد”. لإنقاذ الأرواح، وتلبية الاحتياجات المتزايدة، والتغلب على الكوارث الطبيعية، والأزمات، وتضارب الثقافات، يجب على المرء أن يقف على ارضية الفهم العلمي الواسع للثقافة كنظام اجتماعي متكامل، الهادف الى تغيير عقل الناس وسلوكهم بناءً على قيم الإنسانية والنهج المنظم لتحليل المشاكل المعقدة للتنمية البشرية.

من الضروري القبول والموافقة على فهم جديد للثقافة كنظام اجتماعي متكامل عمل على إنشاؤه وتطويره العقل البشري بالاضافة الى المشاعر والعمل البدني، من أجل الحفاظ على حياة الإنسان وتحسينها. مثل هذا الفهم للثقافة يؤدي للعبور على الشوك إلى النجوم. في إطار رؤية الثقافة كنظام اجتماعي متكامل، ينبغي الاعتراف بأن الثقافة الاقتصادية، كأساس لرفاه الناس، هي نتاج تجسيد للنتائج العمل الفكري. يعتمد تطور الثقافة الاقتصادية إلى حد ما على مستوى الثقافة الفكرية، بالإضافة إلى ثقافة العمل والثقافة الإدارية. وتعتمد الثقافات الفرعية الأخرى على مستوى تطور العلوم ونوعية التعليم وفعالية نظم التربية الفكرية.

تكنولوجيات التنمية الاجتماعية والثقافية للدول المختلفة، وتطوير الهوية الثقافية الدولية، والتبادل الثقافي والتعاون الدولي هو الطريق لإنقاذ البشرية من العمليات المدمرة المتأصلة في الحضارة الأنثربوجينية.استناداً إلى الفهم العلمي الصحيح للثقافة، ينبغي أن تحدد سياسة الدولة تنمية الثقافة الروحية كأولوية قصوى، والتي بدونها من المستحيل تحقيق الأهداف الإستراتيجية المتعلقة بالتنمية المستدامة، ونمو الرفاه والقدرة التنافسية لكل بلد والتنمية الآمنة للبشرية في سياق العولمة.

يقترح النهج الثقافي لحوار الثقافات وشراكة الحضارات الانتقال من “الشخص العاقل” إلى “الشخص المثقف”. إن أفضل حل لتحديات العولمة هو تنمية ثقافة الناس العقلية والأخلاقية. أدوات هذا النشاط تتمثل في المحاضرات الثقافية التفاعلية والندوات والتدريبات والطاولات المستديرة والمناقشات ودروس  تعزز تنمية الصفات والمواهب مثل المعرفة العلمية، النوايا الحسنة، اللاعنف، ثقافة السلام، الحب والصداقة.

انطلاقاً من مصالح مجموعة الرؤية الاستراتيجية ” روسيا والعالم الإسلامي ”  بالإضافة إلى التحديات الموضوعية في هذا الزمن، أود أن أوجه انتباهكم إلى فكرة توحيد جهود الخبراء من مختلف البلدان لحل إحدى أهم المهام الدولية – تكوين وتطوير “مجتمع عالي الثقافة”. – عن طريق أساليب التعليم الثقافي الإضافي والتنويري. و يجب حل هذه المسألة على المستويين الوطني والعالمي. وللتعاون المدني لحل هذه المشكلة على المستوى الوطني، تم تأسيس مركز سيمورغ للعلوم الثقافية في أذربيجان، وهو على استعداد للتعاون مع مجموعة الرؤية الاستراتيجية لروسيا والعالم الإسلامي. تهدف التقنيات التعليمية والبحثية للمركز إلى المساعدة الفكرية في حل مثل هذه المهام الإستراتيجية لسياسة الدولة في جمهورية أذربيجان من أجل تنمية رأس المال البشري والتعددية الثقافية والتنمية المستدامة للمجتمع.

إن تنفيذ مهمة تشكيل وتطوير “مجتمع عالي  الثقافي ” لن يساهم فقط في تنمية القدرات البشرية بمستوى عال من المعرفة والمهارات والتنظيم والأخلاق والنشاط الإبداعي بل سيساعد على تطوير هوية ثقافية مدنية في كل بلد، وهوية ثقافية دولية في الفضاء الثقافي العالمي، وهو أمر ذو أهمية كبيرة لفعالية حوار الثقافات والحضارات. وفي الوقت نفسه، ستساعد الأنشطة في هذا الاتجاه، على الصعيدين الوطني والعالمي، على حل هذه المشاكل الدولية الملحة مثل التغلب على التطرف والفقرربما في نفس السياق ينبغي النظر في تشكيل الهوية الثقافية بين الأديان. أليس قضية التنمية الثقافة الفكرية والأخلاقية  العالية تدعي اليها الأديان كلها، وفصول معينة من الكتاب المقدس، أو سورة معينة من القرآن الكريم وأحاديث النبي محمد تدعو إلى ذلك؟ يكفي القول أن أحد الرموز التي تجمع بين المسيحية والإسلام معاً هو النجمة الثمانية. هذا هو رمز عالمي للإبداع وحياة أبدية جديدة، تنطلق من الزرادشتية ومن المسيحية الى الإسلام .الهوية الثقافية بين الأديان ظاهرة حقيقية ، إذا نظرت إلى الدين من خلال منظور مكوناته الرئيسية الثلاثة وهي: الإيمان والطقوس والأخلاق. الإيمان هو حاجة النفس إلى اتباع مبادئ أخلاقية مسبقة لأن المعبد الحقيقي لله هو قلب الإنسان. الطقوس مختلفة ومتعددة. الأخلاق في الأديان المختلفة متطابقة في طبيعتها وتستند إلى مبادئ أخلاقية مسبقة لا خلاف عليها. وبالتالي ، يتم إختصار المشكلة باختلاف الطقوس التي يجب أن تؤخذ كأمر مسلم به مع إظهار التسامح الذي يحظى بالاحترام كواحد من أشكال ثقافة الإنسان الراسخة تاريخيا.

أود أن أوجه انتباهكم إلى قضية أخرى مهمة. التجارب العالمية تبين أن أحد الموارد الوطنية الرئيسية لضمان الاستقرار والأمن السياسي – الاجتماعي لأي مجتمع هو النهج التنافسي ( الأجدر) لتعليم وتربية الأطفال والشباب، فضلا عن إدارة الدولة للأمور على كل المستويات. وتقييم الفرد هنا يجري وفقا لأربعة معايير: القدرة والموهبة، المعرفة والاحتراف، الصفات البشرية – الحشمة والوطنية والإنسانية واخيرا النتائج العملية والجدارة امام الإنسانية والمجتمع. وهنا تساهم ثقافة ادارة الجديرين بالحكم في نمو رفاهية الناس وتكوين الثقة في المجتمع من خلال الاختيار الصحيح والتدريب والاختيار الاجتماعي والتقييم واستخدام المتخصصين وفقًا للاحتياجات الموضوعية للدولة. تتضمن مبادئ  الجدارة في سياسة الدولة على الاستحقاق تقديرًا وتحفيزًا لعمل الناس بغض النظر عن قوميتهم أو دينهم أو مكان ميلادهم، مما يساعد على ضمان نمو الاحترافية والكفاءة العالية في استخدام الإمكانات البشرية. في المقابل، تطور المهنية و ثقافة العمل، والوطنية، والتفاهم المتبادل، والتضامن في زيادة إنتاجية العمل كل هذا يساهم في زيادة في رفاه المجتمع والتنمية الآمنة للدولة.

يبدو لي أن حل المسألة المتعلقة بتوافق الثقافات مستقبلا ومصالح روسيا والعالم الاسلامي سيضمن التطور المستقر للمجتمعات والدول والحضارة العالمية بشكل عام . في سياق فلسفة حياة جنكيز أيتماتوف ستساعد “صيغة الأمن الإنساني” والتي تعني:

1- وضع وتنفيذ برامج ومشاريع عالمية خاصة للتعليم والتثقيف الثقافي والتثقيفي للسكان والمتخصصين ، بما يكفل الانتقال من ” الشخص العاقل” إلى “الشخص المثقف “.

2- تعزيز المساواة الحقيقية في حقوق التنمية للجميع.

3- الاستخدام الواسع لثقافة حكم الجدارة في المجتمع.

4- تهيئة الظروف السياسية المؤدية إلى ضمان مستوى عال من العدالة الاجتماعية والأمن الاقتصادي للمجتمع.

5- تطوير الهوية الثقافية المدنية والدولية.

صيغة الأمن الإنساني تقوم على افتراضية تطوير وتطبيق منطقية ثقافية لتقنية “الإنتاج” ، وتقييم واستخدام الأشخاص ذوي الثقافة العالية بشكل مناسب بمستوى معين من المعرفة والمهارات والتنظيم والأخلاق والنشاط الإبداعي الذي يشكل أساس رأس المال البشري والقوة الدافعة للتنمية المستدامة. من خلال تطوير الثقافة الروحية للناس بهذه الطريقة، من الممكن تحقيق هيمنة الخير والحد من الشر في المجتمع وفي الحضارة العالمية ككل.

شكرا لكم على الإهتمام وحسن الاصغاء !

ترجمة :

صادق النويني

اترك تعليقا