الرئيسية » سياسة واقتصاد » بوتين وميركل في مواجهة ترامب

بوتين وميركل في مواجهة ترامب

شعر كل من الرئيس الروسي والمستشارة الألمانية بالحاجة إلى الحوار، وبعد ثلاثة أعوام من انقطاع الاتصال الشخصي بينهما اجتمعا مرتين خلال ثلاثة أشهر. وقد بدا غامضا ما دار بينهما، إلا أن سياق حديثما واضح.

استمر اللقاء الأول في سوتشي الروسية في مايو الماضي ساعة ونصف الساعة، وكانت مدة اللقاء الثاني في أغسطس في ميزيبيرغي الألمانية ضعف هذا. وراح المحللون السياسيون الألمان عبر شاشاتهم يتحدثون عن نقطة تحول في العلاقات الروسية الألمانية، عن دفء جديد وانطلاقة جديدة، فهل الأمر كذلك فعلا؟

يقول شتيفان مايستر الباحث في العلوم السياسية في مؤسسة (DGAP) التي تعمل لصالح الحكومة، «إن الأمر ليس كذلك، والحديث عن شراكة استراتيجية جديدة بين روسيا وألمانيا سابق لأوانه». ويعتبر الخبير أن تقارب بوتين وميركل ليس إلا نتيجة فشلهما في التعامل مع الرئيس ترامب بمزاجه الذي يصعب التنبؤ به ويقول: «إن الحوار الذي نشهده يجب أن يظهر أن نوايا كل من بوتين وميركل هي مواجهة ترامب» ويستطرد قائلا «بوتين وميركل في خندق واحد لأنهما فهما أن حماية قطاع الأعمال في بلد كل منهما من العقوبات الأمريكية سيكون صعبا، وأنهما لن يتمكنا من إتمام بناء خط أنابيب غاز السيل الشمالي اثنين الذي «لا يعجب ترامب» (حسب وكالة بلومبيرغ) إن لم يتحاورا».

ويفسر ترامب استياءه من السيل الشمالي بثلاث نقاط:

الأولى حسب ترامب، هي أن استقلالية ألمانيا بل وسائر أعضاء الإتحاد الأوروبي ستصبح بيد روسيا.

الثانية هي أن كلا من أوكرانيا وبولونيا ستفقد جزءا من دخلها (من2  إلى 3  مليار دولار) من تلك التي تحصل عليها مقابل عبور الغاز الروسي عبر أراضيها إلى أوروبا.

والنقطة الثالثة والأهم حسب المحللين الألمان و92  في المائة من الشعب الألماني حسب استطلاعات مؤسسة forsa، هي أن ترامب يريد من الأوروبيين أن يشتروا الغاز المسال الأمريكي، أو ما يسمى أيضا بالغاز الصخري. ولن يكون هذا واقعيا إلا إن تم تعطيل بناء خط الغاز السيل الشمالي، فالغاز الأمريكي أغلى ب 20 إلى 25 في المائة من الغاز القادم من سيبيريا.

حتى اللحظة كانت النقطة المتعلقة بالسعر هي الأساسية والفاصلة، ويقول المحرر في جريدة welt  دانييل فيتسيل: « لن يتمكن أحد من تعطيل التعاون في مجال الغاز المربح للطرفين والذي يجلب مليارات الدولارات، حتى في أيام الحرب الباردة، لم تعجب شحنات الغاز القادمة من الاتحاد السوفيتي إلى أوروبا الغربية أي رئيس أمريكي ابتداء من الرئيس ريغن»

ولكن يبدو أن إصرار ترامب أقوى من إصرار ريغن.

وقد تم تنظيم لقاء ميزيبيرغي على عجالة، عندما بات معلوما أن ترامب ينوي فرض عقوبات على الشركات المساهمة في خط السيل الشمالي اثنان أواخر أغسطس. ولأن الحديث هذه المرة لم يكن عن العقوبات على روسيا وحدها، بل وعلى الشركات الغربية، والألمانية بالدرجة الأولى.

محطةNTV  الألمانية نقلا عن مصادرها في واشنطن وبروكسل أفادت بأن الولايات المتحدة تنوي تحذير الشركات المساهمة في مشروع السيل الشمالي إثنان من أن العقوبات الأمريكية آتية. وكانت العقوبات الأمريكية تهدد كلا من شركة Engie  الفرنسية، و shell  الهولندية، و OMV  النمساوية، وWintershall   و Uniper  الألمانية)، وكل مورديها ومموليها. وهذه التحذيرات كانت تؤرق مضاجع الشركات الأوروبية، اذ لم يكن واضحا، هل العقوبات ستشمل الشركات المصنعة للمعدات فقط، أم أن الشركات التي تنفذ المشروع، والمصارف التي تمول خط الغاز الروسي أيضا مهددة؟

وتهديد المصارف كان يشكل المعضلة الأكبر، فحسب رأي خبراء اللجنة الشرقية للاقتصاد الألماني ( وهي تجمع الشركات العاملة في روسيا وفي دول أوروبا الشرقية) قد توجه العقوبات ضربة قاضية إلى المشروع، اذ لم يتم استلام سوى أربع مليارات يورو من العشرة المطلوبة لإتمام المشروع.

وأعلن المفوض الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش بحزم أن بروكسل لن تتخلى عن الشركات الأوروبية المساهمة في مشروع السيل الشمالي إثنان، ولا يبدو أن هذه الشركات مطمئنة لهذا النوع من «الحماية الأوروبية»، فيكفي أن نلقي نظرة إلى إيران التي أنزل عليها ترامب عقوباته في مايو الماضي.

شركة سكك الحديد الحكومية الألمانية (Deutsche Bahn)، وشركة الاتصالات الألمانية التي تملك الحكومة ثلثها (Deutsche Telekom)، تلقت مؤخرا إخطارا من ترامب يقول: إن لم تتوقف هذه الشركات عن العمل في إيران سوف تمنع من العمل في الولايات المتحدة.

ورغم أن الاتحاد الأوروبي قد أعلن سابقا عن استعداده لحماية جميع الشركات التي فرضت عليها العقوبات الأمريكية، وتبنيه القوانين اللازمة لذلك، فضلت الشركات الخروج من إيران اذ أن عملها في الولايات المتحدة أهم لها من العمل في إيران. ومثال على ذلك شركة السيارات Daimler التي كانت تنوي تجميع الشاحنات في إيران، باتت تنوي الخروج منها، كذلك الحال للشركة الفرنسية PSA.

لم يصل الحال لهذه المرحلة ، أو لهذا النوع من التهديد بعد، فيما يخص مشروع السيل الشمالي إثنان، وقبل أن يصل الأمر لتلك المرحلة سارعت المستشارة الألمانية للقاء وحوار الرئيس الروسي.

وبغياب معلومات دقيقة عن نتيجة اللقائين، يتحدث المتفائلون عن «جبهة موحدة» للدفاع عن المصالح المشتركة في مجال الغاز. ويذكرهم زملائهم المفضلين للتحليل الواقعي للأحداث أن كل من ألمانيا والاتحاد الأوروبي لا يرفضان طلب ترامب بشراء الغاز الأمريكي المسال، ويبدون استعدادهما لشرائه. ويضيفون أن الولايات المتحدة لن تكون بالضرورة المزود الوحيد للغاز، وأن الصفقة ليس بالضرورة أن تتم فورا.

يقول كبير الباحثين في معهد King’s Collage في لندن فرانك أومباخ: «قبول شراء هذا النوع من الغاز المسال من الولايات المتحدة مستمر منذ سنين عديدة، وحتى قبل قدوم ترامب للسلطة، وهو عنصر رئيس لسياسة الطاقة الأطلسية وفي أجندة لجنة الطاقة الولايات المتحدة – الاتحاد الأوروبي».

أحد هذه العناصر كان القرار المتخذ بمشاركة ألمانية بتطوير البنية التحتية وموانىء خاصة لاستقبال السفن المحملة بالغاز المسال في الإتحاد الأوروبي وبالدرجة الأولى في دول أوروبا الشرقية والدول الأوروبية المطلة على المتوسط.

وحسب معلومات فرانك أومباخ ستكون دول الإتحاد الأوروبي بحلول نهاية العام القادم استقبال 214 مليار متر مكعب من الغاز المسال، وهو جزء كبير من استهلاك الاتحاد الأوروبي للغاز.

لا توجد في ألمانيا بعد موانىء خاصة لاستقبال ناقلات الغاز المسال وضخه في شبكة الأنابيب، ولكن بناءها سيبدأ في القريب العاجل في الأرض الفدرالية شليزفيغ-غولشتين، وهناك تعويل بأن هذا سيهدىء من غضب ترامب.

ولا تغض برلين الطرف عن معارضي مشروع السيل الشمالي اثنان الذين يعتمدون على مخاوفهم من أن المشروع سيسلب أوكرانيا الأرباح التي تحصل عليها الآن من عبور الغاز الروسي عبر أراضيها.

فقد لفتت ميركل رسميا في سوتشي وفي ميزيبيرغي إنتباه الرئيس بوتين إلى «عدم جواز أن يحصل ذلك) وأكد الرئيس بوتين في كلتا المناسبتين أن جزء من الغاز سوف يعبر في الأراضي الأوكرانية بعد انطلاق عمل السيل الشمالي اثنان وأضاف (إن كان ذلك ممكنا تقنيا).

على مستوى الخبراء، قال رولاند غيوتس أحد أشهر الخبراء في مجال الطاقة في مقابلة مع قناة DW الألمانية، إنه من المبكر القلق من هذه النقطة الآن، فعمل خط السيل الشمالي إثنان بكامل طاقته لن يكون نهاية 2019 كما يأمل عملاق الغاز الروسي غازبروم، وليس قبل العام 2023 حسب الخبير.

ويعلل رأيه بالتالي: عقوبات ترامب (لن توقف المشروع، ولكنه قد تؤخر تشييده حيث أنها تجعل عملية التمويل أصعب وقد تغادر بعض الشركات جراء ذلك).

تغيير مسار خط الغاز بالقرب من سواحل الدنمارك أيضا أمر وارد، اذ هناك خشية في الدنمارك من تداعيات بيئية سلبية ولن تمنح الإذن بوضع الإنبوب بالقرب من سواحلها بعد، وهذا ما قد يؤخر المشروع أيضا.

والأهم هو أن قبل ذلك الموعد لن يكون خط أنابيب EUGAL جاهزا. (وهو الخط الأوروبي الواصل). والذي يبلغ طوله 485 كيلومتر (وسوف تشييده شركة (Gascade) التابعة لشركة غازبروم.

سوف يصل خط EUGAL لوبمين حيث يخرج خط السيل الشمال اثنان من البحر إلى اليابسة بمستهلكي الغاز الروسي. أو بعبارة أخرى سوف يصل خط EUGAL حتى حدود التشيك حيث محكة التوزيع التي ستوزع الغاز إلى دول الإتحاد الأوروبي الأخرى، ومن التشيك سوف يستمر الخط حتى وجهته النهائية في بومغارتين شرقي النمسا، التي تشارك بشكل كبير في المشروع. يذمر أن EUGAL يجب أن ينقل الغاز من عدة مصادر (ليس فقط من غازبروم) وفي جميع الاتجاهات وسوف يدمج بشبكة أنابيب الغاز الموجودة حاليا حسب قانون الطاقة في الاتحاد الأوروبي، الذي يعمل على تفادي ظهور شركات احتكارية في سوق الغاز الأوروبية.

ويقول رولاند غيوتس «أول خط من EUGAL يجب أن ينجز بحلول نهاية العام القادم، أما الثاني يجب أن يتم بحلول العام 2020، وحتى بعد ذلك لن يتمكن الخط من العامل بكامل طاقته فورا، اذ يتطلب الأمر شهورا عادة، كما أن شبكة الأنابيب الأوكرانية يجب أن تلعب دور الشبكة الاحتياطية، فطلب على الغاز يتفاوت حسب المواسم، ولضمان وصول الكمية اللازمة في الأشهر التي يكون الطلب فيها في أوجه لا بد من شبكات احتياطية»

وهناك من يدافع عن خط الغاز الروسي ويستند إلى التالي: قرار الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بالتخلي عن جميع مصادر الطاقة الناتجة من الهيدروكاربونات (بما فيها الغاز) بحلول العام 2050، حيث أن حرقها يولد غاز ثاني أوكسيد الكاربون ما يؤثر على المناخ، وبعد العام 2050 على العالم أن يحصل من الطاقة من المصادر المتجددة فقط (الماء والهواء والشمس).

وقد تخلت ألمانيا عن الطاقة النووية، ومن يدافع عن مشروع السيل الشمالي اثنان على قناعة بأنه في الفترة التي يتم خلالها الانتقال إلى مصادر الطاقة المتجددة لا بد من استخدام الغاز بأكبر قدر ممكن.

الغاز أقل ضررا من مصادر الطاقة الأخرى وباستخدامه يمكن التخلي التام عن الفحم (مصدر التلوث الرئيس)، وتخفيض نسبة انبعاث ثاني أوكسيد الكاربون في الجو.

وهناك من يعارض هذه الفكرة، من أبرزهم البروفيسور كلاوديا كيمفورت (من أبرز الخبراء في مجال الطاقة البيئية) اذ ترى أن هذا النهج ضار، والجهود والموارد التي تستثمر في شبكة الغاز يمكن أن تستثمر في منشآت الطاقة البديلة، التي تعطي الآن أكثر من 35 في المائة من الطاقة الكهربائية المستهلكة في ألمانيا. وتعتبر كيمفورت أن الانتقال إلى الطاقة البديلة عادة ما يعطل من قبل شركات الطاقة الكبرى المصنعة للفحم والغاز والنفط غير القادرة على التخلي عن الأرباح الهائلة الناتجة عن بيع منتجاتها.

وترى كيمفورت أن العالم يشهد حربا حقيقية حول الطاقة، وقد كتبت كتابا حول الموضوع.

وتشير استطلاعات الرئيس التي أجراها معهد forsa أن الألمان (63 في المائة) بشكل عام لا يتفقون مع البروفيسور، ويعتبرون أن تزويد ألمانيا بالطاقة في المستقبل من المصادر المتجددة أمر صعب، وسوف يبقى الطلب على مصادر الطاقة التقليدية وفي طليعتها الغاز.

ويرى 29% منهم أنه لا بد من استخدام الفحم والنفط والطاقة النووية.

ويظهر نفس الاستطلاع أن 66% يعتبرون بناء خط السيل الشمالي اثنان أمر صحيح، حيث أن مصادر الطاقة التقليدية يجب أن تبقى جزءا من مصادر الطاقة الألمانية.

ويرى 84% أن تصريحات ترامب التي قال فيها أن استقلالية ألمانيا بيد روسيا لأنها تحصل على الغاز منها، غير عقلانية. وعلى السؤال إن كان مشروه السيل الشمالي اثنان سيقوي أمن الطاقة الألماني، أجاب ثلثي الناس الذي شملهم الاستطلاع بنعم.

فهل ستقنع لقاءات بوتين – ميركل غامضة النتيجة، وآرارء الخبراء ونتائج استطلاعات الرأي، هل يتقنع هذه ترامب بتخفيف العقوبات؟ قد لا يكون السؤال في مكانه، ولكنه مطروح في أروقة الساسة الألمان، فهل هناك شيء آخر يعولون عليه؟

ترجمة المادة : محمد حسان

جريدة “كوميرسانت” والمقالة للصحفي فيكتور أغاييف من بون.

https://www.kommersant.ru/doc/3720240

اترك تعليقا