الرئيسية » سياسة واقتصاد » النخب اليسارية العربية : ما لها وما عليها!

النخب اليسارية العربية : ما لها وما عليها!

 ربما لم يكن من المتوقع أن يشارك شخص متشبث تماماً بأيدلوجيته الماركسية اللينينية الماوية في ندوة نخبويةللغاية تقوم فيما تقدمه من أطروحات على أفكار ما بعد الحداثة التي تدعو لتجاوز الأيدلوجيات واعتبارها من مخلفات القرن التاسع عشر ، وهو ما يراه كاتب هذه الكلمات نوع من الدجل الذي يمرر عمداً أو سهواً لسيطرة الرأسمالية المركزية على العالم بطريقة أكثر يسراً من كل الأساليب القمعية والترويجية التي تم اللجوء إليها سابقاً .

كانت المشاركة في ندوة عن الحركات الاجتماعية بتونس ، حالة غريبة للغاية بالنسبة لي وفي ظروف أكثر تعقيداً ، ومع ذلك فلم تعبر غرابة الحالة عن الإيحاءات السلبية فقط ، بل كانت لها إيجابياتها كذلك ؛ فهي المرة الأولى التي أشاهد فيها عن قرب كل هذا التجمع من الباحثين العرب بمكان واحد ، وكانوا في غالبيتهم العظمى متشابهين من ناحية الأفكار والطروحات والأساليب .. كنت بمعقلبرجوازي بامتياز ..

إن الإيجابية الحقيقية لهذه المشاركة تتمثل في تلمس حقيقة الإشكالية التي تعاني منها النخبة اليسارية في كل العالم العربي ، وبالرغم من أن ظروف كل دولة عربية قد تختلف في بعض تفاصيلها عن الأخرى ، لكن ما اكتشفته من المشاركة في هذه الندوة سالفة الذكر ، أن المرض في أعراضه ومظاهره وأخيراً نتائجه متشابه لحد كبير يقترب من التماثل .

بالنسبة لي ، كان استماعي لهذا العدد من الدراسات المطروحة عن الحركات الاحتجاجية في العالم العربي دافعاً لمحاولة إعادة تقييم التجربة التي بدأت منذ نجاح الأمريكيين في تكثيف تواجد أساطيلهم وقواعدهم العسكرية بالخليج الفارسي بحجة تحرير الكويت من الاحتلال العراقي .

فيما يتعلق بمصر ، التي يمكن تمثل النموذج الأكبر ، فقد تلقى الرئيس السابق حسني مبارك وعوداً بإسقاط الديون المصرية ودعم نظام حكمه إذا ما شارك الجيش المصري في عمليات (عاصفة الصحراء) التي قادتها الولايات المتحدة الأمريكية لإخراج الجيش العراقي من الكويت ، وهو ما حدث بالفعل ، لكن مشاركة الجيش المصري في المواجهات لم تكن الشرط الوحيد الذي وضعه الأمريكيون أمام مبارك ، وكان من بين الشروط الأخرى محاولة تبييض وجه نظامه القمعي أمام العالم عبر السماح لمنظمات المجتمع المدني بالعمل في مصر على غرار الدول الغربية .

من جهته استجاب مبارك لهذا الشرط وسمح نظامه لهذه المنظمات بالعمل والتواجد تدريجياً ، وفي المقابل تم إطلاق يده في محاولاته للقضاء على أي نشاط سياسي حقيقي عبر الأحزاب (القانونية وغير القانونية) والنقابات العمالية والمهنية .

كانت إضرابات عمال كفر الدوار سنة 1994 التي قمعها مبارك بوحشية العمل الأخير الذي قادته النخبة الشيوعية في محاولة يائسة لحماية ما تبقى من حقوق للطبقة العمالية في مواجهة الإجراءات التدميرية لنظام مبارك والمكملة للمشروع التخريبي الذي بدأه سلفه أنور السادات . وفي المقابل أدرك مبارك أن وجود أي تيارات سياسية حقيقية أثناء قيامه بمشروعات إعادة الهيكلة المزعومة التي دمرت الاقتصاد المصري ربما يمثل خطورة حقيقية على نظام حكمه الرخو بالأساس .

إذن لم تكن مصادفة أن السماح لهذه المنظمات بالعمل في مصر ترافق مع التدمير الممنهج والتحجيم للحياة السياسية التقليدية في مصر الممثلة في الأحزاب والنقابات العمالية والمهنية خلال فترة التسعينات وبدايات الألفية الجديدة مما أدى لقيام كل الفاعلين والناشطين السياسيين بالإلتحاق بهذه المنظمات ، التي وفرت لهم قدراً من الحماية وتغطية نفقات المعيشة ، في محاولة منهم لممارسة أي دور سياسي مهما كان ضعيفاً ومتجاوزاً لثوابتهم الأيدلوجية . ويبدو الآن أن هذا هو ما كان داعموا مبارك يسعون إليه بالفعل .

  منظمات المجتمع المدني 

تحولت منظمات المجتمع المدني إذن إلى بديل سياسي ذا طابع خاص وغير معتاد ، فهم يطالبون بديمقراطية مثالية وحريات غير محدودة ويسعون لتجاوز كل خطوط الأيدلوجيات وتحفظاتها وضوابطها ، وفوق كل ذلك يدعمون رؤيتهم الجديدة بقدر ضخم من التمويل المالي وقدر مقبول من الحماية الأمنية في بعض الأحيان .

لم تقم هذه المنظمات في ممارساتها بأي محاولة لتغيير الواقع المعاش بالنسبة للمصريين لكنها ، بالفعل ، قامت ونجحت في مهمتها لحرف حركة النخبة المصرية وخاصة الشيوعية منها التي كانت فيما سبق أكثر وعياً وتركيزاً على المطالبة بحقوق الكادحين في مصر ؛ ما قامت به هذه المنظمات ، في الواقع ، هو إعادة تشكيل وعي هذه النخبة مستخدمة إمكانياتها المالية الضخمة لإجبارها على القبول بأفكار ما بعد الحداثة الداعية لتجاوز الأيدلوجيات والعمل المشترك بين كل الأطراف السياسية في مواجهة نظام مبارك ، ودراسة الأوضاع السياسية والثقافية بمعزل عن خلفياتها الاقتصادية والاجتماعية وهو ما أدى لتورط هذه النخبة في صراعات حول قضايا هامشية ضد الآخر الإسلاموي الرجعي كحقوق المرأة والأقليات والحريات الشخصية وهي قضايا تكتسب أهميتها من كونها تأتي ضمن النضال الطبقي العام ، إلا أن إثارتها تميزت بالتأكيد على انفصالها واستقلالها عن هذا النضال مما جعلها تبدو بلا جدوى بل ومثلت ترويجاً للطرف الرجعي الذي ظهر بصورة الطرف الساعي للحفاظ على التقاليد والأعراف المصرية الراسخة .

إذن فقد انشغلت النخبة اليسارية وأشغلت معها الرأي العام المصري بقضايا هامشية وحصلت في المقابل على الكثير من التمويل الأجنبي من أجل المساهمة بهذه الصراعات غير محسومة النتائج ، واستغرقت في العديد من المطالبات البعيدة عن ذهن الإنسان المصري العادي والتي في حالة تحققها لم يكن ليتمكن من الاستفادة منها . ومع استغراقها في هذه القضايا أصبحت منعزلة تماماً عن واقع الحياة لدى الطبقات الاجتماعية التي من المفترض أن تقوم بدور القاطرة لتوعيتها وقيادتها للمطالبة بحقوقها والثورة ضد ما تعانيه من استغلال (تعبير القاطرة للرفيق تشارو مازومدار) . أصبحت بكل بساطة نخبة بلا جماهير ، وتحولت معها الماركسية من أيدلوجية الطبقة العاملة إلى نوع من البرجوازية المبتذلة وعلامة تميز لنخبة تحتقر عقائد المصريين وتراثهم وانماط حياتهم وتتعالى عليهم في ممارساتها اليومية ، قبل أن تدعي بجرأة وقحة المطالبة بحقوقهم ، بل تم اختزال كل منجزات ماركس وأنجلز ومن جاء بعدهما في نطاق المقولات الإلحادية ، بحيث لم يعد يعرف من كلمات لماركس سوى مقولة ” الدين أفيون الشعوب ” المنزوعة تماماً من سياقها التاريخي .

  الحركات الاحتجاجية 

في شهر سبتمبر من العام 2004 تم الإعلان عن تأسيس ” الحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) ” ، والتي تشكلت من 300 شخصية من النخبة ما بين مثقفين وأساتذة جامعات ومحامين ، مثلوا جميع أنواع الطيف السياسي المصري من يساريين وإسلاميين وقوميين ، على أن مشاركة ماركسيين في تأسيسها لم يمنع من أنها قامت بناء على التعريف الليبرالي للحركات الاحتجاجية والذي يرى أنها : ” سلسلة متعاقبة من الجهود التي يقوم بها عدد كبير من الأفراد يهدفون إلى إحداث التغيير الاجتماعي ، وهو جهد ضعيف تنظيمياً ، ولكنه يتسم بالإصرار على دعم هدف جماعي مؤداه إما تحقيق أو منع ما في بنية المجتمع ونظام القيم السائد ” . وبديهي أن الحركة بطريقة تشكيلها وبرنامجها المحدود للغاية كانت بعيدة تماماً عن التعريف الماركسي للحركات والذي يرى أنها : ” التحرك الجماهيري الذي ينشأ نتيجة للصراع الطبقي بهدف تغيير الأوضاع القائمة ” .

ولم تكن الحركة معبراً عن تحرك جماهيري ، وإنما عبرت عن تحرك نخبوي تماماً ، في الوقت الذي عبر برنامجها عن مصالح البرجوازية الوسطى ويمين البرجوازية الصغيرة (بحسب تعريف ماوتسي تونغ) ، التي تضررت وتضاءل اقتصادياً نصيبها من التواجد على الساحة السياسية في هذه الفترة وما بعدها ، وقد تلخصت أهم مطالبها في التالي : ” عدم تجديد ولاية الرئيس مبارك ، وعدم توريث ابنه جمال الحكم ، تحت شعار (لا للتمديد ، لا للتوريث) ؛ كما تهدف إلى إجراء إصلاح شامل : سياسي واقتصادي ودستوري لإزالة الاستبداد الذي لحقت آثاره بالمجتمع المصري ، سواء من خلال إلغاء احتكار السلطة ، إلى المطالبة بسيادة القانون والمشروعية واستقلال القضاء ، إلى جانب المطالبة بإنهاء احتكار الثروة الذي أدى إلى شيوع الفساد وتفشي البطالة والغلاء ” . بينما لم تشر الحركة أبداً إلى أوضاع العمال وفقراء الفلاحين ويسار البرجوازية الصغيرة وهي الطبقات التي عانت أكثر من غيرها خلال حكم ومبارك .

إن ظهور الحركات الاحتجاجية في مصر مثل ذروة إنتاج منظمات المجتمع المدني ، وبالرغم من أن مبارك كان قد نجح في قتل كل نشاط سياسي ممكن خلال فترة التسعينات وبداية الألفية الجديدة ، فقد ترك بعض المجال لهذه الحركات الاحتجاجية الجديدة كي تشغل الساحة المصرية بقضايا فوقية لم تؤد في جوهرها إلى أي تقدم على أرض الواقع بقدر ما أدت إلى بعض من تبييض وجه النظام واستمراره في استكمال مشروعاته لاحتكار الثروة وإفقار الطبقات الكادحة وتهميشها .

هكذا كانت حركة (كفاية) وغيرها من الحركات التي نشأت خلال العقد الأول من القرن الجديد أو التي خرجت من رحم حركة كفاية كحركة 6 أبريل ، وبالرغم من أن الأخيرة تميزت بالتواصل النشط مع الأجيال الجديدة أكثر من سابقتها ، فإنها قامت بدور سلبي للغاية في تسطيح وعيها عبر اختزالها للمشكلة التي تعانيها مصر في شخص مبارك وليس في الطبقة الرأسمالية الطفيلية المسيطرة ، ثم تحويله إلى صراع بين ما هو مدني وما هو عسكري وليس صراعاً طبقياً ، ولم تجد كل هذه الحركات أي إشكال في ضم عناصر من الإسلامويين لصفوفها رغم أن مشروعهم لا يختلف عن مشروع مبارك سوى في المظهر الديني بل ربما يفوقونه سوءاً في تعصبهم الصريح والمعلن ضد كل مخالفيهم .

إن ما جمع بين كل هذه الحركات هو تبنيها لأفكار ما بعد الحداثة والتي تمت صياغتها في محاولة للقضاء على أي أيدلوجية يمكنها أن تهدد سيطرة الرأسمالية ، وكان قبول الحركات الاحتجاجية بهذه الأفكار يعني كونها جزءاً من هذه السيطرة الرأسمالية وتخليها عن صياغة مشروع بديل للنظام القائم وافتقادها للرؤية والنهج ، وبالتالي فعندما أصبح مبارك غير قادر على تقديم المزيد وصارت هناك ضرورة لاستبداله ، وأتيح لهذه الحركات قيادة الجماهير الساخطة ضد مبارك لإزاحته ، برز بوضوح مدى ضحالتها وعدم قدرتها وعيها بطبيعة وحقيقة الصراع ، واقتصرت رؤيتها الثورية المزعومة على السعي لتحطيم مؤسسات الدولة المصرية والعداء للجيش مما أفقدها الشرعية أمام الجماهير التي لم تفقد الحس الوطني رغم معاناتها .

كان تواجد رئيس جمهورية إسلاموي تكفيري كمحمد مرسي يزهو أمام الكاميرات برجعيته المفرطة واقصائيته ولا يحمل من المؤهلات سوى كونه مدنياً في مواجهة مرشح ذو خلفية عسكرية ، نتيجة اعتبرها المصريون كارثية ، كون هذا الرئيس يحمل كل سلبيات الفترة السابقة منذ عام 1970 وحتى عام 2011 والتي تم فيها تجريف كل أثر حضاري حققته مصر في تاريخها ، لكنه فقط رئيس مدني تم انتخابه حتى يمكن معارضته كما قال أحد مثقفي المرحلة ، دون الإشارة إلى الكيفية التي يمكن بها معارضة رئيس تكفيري بصورة علنية لا يرى الحقيقة سوى في تعاليم جماعته الوظيفية .

إن الملاحظة الأساسية تتمثل في الضعف الذي انتاب الحركات الاحتجاجية منذ نجاحها في تحريض الجماهير على إنتخاب مرشح الإخوان المسلمين وإيصالح للحكم ، وبهذه النتيجة بدى أن مهمتها الحقيقية في تفكيك الدولة المصرية ، التي كانت مترهلة ورخوة أصلاً منذ عهد السادات ، تلك المهمة قد تحققت ودون أي صياغة بديلة لإعادة بنائها ، مما أثار فوضى عارمة ليس في الشارع المصري فقط ولكن داخل مؤسسات الدولة ذاتها مازالت تعاني منها مصر حتى الآن ، وهو ما جعلها عاجزة عن أي تدخل أو حتى إثارة المشكلات أمام المشروع الأمريكي لتفكيك الدولتين السورية والعراقية بالإضافة لليبيا واليمن وربما لاحقاً الجزائر ، وهي الدول التي يمثل استقرارها وقوتها جزءاً من الأمن القومي المصري .

في هذه الندوة النخبوية للغاية ، طرح تساؤلاً أساسياً في كل المداخلات عن الحركات الاحتجاجية وهو : هل يمكن لهذه الحركات العودة لصدارة المشهد مرة أخرى ؟

إن الإجابة على هذا التساؤل تبدو واضحة الآن بالنسبة للدول التي نجحت فيها بالفعل في إسقاط النظم القائمة كمصر وتونس أو في محاولة تفكيك مؤسساتها والقضاء على وحدتها السياسية كسوريا والعراق وليبيا ، فهذه الحركات أدت بالفعل دورها سواء في إثارة أكبر قدر من الفوضى ، أو في تزييف وعي هذا الجيل عبر إقناعه بتجاوز الأيدلوجيات وكونها صارت من الماضي وكلا المهمتين الفوضى وتزييف الوعي الاجتماعي كانتا ما تحتاجه الرأسمالية لا أكثر ، وبالتالي فقد رفعت عنها الحصانة الدولية التي دعمتها في يناير 2011 .

أما على المستوى الجماهيري والتي دائماً ما تسأل عن البديل ، فإن تجربتها مع هذه الحركات لم تؤد إلى نتيجة حقيقية كي تستجيب لها مرة أخرى إلا لو قامت هذه الحركات بتبني أيدلوجية واضحة وهنا ستخرج من إطار التعريف الليبرالي للحركات الاحتجاجية مما سيفقدها بقايا الدعم الغربي .

إن المتوقع الوحيد خلال الفترة القادمة هو السعي لتمييع لإيجاد صيغة جديدة يمكن بها مواصلة تمييع الصراع الطبقي مرة أخرى وممارسة تخريب أكبر للأجيال اللاحقة تنتج جعجعات وهتافات لمتانقي المجتمع المدني وتكون أهم مميزاتها السطحية والضحالة عن عمد .

احمد صبري علي

اترك تعليقا