الرئيسية » أخبار المجموعة » تتارستان شريان التعاون الروسى الاسلامى
سفير مصر بموسكو ورئيس وزراء تتارستان الروسية

تتارستان شريان التعاون الروسى الاسلامى

د. نورهان الشيخ

يبدأ الرئيس رستم مينيخانوف، رئيس جمهورية تتارستان ورئيس مجموعة “الرؤية الاستراتيجية روسيا – العالم الإسلامي”، جولة إسلامية تتضمن مصر يومى 13 و14 أكتوبر، تعقبها زيارته لتونس فى 15 و16 من الشهر نفسه، وذلك إنطلاقاً من رؤيته التى عبر عنها فى افتتاحه قمة قازان الاقتصادية الدولية العاشرة فى مايو الماضى، والتى تقوم على كون تتارستان نافذة روسيا على العالم الإسلامي، وأن مستوى التعاون الاقتصادي بين الأقاليم الروسية ودول العالم الإسلامي لا يتوافق مع الفرص المتاحة، مؤكداً على ضرورة العمل في هذا الاتجاه.

وتتفرد قازان، التى تعد العاصمة الاسلامية لروسيا، وثالث أهم المدن الروسية، وعاصمة الرياضة التي أنجبت أكبر عدد من أبطال الرياضة الروس، بكونها على مدى ما يزيد عن ألف عام، رمزاً للسلام والتسامح بين الأديان والثقافات، وفيها تمتزج الحضارتين الشرقية والغربية، وتتعانق المساجد والكنائس فى لوحة إنسانية ومعمارية رائعة حيث يشكل المسلمون 54% من سكان تتارستان البالغ عددهم حوالى 4 مليون نسمة.

وشهدت تتارستان قفزات واضحة فى المجالات الاقتـــصادية والثـقافية والسياحـــية، وبفضل ما تقدمه من حوافز للاستثمارات الخارجية المباشرة الأجنبية تستقطب تتارستان يوميا استثمارات جديدة لا تقلّ عن مليوني دولار. وتصدرت، إلى جانب موسكو وبطرسبورج، تصنيف أكثر الأقاليم الروسية تطورا في مجال التكنولوجيا والمبتكرات، وبها أول جامعة لتكنولوجيا المعلومات في روسيا، وتسعى إلى تطوير العاصمة قازان لتصبح المدينة الذكية للقرن الثاني والعشرين ومركزا جديدا للأعمال على مستوى روسيا.

هذا إلى جانب النهضة العمرانية الكبيرة، لاسيما على مستوى احياء التاريخ الاسلامي للمدينة كبناء مسجد “قل شريف”، ثانى أكبر مساجد أوربا، داخل مبنى كرملين قازان (قصر الحكم). إضافة الى المنشآت الرياضية الضخمة المشيدة حديثا لاستضافة الألعاب الأولمبية الجامعية 2013 (يونيفيرسياد) وبينها ستاد قازان ايضا الخلاب بتصميمه والذي استضاف مجموعة من مباريات كأس العالم لكرة القدم، وبطولة العالم للألعاب المائية عام 2015.

وقد احتضنت قازان العديد من الفعاليات الهامة على النحو الذى أصبحت معه شرياناً لتعزيز التعاون بين روسيا والعالم الاسلامى، كان من أبرزها القمة الاقتصادية الدولية العاشرة “روسيا والعالم الإسلامي”، فى مايو الماضى، بين كبار المسئولين الروس ونظرائهم من أكثر من 53 دولة، وركزت على ضرورة إيجاد فضاء اقتصادى جديد بين موسكو وعواصم العالم العربي والإسلامي وكسر الحواجز التي تعيق الاستثمار الحر. وتعد تترستان من أغنى الأقاليم الروسية بالنفط والمياه العذبة والثروات الطبيعية. وبدأ استخراج النفط بها منذ عام 1943 وتنتج 700 ألف برميل يومياً، وجارى التوسع فى صناعة النفط وحفر آبار جديدة بأحدث تكنولوجيا فى المجال. وبلغ إجمالي الناتج المحلي لتتارستان حوالى 45 مليار دولار بمعدل نمو سنوي 5.5%.

وهناك آفاق رحبة لدفع التعاون بين مصر وتتارستان حيث تعتبر الأخيرة مركزا صناعيا متقدما في روسيا، وترحب هيئة تشجيع الإستثمار بها وغرفة التجارة والصناعة بدفع التعاون مع مصر فى مختلف القطاعات الزراعية والاستثمارية والمناطق الحرة، وهى أيضاً سوق هام للمنتجات المصرية وبلغ حجم التبادل التجاري بين مصر وتتارستان 22,8 مليون دولار عام 2017. وستشمل محادثات الرئيس رستم مينيخانوف فى تونس التعاون الاقتصادى ودفع التبادل التجارى مع وزير التجارة التونسى ورئيس مجلس نوّاب الشعب ورئيس الحكومة يوسف الشاهد، ويفتتح منتدى الأعمال الذى يضمّ رجال الأعمال والمستثمرين في البلدين.

وعلى هامش القمة الاقتصادية المشار إليها تم فى فعالية ثقافية مناقشة مختلف جوانب التقاطع بين وسائل الإعلام والدين. وتبادل المشاركون من روسيا ومختلف دول العالم تجربتهم الشخصية في تأسيس وسائل إعلام دينية، بالإضافة إلى خصوصيات اختيار محتوى هذا النوع من وسائل الإعلام. وبالنسبة إلى روسيا، تعتبر تجربة إنشاء وسائل إعلام دينية، وأيضا عقد مثل هذه الفعاليات، أمرا جديدا تماما، ومناسبة تجمع ممثلي وسائل الإعلام ورجال الدين من جمهوريات روسيا الاسلامية، داجستان والشيشان وتتارستان، ومناطق أخرى من البلاد لتبادل الخبرات والتعرف على ما لدى وسائل الإعلام الدينية الأجنبية. واقترح المفتي العام لجمهورية تتارستان، كاميل ساميحولين، إنشاء منصة موحدة لمناقشة قضايا التفاعل بين الدين ووسائل الإعلام، وكذلك لوضع مقاربات لتغطية الموضوعات الدينية بشكل صحيح، حيث أن تشويه المصطلحات الإسلامية أحيانا يؤدي إلى تشويه فهم الإسلام نفسه.

وتواجه تتارستان كغيرها تهديداً من الجماعات الارهابية التى تحاول أن تنشط على أراضيها ومنها حزب التحرير الارهابى، وجماعة التبليغ الارهابية وغيرها. كما تزداد أعداد الدواعش النازحين إلى جوارها القريب على الحدود الأفغانية الطاجيكية،  وكان زامير كابولوف، المبعوث الخاص للرئيس الروسي مدير إدارة آسيا الثانية بالخارجية الروسية، قد أعلن فى 23 ديسمبر من العام الماضى أن تنظيم داعش تمكن من زيادة وتعزيز قوته في أفغانستان بشكل كبير ووصل تعداد عناصر التنظيم ما يزيد على 10 آلاف شخص، وأن هذا الرقم يزداد باستمرار بسبب المسلحين القادمين من سوريا والعراق. وأن فصائل مسلحي داعش تتمركز في شمال أفغانستان، في المحافظات المتاخمة للحدود مع طاجيكستان وتركمانستان خاصة محافظتي جوزجان وساري – بول. ومن المعروف أن داعش يعلن صراحة أنه يهدف لنشر نفوذه خارج حدود أفغانستان، التي يعتبرها بمثابة قاعدة الانطلاق المر الذى يشكل تهديدات أمنية خطيرة، لاسيما بالنسبة لجمهوريات آسيا الوسطى والأقاليم الجنوبية من روسيا ومنها تتارستان.

فى هذا السياق وإنطلاقاً من الشعور بالمسئولية التاريخية فى هذه المرحلة الفارقة التى تشهد هجمه شرسة من جانب الارهابيين وتجار الدين ومدعين الاسلام، تقود قازان حراك هام وجاد باتجاه العالم الاسلامى لمواجهة التهديد الذى تمثله الجماعات الارهابية والمتطرفة على الأمن والاستقرار العالمى وخاصة الدول الاسلامية التى تعد الساحة الأساسية للتجنيد وتجديد دماء هذه الجماعات. وتعتبر مجموعة الرؤية الاستراتيجية “روسيا – العالم الاسلامى” ركيزة أساسية فى هذه الصدد وقد تشكلت المجموعة عام 2006 بجهد من رئيس الوزراء الروسى الأسبق يفجيني بريماكوف وبمشاركة شخصيات حكومية واجتماعية بارزة من 27 دولة إسلامية، منهم رؤساء وزراء سابقين ووزراء خارجية، وعدد من الشخصيات الإسلامية المعروفة، بهدف تعزيز التعاون بين روسيا والعالم الاسلامى لمواجهة التحديات المشتركة وفى مقدمتها الارهاب، وتحقيق الأمن والاستقرار كمتطلب ضرورى للانطلاق معاً نحو التنمية الشاملة المستدامة.

 

اترك تعليقا