الرئيسية » اكتشف روسيا! » دوستويفسكي في يوم المقصلة: على الانسان ان يبقى إنسانا الى الأبد!

دوستويفسكي في يوم المقصلة: على الانسان ان يبقى إنسانا الى الأبد!

في رسالة وجهها دوستويوفسكي الى أخيه  قبيل محاولة إصدار الحكم الاخير بإعدامه يظهر  رباطة جأش باهرة وعشق  وزهد الكاتب للحياة وحبه للانسان الظالم والمظلوم وفيه يقول:

” اليوم في 22 كانون أول/ ديسمبر نقلونا إلى ساحة سيميونوفسكي. وقرأوا علينا الأحكام بالإعدام، وسمحوا لنا بأن نضع أيدينا على الصليب، وجربوا السيوف على رؤوسنا وجهزوا هيئاتنا الخارجية قبل الموت ( بقمصان بيضاء). ثم وضعوا ثلاثة منا على العمود لتنفيذ الحكم بالإعدام. كانوا يستدعوننا ثلاثة ثلاثة، وبالتالي، كان ترتيبي في الدور الثاني، ولم يبق من حياتي سوى دقيقة. تذكرت يا أخي، وثلاثتنا كلنا؛ في الدقيقة الأخيرة، كنت أنت، أنت وحدك في ذهني، ووقتها عرفت كم أحبك، يا أخي الحبيب! وتمكنت أيضاً من معانقة بليشيف، ودوروف، اللذين كانا خلفي، وودعتهما. أخيراً، أعلنوا التراجع، وأبعدوا إلى الخلف، الثلاثة المربوطين إلى العمود، وقرأوا علينا أن جلالة الإمبراطور وهبنا الحياة. ثم أتبعوها بالأحكام الحقيقية.
أخي! لم أكتئب، ولم تنهار روحي المعنوية. الحياة هي الحياة في كل مكان، الحياة فينا نحن وليس في المظهر الخارجي. سيكون الناس بقربي، وأن تكون إنساناً بين الناس، وتبقى إنساناً للأبد، مهما كانت النوائب والآلام، وعدم الاكتئاب وعدم الانهيار المعنوي- هنا تكمن الحياة، وفي هذا رسالتها. لقد أدركت هذا. لقد انغرست هذه الفكرة في أحشائي ودمي.، نعم! إنها الحقيقة! ذلك الرأس الذي كان يبدع، وعاش أسمى حياة الفن، والذي وعى واعتاد أسمى متطلبات الروح، ذلك الرأس قد انقطع عن جسدي. وبقيت الذاكرة والصور، التي أبدعتها ولم أجسدها بعد. حقيقية، إنها تقرِّحني! ولكن بقي عندي قلبي وجسدي ودمي، دمي الذي يمكنه أن يحب، ويعاني، ويتألم، ويشفق، ويتذكر، وهذه هي الحياة. On voit le soleil (الشمس ما تزال تشرق- م.). وداعاً، يا أخي! لا تأسف عليَّ!… لم تكن لدي في وقت من الأوقات، مثل هذه الاحتياطيات الوافرة والصحية من الحياة الروحية، كما الآن. ولكن، هل سيحتمل الجسد: لا أدري…
يا إلهي! كم من الصور التي عشتها وأبدعتها، ستموت وتنطفئ في رأسي، أو تتحول إلى سموم تنزلق إلى دمي! نعم، إذا مُنعت من الكتابة، سأموت وأهلك… لا مرارة ولا حقد في نفسي، كم أود أن أحب وأعانق أحد معارفي في هذه اللحظة. شعرت اليوم بهذه المتعة، مودعاً أحبائي قبل الموت… ما إن ألقي نظرة إلى الماضي حتى أفكر: كم أضعت من الوقت عبثاً، كم أضعت من الوقت في الغواية، وفي الأخطاء، وفي البطالة، وفي الجهل بكيفية العيش، كم أضعت وقتي ولم أقدره حق قدره، كم من المرات أذنبت في حق قلبي وروحي، وكم يتضرج قلبي بالدم. الحياة هبة، الحياة سعادة، كل دقيقة منها كان من الممكن أن تكون قرناً من السعادة”.
مقتطف من كتاب ” شخصية دوستويفسكي” لمؤلفه د. نزار عيون السود ، الذي صدر عام 2017عن الهيئة العامة السورية للكتاب- وزارة الثقافة.

اترك تعليقا