الرئيسية » حضاريات » السياحةٌ في عالَم معنى جلال الدين الرومي (في أفق الإيمان الديني) 

السياحةٌ في عالَم معنى جلال الدين الرومي (في أفق الإيمان الديني) 

عبدالجبار الرفاعي
بعد مضي سبع سنوات تقريباً على زيارتي السابقة، زرتُ اسطنبولَ مرة أخرى، ومكثتُ فيها مدةً تقارب عشرةَ أيام. أول ما أنعشني فيها الطقسُ الذي يبلغ التفاوتُ بينه ولهيبِ القيظ ببغداد ما يزيد على عشرين درجة. لا تتخطى درجةُ الحرارة الثلاثين نهاراً في هذه المدينة، وتلبثُ في حدود العشرين ليلاً، هواءٌ لذيذٌ، مشبعٌ برطوبة ليست خانقةً كما هي معظمُ المدن الساحلية والمناطق المشاطئة للمساحات المائية الواسعة.
  كلّ مرة ألمح في هذه المدينة العريقة في ماضيها، آفاقاً تضيء الذاكرةَ بالفنون البيزنطية والإسلامية، وتتردّد فيها أصداءُ آلاف المنائر المهيبة للمساجد، وفرادةُ أنماط عمارتها، وكيف يتناغم فيها إيقاعُ فنون بيزنطة المسيحية بموازاة الفنون التركية الإسلامية.
  اسطنبول من أجمل المدن التي رأيتُ، أقرأ في وجوهها لغةَ الشرق تتحدّث للغرب، ولغةَ الغرب تتحدّث للشرق. وأستمع إلى صوتها وهو ينشد ماضيَ الشرق في الغرب وحاضرَ الغرب في الشرق. إنها مدينةٌ عنيدةٌ صمدتْ في وجه أعاصير عاتية وحروب مهولة، وظلتْ على الدوام تنتفضُ من رماد حروبها وزلازلها ومواجعها، لا تربكها ذاكرتُها الحزينة، ولا تغرقها بالأسى دموعُ جراحها. كلّ مرة أزورها أجدها مدينةً مولعةً بالبناء، وتجديدِ حياتها، وإضاءةِ دروب تقدّمها.
  اسطنبولُ مدينةٌ تحتفي بجمال طبيعتها، وتشرق بالإيقاع الموسيقي المتناغم لأنماط عمارتها، وتشمخُ بجلال جوامعها، وكأنّ منائرَ هذه الجوامع تروي حكايةَ ضمير اسطنبول وقصةَ صمودها عبر التاريخ، إذ تهيمن الجوامعُ ومنائرُها على اسطنبول، وهي تجلس على قمم تلالها السبعة.
  لو غضضنا النظرَ عن استبدادِ كمال أتاتورك، على الرغم من أني أمقتُ الاستبدادَ، وأعمل على مقاومته بكلّ أشكاله وأقنعته وتعبيراته الدينية والسياسية والاجتماعية التي يختبئُ خلفها، لكن لولاه لما استطاع حكّامُ تركيا من بعده بناءَ أيّ شيء، إذ يبتني كلُّ بناء على بنية تحتية، وقد استطاع أتاتورك خلقَ بنية عميقة صلبة لدولة حديثة على أشلاء الامبراطورية العثمانية العتيقة المريضة المتفسّخة.
  في زياراتي للبلدان الحديثة أجدها مولعةً بالذاكرة المُلهِمة، وتحرص على محو بقايا الذاكرة القاتلة، في حين نحن مولعون بالذاكرةِ القاتلة، ونهمل الذاكرةَ المُلهِمة. كلما غبتُ عن بلد عدةَ سنوات وجدتُه يتقدّم إلّا بلدي الذي غبتُ عنه ربع قرن فوجدتُه قد خرج من العصر، وارتدَّ لعصورِ الانحطاط، ومرحلةِ ما قبل الدولة، ومازال ينوءُ بأثقاله وأغلاله التي ورثها من الصحراء. ولعله سيلبثُ طويلاً لا يشغله إلا إعادةُ تكوين قبائله، من دون أنْ يدركَ حاضرَه أو يغادرَ ماضيه إلى مستقبله. لم تؤسّس البلدانُ دولَها الحديثة إلّا بعد أن أدركتْ أن الدولةَ ظاهرةٌ مجتمعيةٌ تعبّر عن مرحلةٍ متقدّمةٍ من تطور الوعي البشري، وأنها خلاصةُ تجليات العقل، وعصارةُ خبرات الإنسان في تاريخه الطويل.
 الدولةُ الحديثة لا يبنيها إلّا الخبراء. مادام الخبراءُ ببناء الدولة خارجَ إدارة الدولة في بلادنا، والمسؤولياتُ الكبرى في الوظائف التخصّصية تُعهد لغير ذوي الاختصاص، فلن نستطيع الشروعَ بالخطوة الأولى نحو الدولة.
  أقمتُ في منطقة سلطان أحمد في إسطنبول، على مسافة 300 م عن الجامع الكبير الذي يحمل اسمَ هذا السلطان العثماني، والرابضِ على مسافة قريبة جداً مقابل كنيسة أيا صوفيا، وهي كنيسة بدأ الإمبراطور جوستنيان ببنائها عام 532م، واستغرق بناؤها حوالي خمسَ سنوات، حيث تم افتتاحُها رسمياً عام 537م.
 تجذبني في كلّ مدينة أزورها المتاحفُ والمكتباتُ والمناطقُ الأثرية والمساجدُ والكنائسُ والمعابدُ القديمة، وعادةً ما تتجدّد زيارتي لها كلّما زرتُ المدينةَ مجدّداً، وغالباً ما يضجر من يرافقني من هذه العادات التي تأكل الوقتَ كلَّه، ولا تدع فائضاً منه للاستجمام والتسوّق.
  زرتُ من قبل كنيسةَ أيا صوفيا والجامعَ الأزرق “جامع السلطان أحمد”، ثم كرّرتُ زيارةَ هذه الكنيسةَ والجامعَ هذه المرة، ومن الغريب أني كلّما زرتُ أماكن عبادة عظيمة، بناها أباطرةٌ أو سلاطينُ أو ملوك، تملكتني مشاعرُ متناقضة، فتارة أتفاعل مع جمالِها وجلالِها وبراعةِ المعمار الذي أشاد بناءَها وابتكر طرازَها الفريد، وربما استحضر شيئاً من حالاتِ الروح لمن أدمن الارتياضَ الروحي والصلاةَ والتهجّدَ فيها، وتارة أشعر بالألم والحسرة الموجعة، لحظة أتذكر آلافَ العمال البؤساء، ممن سخّرهم الحكّامُ بالإكراه لبناء بيوت العبادة هذه. ترتسم أمامي صورٌ مفزعة لكيفية طحنِ ضلوع بعضهم، ودفنِ جماجمهم تحت كتل حجارتها المهولة، وكأني أصغي لزفراتهم وأنينهم حين نقلوا تلك الحجارةَ بطرق بدائية قبل اكتشاف الآلات الحديثة لنقل الكتل الثقيلة.
  تحضرني في مثل هذه المواقف الفتوى الأخلاقيةُ المنسوبةُ لبعض متصوّفة المعتزلة، ممن قالوا ببطلان الصلاة في مدينة بغداد، بعد أن أسّسها أبو جعفر المنصور، بوصف الصلاة باطلةً في كلّ أرض مغصوبة، وكان المنصور، كما يقال، قد اغتصب هذه الأرضَ من مالكيها من دون أن يعوضهم بشيء.
  وما زلنا حتى اليوم نصلي في جوامع بناها ملوكٌ وحكّامٌ غاشمون، ونحن لا ندري كيف تمّ بناؤُها، ومن هو مالكُ أرضِها قبل أن يغتصبها الحاكم، وما مصدرُ الأموال الوفيرة لتشييدها، وهل بناءُ جامع أهمّ من إطعام جائع، وهل يجوز اختطافُ لقمة من فم جائع لبناء جامع، مثلما كان يفعل صدام حسين أيام الحصار المرير في تسعينيات القرن الماضي، ففي لحظة بناء جوامعه العملاقة وقصوره الباذخة كان يسقط عراقيون صرعى من الجوع والمرض بجوارهما، ويغرق كثيرٌ منهم في البؤس والفاقة؟!
 كم في حياتنا من خداع تمارسه سلطاتٌ مختلفة، تحترف التمويهَ، وتبرع في التزوير. كثيرٌ من السلطات في بلادنا لو أرادت تمريرَ فعل يرفضه الناسُ عملتْ على إلباسه رداءً مضادّاً لمضمونه، فطالما ارتدتْ صورةَ المقدّس بغيةَ إخفاء المدنّس، والتقوى بغيةَ إخفاء الخديعة، والورعَ بغيةَ إخفاء اللصوصية، والقانونَ بغيةَ إخفاء الفوضى، والعدالةَ بغيةَ إخفاء الظلم، والدولةَ بغيةَ إخفاء القبيلة، والوطنَ بغيةَ إخفاء العائلة.
  وفي صراع الحكومات والجماعات الدينية على احتكار المال والثروة والسلطة خرجَ كثيرٌ من المساجد والأضرحة والمقامات والطقوس والشعائر من وظيفته الدينية، وتم توظيفُ العديد منها سياسياً، فأصبح مادةً أساسيةً في ستراتيجيات الهيمنة والسلطة. كذلك صارتْ أكثرُ هذه الأماكن مثابةً للسياحة، وأضحتْ تؤدي وظيفةً اقتصاديةً تتحكّم فيها معادلاتُ المال والسوق.
هوية المكان
الأماكنُ المشبعةُ بالمعنى عميقةٌ متعدّدةُ الطبقات بطبيعتها، يحتاج التعرّفُ عليها إلى منقّب ماهر، لا يملّ من الحفر في طبقاتها، لذلك لا تكفي زيارةٌ واحدة لاكتشاف مدياتها، ففي كلّ زيارة تتحدّث طبقةٌ فيها لم تتحدّث من قبل، وقد تتكرّر اكتشافاتُها كلّما تكرّرتْ زياراتُها.
المكانُ نصٌّ، فكما يكون بعضُ النصوص هشّا متشظّيا باهتا لا يدلي
 بدلالات متعدّدة، يكون بعضُها مكثّفا رؤيويا مضيئا، كذلك الأماكن، بعضُها هشٌّ مسطّحٌ باهتٌ بلا ملامح، وبعضُها الآخر يغمرك بحضوره الطاغي، إنها كالشلال الذي لا يكفّ عن التدفق، ولا تنضب طاقتُه المتجدّدةُ لتوالد المعنى، ولا تستنفد التفسيراتُ مدلولاتِه، مهما برع المفسّرون في تأويلِه والغوصِ في طبقاته.
الأماكنُ ليست أشياء ميتة أو جامدة أو محايدة أو صامتة، إنها تتحدّث إلينا بلغتها الخاصة، لكلّ مكان شفراتُه وأسرارُ لغته، فلو أتقن الزائرُ قراءةَ شفراتِ لغةِ المكان لأمكنه فتحَ خزائن أسراره. إنها بمثابة القيثارة الصامتة التي لا تبوح بأنغامها إلّا للخبير الذي يجيد العزفَ على أوتارها.
الزيارات الهامشية للأماكن لا تهبُ الإنسان شيئاً، الأماكنُ تحتاج منا أن نتوغلَ في أغوارها كي نعطيها وتعطينا، وتودعنا شيئاً من معانيها ونودعها شيئاً من أنفسنا، وننتمي اليها بقدر ما تنتمي هي إلينا. الأماكنُ نحييها فتحيينا، نسكنها فتسكننا، نلهمها فتلهمنا. للمكان روحٌ يمنح بعضاً منها لكلّ إنسان على شاكلته، مثلما يمنح كلُّ إنسان الأماكنَ بعضاً من روحه على شاكلتها.
  اللقاءُ المباشر بالأماكن، والتعرّف الشخصي عليها، يُمكّن الإنسانَ من اكتشاف أسرارها، ويمنحه متعةَ الاحتفاء بها. فقد يستمع الإنسانُ في مكان ما إلى لحن ينشد أشواقَ روحه، عندما يجد ذلك المكان يتحدّث إليه بلغته. لا يحتفي المكانُ بلقاء الإنسان إلّا حين يشعر بأنه هو أيضاً يحتفي بلقائه.
  حين يقرأ الإنسانُ ما تكتنزه الأماكنُ من دلالات، ويبرع في تفسّيرها، يجدها تستحثّ ذاكرتَه،  وكأنها مرايا ينعكس عليها شيءٌ من ملامح صورته، أو لعله يتحسّس فيها تمثلاً رمزيا يروي له شيئاً من حكايات سيرته، وربما يجد بعضَ محطات سيرته تحكي حكاياتها.
  ومع أن هذه الأماكن تبدو بنظرة سطحية صامتة، لكن لو تبصّرناها بنظرة متريثة نراها تقول لنا ما لا يُقال في الأوراق والكتب. وذلك ضربٌ من القول لا نمتلكه بالقراءة أو بتلقين وإملاء.
بعضُ الأماكن، كضريح جلال الدين الرومي، صارت بمرور الزمان موطناً للمعنى، فما أن تُدفنَ في مكان ما شخصيةٌ روحيةٌ مُلهِمةٌ حتى تهفو اليه أرواحُ المريدين فتهبط في فنائه وتتخذه موطناً، توقاً لأن يسقي الروحَ شرابُها الذي تهفو إليه، ويفيض عليها شرابَ سكينته وطمأنينته وسلامه. مثلُ هذه الأماكن يتكرّس رصيدُها على الدوام بالمعنى بفضل شخصيات مُلهِمة تتخذها أرواحُها وطناً، فتسمو بالمكان وتثريه بإلهامات الروح وجذوتها التي لا نجدها في أماكن أخرى.
مَنْ يستبدُّ به الحزنُ لا يليقُ بمائدةِ الحق
لم أكن متأكداً من زيارة ضريح جلال الدين الرومي مجدّداً، بعد زيارتي إياه في ديسمبر 2010، لكني أتذوّقُ معاني في بعض الأماكن وأصغي لنبرة صوت إلهي لا أجدها في سواها. تجربتي الماضية “في حضرة مولانا”  وضعتني عند أحد أغنى منابع إرواء ظمأ الروح وأثراها.
أدركتُ لحظةَ وصولي اسطنبول أن صوتَ مولانا يناديني، ولا يكفّ عن الحضور العميق في وجداني، وكأن هاتفاً يهتف بي أن اسرعْ للقاء صديقِ الروح جلال الدين الرومي بقونيه، وكأني ألتقط من نبرة صوتِه ما هو مضمرٌ من عتَب رقيق خفيّ، أنْ كيف أكون على مقربة منه دون أن أسعى للقائه.
  شعرتُ بأني إن لم أذهب سأخسر معنى روحيا كبيرا قلما أظفر به في أماكن أخرى. جلال الدين الرومي وزملاؤه كأبي يزيد البسطامي والحلاج والنفّري ومحيي الدين بن عربي حرّروا الدينَ من مضايقِ أفق المتكلمين الذي وضع عقلَ المسلم داخلَ أسوار مقفلة، ودينِ الفقهاء الذي وضع كلَّ قول وفعل في حياة المسلم تحت وصايتهم داخل دائرة مغلقة، وجعل الروحَ تختنق فتستغيث من أعباء تحريمات لا تعبّر عن روح الشريعة، مثل تحريم أكثر أشكال الفنون الجميلة. وعلى الرغم من أن تلك التحريمات لم تردْ في آيات القرآن الكريم أو في أدلة أخرى معتبرة، لكنها تصادر على الإنسان الاستمتاعَ بكل ألوان التعبيرات الجمالية في العالم، التي هي من الحاجات الأساسية لكلّ كائن بشري، فهو يحتاجها كما يحتاج الخبزَ والماءَ. حاجةُ الإنسان للجمال كحاجته للأمن والحب والاعتراف، لذلك قادَ الموقفُ التحريمي من الجمال وأشكال الفنون كافة كثيرا من الناس للهروب من الدين.
  زيارةُ جلال الدين حسب خبرتي السابقة ضربٌ من السياحة في عوالم المعنى، واقتباسٌ لضوء يشرق على روحٍ حزينة، قلّما يشرق عليها في أماكن أخرى. أنا كائن يباغتني حزنٌ وقلق وجودي، لا أعرف منابعَهما، ربما ينبعان من جروح طفولتي، وتشرّدي في فتوتي، ربما ينبعان من انطفاءِ أوهامي، وتبدّد أغلب أحلامي ووثوقياتي التي كنتُ أخالها حقائقَ نهائية في مراهقتي.
لم يخفّف حزني وقلقي الوجودي ويبدّد ظلامَ روحي سوى وصالي مع الحق وزياراتي لبيت الله والمشاهد المقدّسة، فقد حضرتُ 16 مرةً مواسمَ البيت الحرام في مكة حاجّاً ومعتمراً، وإن كان الإيقاعُ الروحي لهذا الحضور ظلّ يتراجع ويخبو في روحي بالتدريج عاماً بعد عام، ربما أثر غرقي بتطبيق تفاصيل فتاوى تشدّد على ضرورة الالتزام بالشكل حرفياً في مدونة فقه الحج، وتهمل المعنى الذي تبوح به المناسك، فقد أطفأتْ تلك التفاصيلُ الفقهية الجزئية الدقيقة جذوةَ الحج، وفرّغت مناسكَه من أثرها الفاعل في إيقاظ الروح. وربما اثر محوِ الصور الأثرية التاريخية للبيت الحرام والمعالم العتيقة، وطمسِ كلّ ما ينتمي للنبع المقدّس في مشاعر الحج بعبث البناء الحديث وكتل الخرسانة الميتة، فلم تعد هناك ثيمةٌ روحية موحية تنتمي لذاكرة الحج الموغلة في الماضي، بسبب العمل بفتاوى متشدّدة ترى في كلّ احتفاءٍ بأثرٍ مادي ينتمي لماضي الرسالة ضرباً من الوثنية، مضافاً إلى جشع رأس المال وتوحشه الذي لا يعبأ باحتياجات الروح ولا يحتفي بأيّ شيء آخر سوى الربح المادي. وربما لأننا نرهق الأماكنَ بمتطلبات يتعذّر عليها الوفاءُ بها، بعد أن نتلاعبَ بهويتها الروحية، فنختزلها في مكاسبها الاقتصادية فقط. وربما لأن الاكتشافَ يحدث مرةً واحدة، ونحن دائما نفتّش عن الجديد في طبقةِ المكان ذاتِها من دون أن نسعى لاكتشاف طبقات أعمق. وربما لأن المكانَ بات غريبا علينا ونحن غرباء عليه، فلم يعد يتحدّث إلينا بلغة نلتقط إشاراتِها، ولم نعد نحن نتحدّث إليه بلغة يلتقط هو إشاراتِها.
   ألهمتني زيارتي السابقةُ لجلال الدين الرومي الكثيرَ من الثقة بقدرة الدين على إرواء الظمأ الأنطولوجي للمقدّس، والذي لم تعدْ معظمُ دراساتي وممارساتي الماضية تفي بها. فقد اكتشفتُ في مفهوم الدين لدى مولانا الرومي ما كنتُ أبحث عنه من منابع إلهام الروح لكني لم أعثر إلّا على ملامح باهتة له في مدونتَي المتكلمين والفقهاء، حتى ظننتُ أن الدينَ ضنينٌ بذلك.
وجدتُ في مفهومه ديناً لا يكره الحياة، ديناً لا يخافُ الفنَ، ديناً لا يزدري الفرحَ. دينُ جلال الدين هو دينُ التضامن ضدّ الدعوة للموت بكلّ أشكالها، دينٌ ليس على الضدّ من الطبيعة البشرية، دينٌ يدعو للابتهاج، دينٌ يحتفي بالمسرات، دينٌ مادتُه المحبة، دينٌ يهمّه تطهيرُ القلب من الحقد وجعلُه مفتاحًا لطهارة الإنسان، دينٌ يرسم بوصلتَه جلالُ الدين الرومي بقوله: “توضأ بالمحبة قبل الماء، فإن الصلاة بقلب حاقد لا تجوز”.
أظن أن حضورَ الميراث الروحي للرومي هزم الفهمَ العنيفَ لدين البادية السلفي المولع بالموت، ولم يجد الفهمُ الآخر المسكونُ بالحزن فضاءً له يتنفّس فيه في “حضرة مولانا”، حيث تملأ روحَ الزائر أنغامُ صوت الناي الموحية التي لا تكفّ عن التدفق. جلالُ الدين الرومي يوصي زائريه: “أَيْ أخي؛ عندما تأتي لزيارةِ قبري، سيظهرُ لكَ قبري المسقوفُ راقصاً، لا تأتِ لقبري من دونِ دَفّ، لأنَّ مَنْ يستبدُّ به الحزنُ لا يليقُ بمائدةِ الحق”.
بعد هذا الحديث ربما يظنُّ بعضُ القراء أن جلالَ الدين الرومي وغيرَهُ من العرفاء ينظرون للكائن البشري نظرةً رومانسيةً حالمةً، لا تعرفُ شيئاً عن طبيعةِ هذا الكائن فتحسب كلَّ إنسان يعيشُ حالةَ طُهرٍ ملائكية، لكن من يقرأُ آثارَهم بتدبرٍ يرى أنهم كما كانوا خبراء بحالاتِ الروح ومكاشفتِها كانوا خبراء بحالاتِ النفس وأنفعالاتِها أيضاً، ففي نصوصهم ما يشي بتحليلٍ عميقٍ لطبيعة النفس البشرية، وبصيرةٍ نافذةٍ لما يختبيءُ فيها من آلام ومواجع وعُقَد، لذلك كان جلالُ الدين وأسلافُه العرفاء يعترفون بأن الخطيئةَ من طبيعة الإنسان، إذ مادام الإنسانُ يعيش في الأرض فهو ينوءُ بأثقالها، ويتعذّرُ عليه أن يتعالى على أطيانها، لكنهم مع كلّ ذلك كانوا يثقون برحمة الله ثقةً لا حدود لها، ويرون أنها تتسع لأولئك الخاطئين الذين يعفو اللهُ عنهم لو ساروا إليه في أي وقت يشاؤون، لذلك يوصي جلالُ الدين كلَّ إنسان بأن يسافر إلى الله مهما كانت خطاياه، لأنه كما يرى: “لَمْ يَكُن أبداً من شروط السير إلى الله أن تكون في حالة طُهرٍ ملائكية. سِر إليه بأثقالِ طينك، فهو يحبُ قدومَك عليه ولو حَبواً”.

اترك تعليقا