الرئيسية » سياسة واقتصاد » رسائل روسية في الخليج 

رسائل روسية في الخليج 

د. نورهان الشيخ
 
رغم أن المناورات الروسية التي بدأت في الأول من سبتمبر/أيلول ليست الأولى في البحر المتوسط، فقد سبق أن أجرت موسكو مناورات بحرية قرب شواطئ سوريا خلال الفترة من 23-27 مايو/أيار من العام الماضي، فإن مناورات هذا العام تعد الأولى في تاريخ روسيا الحديث بالنظر لحجم المنظومات المشاركة، والتي تشمل 26 سفينة حربية من أساطيل بحر الشمال وبحر البلطيق والبحر الأسود وبحر قزوين، وغواصتين بقيادة الطراد «مارشال أوستينوف» التابع للأسطول الشمالي.
هذه المناورات تجري أيضاً بمشاركة تشكيلات من القوات الفضائية الجوية الروسية تضم 34 طائرة منها القاذفات الاستراتيجية «تو-160» والطائرات المضادة للغواصات من طراز «تو-142إم كا» و«إيل-38» والمقاتلة «سو-33» وطائرات «سو-30إس إم». وتهدف المناورات إلى رفع جاهزية القوات الروسية وتدريب القوات المشاركة على تنفيذ مهام تتعلق بالدفاع الجوي ومكافحة الغواصات، وحماية المواصلات البحرية، ومكافحة القرصنة وإنقاذ السفن المنكوبة، إضافة إلى إجراء رمايات صاروخية ومدفعية.
تحمل المناورات الروسية على هذا النحو العديد من الرسائل لا سيما لواشنطن، وذلك في ضوء السياق الإقليمي والدولي الذي تأتي في إطاره. فمن ناحية، يتصاعد التوتر بين موسكو وواشنطن حول سوريا مع قرب معركة إدلب التي ترى فيها موسكو معقلاً خطيراً يضم كل الإرهابيين الذين تم إجلاؤهم من مناطق عدة في أنحاء سوريا كانت تحت سيطرة الفصائل المعارضة أبرزها مدينة حلب والغوطة الشرقية لدمشق، ويسيطرون الآن وعلى رأسهم «هيئة تحرير الشام» أو «جبهة النصرة» سابقاً على أكثر من 70% من إدلب. ومنها تنطلق الطائرات المسيرة لاستهداف القوات الروسية في طرطوس وحميميم، وأنه بدون تنظيف هذا «الجرح المتقيح» على حد تعبير وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف سيظل التهديد قائماً. وشدد الأخير على ضرورة إطلاق عملية عسكرية «لدحر الإرهاب في إدلب»، وحذر الغرب «بوضوح وصرامة» من خطورة «اللعب بالنار» من خلال دعم «استفزازات كيميائية مفبركة في إدلب وعرقلة محاربة الإرهاب هناك». هذا في حين حذر وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، في 31 أغسطس/ آب، من أن أي هجوم يشنه النظام السوري وروسيا على إدلب، يعتبر «تصعيدا خطيرا للصراع» في سوريا.
زاد من التوتر تحريك عدد من القطع البحرية الحربية الأمريكية باتجاه المنطقة، منها المدمرة Sullivans حاملة 56 صاروخا مجنحا، وتمركزها في قاعدة «العديد» الأمريكية الجوية في قطر، إضافة إلى قاذفة استراتيجية من طراز B-1B تحمل 24 صاروخا مجنحا من طراز «جو- أرض»AGM-158 JASSM، والمدمرة«Ross» التي تحمل على متنها 28 صاروخا من طراز «توماهوك». وقد وصف مستشار الأمن القومي الأمريكي، جون بولتون، هذه الإجراءات ب«الرد الحاسم» على خطط الحكومة السورية لاستئناف العمليات العسكرية في إدلب، مؤكداً أنه في حال استخدم بشار الأسد الأسلحة الكيميائية هناك، فسيتعرض «لهجوم صاروخي أقوى بكثير من ذي قبل».
وقد أثارت هذه التحركات والتصريحات مخاوف روسيا من ضربة أمريكية لسوريا، على غرار ما حدث في أبريل/نيسان الماضي، خاصة أن مدى الصواريخ الأمريكية السابق الإشارة إليها يتيح لواشنطن استهداف الأراضي السورية كافة. في هذا الإطار جاءت المناورات الروسية كرسالة قوية للولايات المتحدة أن روسيا قادرة على حماية وجودها وحلفائها، وأن الأسطول السادس الأمريكي، أقوى التشكيلات العسكرية البحرية لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في منطقة جنوب أوروبا، ليس سيد البحر المتوسط، وأن روسيا تمتلك قوة ضاربة وحضورا مؤثرا في البحر المتوسط يمكنها من الرد وبقوة على أي استفزاز أمريكي. وأن القوات الروسية مستعدة للرد على أي عدوان مباشر أو غير مباشر، وصد ما تعتبره تجاوزا لا يمكن قبوله، وأنه لا يجب المراهنة على صبر موسكو، وأن صمتها إزاء الضربات «الإسرائيلية» والأمريكية للأراضي السورية ليس ضعفاً منها وإنما درجة عالية من ضبط النفس رغبة في عدم التصعيد، وحكمة في التعامل، لتجنب إشعال مواجهة واسعة النطاق ذات تداعيات كارثية على مختلف الأطراف. فالمناورات الروسية هي محاولة لإحباط أي ضربة أمريكية محتملة قد تدفع إليها تطورات الملف السوري أو قوى داخلية أمريكية بهدف تعزيز موقف الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي للكونجرس.
من ناحية أخرى، تأتي المناورات في سياق دولي لا يقل توتراً عن نظيره الإقليمي، وذلك في ضوء الحزم المتتالية من العقوبات الأمريكية على روسيا والهجوم المتواصل على الأخيرة في الداخل الأمريكي، ومن جانب حلفاء واشنطن في شرق أوروبا، إلى جانب ما يمكن أن يطلق عليه «حرب المناورات» بين موسكو وواشنطن. فقد كثفت الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة الماضية من مناورات «الناتو» في الحزام الغربي والجنوبي لروسيا، وزادت من تحركاتها على نحو ملحوظ في بحر البلطيق والبحر الأسود، وعبرت روسيا مراراً عن عدم ارتياحها لذلك واعتبرته عملاً عدائياً واستفزازياً لا يمكن القبول به. ومنها المناورات العسكرية السنوية للدعم الناري «الرعد المشتعل 2018» التي أجريت في شهر مايو/أيار الماضي في ليتوانيا بمشاركة قوات من 9 دول من حلف الناتو (الولايات المتحدة، كندا، كرواتيا، لاتفيا، بولندا، ليتوانيا، هولندا، فرنسا، وألمانيا)، وكذلك مناورات الناتو في يونيو/حزيران بمشاركة 19 دولة، وأكثر من 18 ألف جندي، في كل من إستونيا ولاتفيا وبولندا، وشاركت فيها «إسرائيل» من خارج الناتو للمرة الأولى في تاريخها. وأعلنت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، أن مناورات حلف «الناتو» المرتقبة في شهري أكتوبر/تشرين الأول ونوفمبر/تشرين الثاني في النرويج وشمال المحيط الأطلسي، والتي تعد أضخم مناورات للناتو في السنوات ال16 الأخيرة، لديها توجه معاد واضح لروسيا.
وكرد فعل كثفت روسيا بدورها من مناوراتها ومنها تلك في المتوسط والتي تحمل تأكيداً على أن العقوبات الأمريكية لم ولن تؤثر على روسيا، وكون الأخيرة قوة عسكرية كبرى قادرة على تعبئة وتحريك قوتها البحرية وإمكاناتها العسكرية، وتعكس التطور الملحوظ في عمق العمل الاستراتيجي للقوات البحرية والجوية الروسية وجاهزيتها للعمل وقدرتها على إدارة العمليات الحربية خارج أراضيها على مسافات بعيدة تمتد من القطب الشمالي وشرق ووسط آسيا، إلى البلطيق والبحرين الأسود والمتوسط. فقد قطعت سفن الأسطول الشمالي وأسطول بحر البلطيق المشاركة في المناورات، مسافة تتجاوز 4500 ميل بحري للوصول إلى منطقة إجراء المناورات، بينما عبرت سفن أسطول قزوين نهر الفولجا وقناة فولجا – دون ونهر الدون للوصول من بحر قزوين إلى البحر الأسود، قبل أن تبلغ المتوسط عبر مضائق البحر الأسود.
ويحبس الكثيرون في المنطقة وخارجها أنفاسهم حتى انتهاء المناورات الروسية في الثامن من سبتمبر/أيلول، خوفاً من أن تخرج الأمور عن السيطرة، ويتطور الوضع إلى مواجهة بين موسكو وواشنطن إعمالاً لمقولة «معظم النار من مستصغر الشرر»، خاصة مع إعلان وزارة الدفاع الروسية منطقة المناورات منطقة خطرة لجميع السفن والطائرات.
الخليج: ٦-٠٨-٢٠١٨

اترك تعليقا