الرئيسية » سياسة واقتصاد » تناقضات السياسة الخارجية الأميركية
US President Donald Trump announces his decision on the Iran nuclear deal in the Diplomatic Reception Room at the White House in Washington, DC, on May 8, 2018. (Photo by SAUL LOEB / AFP) (Photo credit should read SAUL LOEB/AFP/Getty Images)

تناقضات السياسة الخارجية الأميركية

  يعتقد الرئيس الاميركي دونالد ترامب أن الاميركيين قد سئموا من العمليات العسكرية الخارجية منذ بدء النشاط العسكري الاميركي في أفغانستان والعراق لكنه على العكس من الرئيس السابق باراك اوباما، لم يذعن لما يريده الاميركيون بل ما يريدون ممولو الادارة الاميركية من لوبيات الاعمال وصناع السياسيات في واشنطن ممن يؤثرون بكلمة واحدة على مصير دولة لها كيانها وشعبها.

لقد حدثني صديق لي في الخارجية الاميركية عن أن مسؤولا ما، بالطبع ذكر اسمه، يمكنه ان يرفع سماعة الهاتف والاتصال بأي مسؤول عربي، ويهدده بأنه إذا لم تفعل حكومة ذاك البلد ما تريده الادارة الاميركية فإنه قد أعذر من أنذر. الكلام بالنسبة لي ليس بجديد، لكن الجديد، هو أن مسؤولا في الخارجية وليس وزير الخارجية أو وزير الدفاع أو رئيس الولايات المتحدة. والكلام ليس لي بل لصديقي الاميركي في الادارة ومن المقربين جدا من الرئيس.

التناقض في السياسة الخارجية الأمريكية منذ أن وصل ترامب إلى السلطة برؤيته السياسية التي حددها “أميركا أولا” بدا واضحا، فلم تعط الولايات المتحدة الشرق الاوسط ​​أولوية كبيرة على الرغم من أن الدور الذي تلعبه واشنطن كقوة عالمية. ومع ذلك، هل سيكون للشرق الاوسط مكان لدى الادارة الاميركية أم أنها ستتخلى تدريجيا عن مواقعها في المنطقة لصالح دول اخرى؟

تنظر الولايات المتحدة الى منطقة الشرق الاوسط على أنها منطقة مضطربة وغير مستقرة، في ظل صراعات مفتوحة في ليبيا وسوريا واليمن، وموجات من الهجرة إلى أوروبا وهجمات إرهابية متفرقة في عواصم عربية. واشنطن لا تهتم بالمنطقة ككل بل تهتم فقط بمناطق الموارد الطبيعية التي تحتاجها.

سوف يستمر “التقلب وعدم القدرة على التنبؤ” في تحديد السياسة الخارجية الأمريكية تحت إدارة ترامب. وهنا تبرز قضيتان: الاولى، الدور الذي تريد الولايات المتحدة الأمريكية لعبه في إدارة التحديات العابرة للحدود مثل الهجرات والإرهاب ، والثانية، الاستجابة للتأثير المتنامي لروسيا في المنطقة.

استنادا إلى المعلومات التي يستطيع أي شخص له نفوذ في الولايات المتحدة الحصول عليه ، يمكن التعرف الى السياسات الأساسية التي يمكن أن تطورها إدارة ترامب من حيث موقفها من الشرق الاوسط من حيث ​​(إستراتيجية الأمن القومي ، العلاقات مع روسيا ، الحرب ضد الإرهاب ، الصراع العربي الإسرائيلي والعلاقات مع إيران). قد تريد واشنطن نفوذا اكبر في الشرق الاوسط لكن الشرق الاوسط ككل ليس على  شاشة الرادار لصانعي السياسة في الولايات المتحدة الا من حيث البعد الاقتصادي. هذا ليس مجرد حكم حول الإدارة الحالية ، لكنه حقيقة وفق ما يقوله العديد من السياسيين الاميركيين.  إن الشرق الاوسط ليس سوى بقرة حلوب تدر السمن والعسل. وما أن تهرم البقرة حتى يصار الى تسليمها للجزارللتخلص منها.

العالم العربي وتحديدا المنطقة الممتدة من بحر العرب الى شمال سوريا والعراق هي منطقة تجارب للسياسات الاميركية تنتهج خلالها اسلوب العلاقات العامة. بمعنى أن لا مبدا فيها ثابت والعبرة فقط للتمويل لعمية الترويج لحملة العلاقات العامة تلك تماما كما هو الحال مع الكثير من الدول التي تنظر الى الشرق الاوسط كمنطقة نفوذ لحماية مصالحها القومية.

فيما يتعلق بمؤسسة الأمن القومي الأميريكي تبدو هذه الايام نشطة للغاية وخصوصا في الملف الايراني والكوري الشمالي لكنها تغيب عن ملفات اكثر اهمية منها مثل القضية السورية واليمنية والليببية والعراقية والفلسطينية لأن لا فائدة من العلاقات العامة في تلك القضايا أو بالاحرى لا ممول لحملة العلاقات العامة لتلك الدول لذلك يبقى الحال على ما هو عليه أو مكانك راوح.

لا يزال حلف الناتو يشكل ركيزة لمشاركة الولايات المتحدة في حملاتها في منطقة الشرق الاوسط، على الرغم من تشكيك الرئيس الاميركي في أهميته حاليا كون واشنطن تدفع النصيب الاكبر من ميزانية الحلف. تاريخيا، انصب اهتمام الولايات المتحدة  على مثلث اليونان – قبرص – تركيا مع الترويج للاهتمام  بقضايا اخرى شرق اوسطية منها الصراع الفلسطيني الاسرائيلي الذي يرواح مكانه منذ اتفاق اوسلو.

لقد استحوذت دول البلقان والمغرب العربي على اهتمام واشنطن من حين لآخر ، ولكن عادة ما كان ينظر إلى تلك الدول باعتبارها أولوية أوروبية أكثر من كونها أميركية. في الوقت الحاضر، ينظر إلى البحر الأبيض المتوسط ​​على أنه منطقة اضطراب وعدم استقرار. المخاوف من حرب إسرائيلية أخرى مع حزب الله أو حتى مع إيران بدأت تزداد في الآونة الاخيرة عقب خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي المبرم مع ايران والدول الاخرى وفور تصريحات بومبيو النارية ضد ايران وما يجب علي الحكومة الايرانية الوفاء به.

لكن كيف يمكن لواشنطن ان تعود بقوة الى الشرق الاوسط حتى في ظل وجود روسيا والصين في تلك المنطقة الان؟ هناك عاملان يحددان ذلك: الاول هو التحديات ، من الإرهاب إلى الهجرة، الأمر الذي يتطلب تعاونا دوليا يوفر فرصا لمواصلة الولايات المتحدة المشاركة مع الدول الأوروبية والدول العربية بناء تحالفات والثاني هو وجود روسي صيني مكثف في الشرق الاوسط ما يؤثرعلى مصالح واشنطن، ما يعني أن تلعب الولايات المتحدة دورا اكبر لاستعادة دورها في الشرق الأوسط والبحث عن نقاط ضعف الخصم واستغلالها.

اليوم نشهد انشغالات داخلية للاتحاد الأوروبي. يمكن لهذا أن يضع أجندة التعاون الأميريكي الأوروبي في حلف الناتو على المحك وهذا ما يفسر الضربات الاخيرة على سوريا التي شنتها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة لحفظ ماء الوجه وإعادة الحلف الى الواجهة مجددا.

السياسة الخارجية لإدارة ترامب، الآن في السنة الثانية ولا تزال الادارة الاميركية تعاني من التخبط والفوضى. ويبدو ان البديل اليوم في الادارة الاميركية المزيد من العسكرة التي تتطلب تمويلا خارجيا. فمنذ تعيين جون بولتون كمستشار للأمن القومي ا الى تعيين مايك بومبيو كوزير للخارجية والى جينا هاسيل كمدير للاسخبارات المركزية الاميركية فإننا اليوم نعرف توجه ترامب ومما يريده: العسكرة مقابل المال. وهنا لن تدفع واشنطن شيئا بل ستطلب من الدول التي تريد الولايات المتحدة حمايتها ان تمول تلك الحملات العسكرية مع فارق بسيط بين حملات 2018 عن سابقاتها بأن الجنود الاميركيين لن يكونوا في الصف الاول للدفاع بل متعاقدين اضافة الى جنود اشبه بجنود الامم المتحدة لحفظ السلام في المناطق التي تشهد صراعا. ومن يريد الحماية عليه ان يدفع. والعرب عليه ان يدفعوا شرقا وغربا حتى آخر نقطة دم عربية.

د. شهاب المكاحلة- واشنطن

اترك تعليقا