الرئيسية » حضاريات » دراسات ميدانية لفهم ذاكرة الانسان

دراسات ميدانية لفهم ذاكرة الانسان

تحاول مجموعة علمية في «مختبر الإعلام» بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الأميركي، تحمل اسم «فلويد إنترفيس» العمل بحماسة للتوصل إلى السبب الذي يدفع الإنسان إلى تذكر اللحظات، أي تسجيل الدماغ للانطباعات والأحداث البارزة التي تظل عالقة في الذاكرة.

يحاول مصطفى محسن فاند، وهو أحد خريجي المعهد وعضو باحث في المجموعة، تسجيل ذلك عبر جمع أكبر قدر من البيانات عن نفسه والعالم المحيط به، وربط إشاراته الحيوية بالأوقات والمناسبات. وهو يسير مع عدسة «عين السمكة» مثبتة فوق كاميرا هاتفه الذكي المعلق على صدره، ويرتدي قبعة سوداء على رأسه مجهزة بأقطاب كهربائية لتخطيط الموجات الدماغية… وقد تدجج بكل هذه التجهيزات من أجل العلم.

– التقاط لحظات الذاكرة

يرتدي محسن فاند الأذربيجاني الأصل، منذ يناير (كانون الثاني) الماضي الكاميرا وسواراً أسود مجهزا لتعقب الإشارات في معصمه الأيسر، لمدة تتراوح بين 3 و16 ساعة يومياً. كما أضاف في يونيو (حزيران) سماعات متحركة لتخطيط الموجات الدماغية بهدف جمع بيانات الموجات الدماغية خلال متابعة حياته اليومية. وجمع حتى الساعة أكثر من 1500 ساعة من تصوير الفيديو. وهو يستخدم كل بضعة أيام برنامجاً لجمع الفيديوهات والإشارات الحيوية، لصناعة أفلام مدتها بضع دقائق تتباطأ وتتسارع وفقاً لمقاييس محددة كارتفاع وتراجع معدل ضربات قلبه ومستوى توصيل جلده، أي الأمور التي لا يمكنه التحكم بها، ويعتقد أنها تنسجم وأهمية الأحداث في حياته.

وشرح محسن فاند في حديث لمجلة «تكنولوجي ريغيو» أنه يستطيع عرض يوم كامل واختصاره بخمس دقائق ومشاهدته. وقد صنع نحو 300 فيلم مصور حتى اليوم، بعضها يختصر يوما واحدا وأخرى تجمع 3 أو 4 أيام. وهي في الحقيقة مقاطع رائعة للمشاهدة، حتى عندما تعرض تفاصيل الحياة اليومية العادية. يتضمن مثلاً أحد المقاطع الذي يختصر 40 دقيقة من الوقت الحقيقي في دقيقتين من العرض، مقتطفات سريعة لمحسن نفسه تظهره يسير مع شريكة حياته هانا كامبل تارة، ومقتطفات أخرى بطيئة يبدو فيها واقفاً وحده في محطة القطارات. وفي مشاهد أخرى، يظهر الشاب معها وهما يركبان الدراجة الهوائية بسرعة، ثم يظهر وهو يعزف الغيتار في المنزل بسرعة متفاوتة.

وفي مقطع آخر مدته دقيقتان، نرى كيف يتغير معدل سرعة نبض قلبه أثناء مشاهدته فيلم «ويب لاش» الذي يروي قصة مراهق يحترف عزف الطبول وأستاذ الموسيقى القاسي الذي يعطيه الدروس، وهو فيلم ذو إيقاع سريع. تسير لقطات الفيلم التي تعرض قرع الطبول بسرعة شديدة لتمييز الملاحظات الفردية، ولكن هذه السرعة تتراجع في لقطات أساسية يظهر فيها الأستاذ، كأحد المشاهد الذي يقول فيه للعازف: «لقد أتقنت المقطع». ويقول محسن فاند: «اتضح أنني حساس حيال علاقات الأب وابنه» لافتاً إلى أن معدل نبض قلبه تسارع خلال التفاعل بين شخصية الفيلم الرئيسية «آندرو» ووالده.

– رصد السلوك والعلاقات

يقول محسن فاند إنه تعلم أشياء أخرى كثيرة من جمع وتلخيص ومشاهدة حياته اليومية. فقد لفت إلى أنه لم يلاحظ يوماً كم يعامله الناس بلطف حتى شاهد ما يعادل يوما كاملا من اللقطات ورأى أن كل الأشخاص الذين يعمل معهم في المختبر تقريباً يسألونه عن حاله.

كما استخدم البيانات التي يجمعها ليصبح أكثر لطفاً مع الآخرين أيضاً. فقد لاحظ من خلال أحد المقاطع أنه لم يكن يبدي اهتماما كبيراً أثناء حديث جرى بينه وبين زميله في السكن حول اختبار في مادة الحساب كان الثاني يحضر له. ولكنه بعد مشاهدة المحادثة لاحقاً، راسل زميله ليعرف ما إذا كان بحاجة إلى مساعدة في الدرس.

يتبع محسن فاند بعض القواعد الأساسية أثناء التسجيل. عندما يدخل إلى الحمام، يغطي عدسة الكاميرا أو يرفعها إلى الأعلى ويسلطها على وجهه. وهو لا يوقف التسجيل كلياً، لأنه يريد قياس التغييرات «الفيزيولوجية» حتى في الحمام، مشيراً إلى أن معدل نبض قلبه ينخفض بشكل ملحوظ خلال هذا الوقت.

ولديه قاعدة أخرى، فهو لا يسجل خلال الأوقات العاطفية. ويقول محسن إنه اتخذ هذا القرار مع شريكته قبل بداية المشروع لأنهما شعرا بالقلق من هذا النوع من اللقطات، والتي قد تتعرض للسرقة إذا ما تم تخزينها في حساب «دروب بوكس» مشفر بكلمة مرور سرية.

وللحد من مخاوف التدخل في خصوصية المارة الذين يظهرون في مقاطع الفيديو، يشرح محسن فاند تسجيلاته والغاية منها عندما يدخل إلى مصعد أو غرفة مزدحمة بالناس مثلاً. كما أن تطبيق التسجيل الذي طوره بنفسه لهاتفه «غوغل بيكسل2» المعلق على صدره، يعلن بصوت عالٍ عندما يشرع التسجيل أو يتوقف عن التسجيل، أو يتوقف عن التسجيل في حال رفض أحدهم أن يظهر في التصوير.

– اختلافات الأفراد

تقول هيذر آبركرومبي، الأستاذة المساعدة في جامعة ويسكونسن – ماديسون، التي ترأس مختبر الجامعة الخاص بالمزاج والذاكرة، إن «العلماء يميلون إلى التقاط البيانات الخاصة بمجموعات من الأشخاص بدل النظر إليهم على أنهم أفراد. ولكن على اعتبار أن ردود الفعل «الفيزيولوجية» تجاه مختلف المواقف ليست نفسها لدى الجميع، يمكن لتسجيل حياة محسن فاند بصفته فردا مستقلا أن تكون مفيدة». وتضيف: «في حال استطعنا مع الوقت أن نصور الاختلافات بين الأفراد، فستكون النتائج ممتازة».

ولكن بينما يركز محسن فاند على إشارات محددة مثل ازدياد معدل سرعة نبض القلب، ترجح دراسة آبركرومبي حول الرجل والذاكرة أنه قد يركز على الإشارة الخاطئة. فحسب دراساتها، فإن معدل سرعة نبض قلب الإنسان يتراجع لنحو نصف الثانية عندما يمر بحدث استثنائي، مثلا عندما يتلقى مكالمة هاتفية غير متوقعة أو عند مصادفة أحد يعرفه في حشد ما. ومن ثم يعود إلى طبيعته.

وترى آبركرومبي أيضاً أن حصول محسن فاند على كثير من البيانات المفيدة من القبعة المجهزة بالأقطاب الكهربائية قد يكون صعباً بعض الشيء، على اعتبار أن رمشة عين بسيطة تحدث إشارة على سجلات تخطيط الموجات الدماغية. ويقول محسن فاند في هذا السياق، إن رمشة العين فقط توثر قليلاً على قنوات السماعة الـ32 المخصصة لتخطيط الموجات الدماغية.

ومع ذلك، لا يزال محسن فاند ملتزماً بتجربته؛ إذ إنه يعتزم الاستمرار بارتداء القبعة لتسع ساعات على الأقل يومياً، وهي الحد الأقصى لخدمة بطارية السماعات، خلال العام المقبل، إلى جانب سائر المعدات التقنية التي يستخدمها.

ولكن بعد انقضاء العام، هل ينوي محسن فاند التوقف عن التصوير؟ مستحيل؛ إذ يقول إنه سيستمر في التصوير إلى آخر يوم من حياته.

الشرق الاوسط: ٢٠-٨-٢٠١٨

اترك تعليقا