الرئيسية » أخبار المجموعة » “الجوهر الأوراسي للحضارة الروسية”. كلمة فنيامين بوبوف في منتدى “بيتنا أوراسيا” – مجموعة الرؤية الاستراتيجية “روسيا – العالم الإسلامي”
"الجوهر الأوراسي للحضارة الروسية". كلمة فنيامين بوبوف في منتدى "بيتنا أوراسيا" - مجموعة الرؤية الاستراتيجية "روسيا - العالم الإسلامي"

“الجوهر الأوراسي للحضارة الروسية”. كلمة فنيامين بوبوف في منتدى “بيتنا أوراسيا” – مجموعة الرؤية الاستراتيجية “روسيا – العالم الإسلامي”

1-10-2018

لا تتوقف النقاشات في أي بيئة فكرية وخصوصا في روسيا كما جرى التقليد، حول السؤال القديم: من نحن، ولماذا أتينا إلى هذا العالم، وما الذي يجب أن نتركه للأبناء والأحفاد. وفي الآونة الأخيرة، أصبحت هذه النقاشات أكثر حدة: وربما يكون مرد ذلك إلى أن الحاجة زادت اليوم، في هذا الوقت الذي أصبح معقداً، إلى إدراك الحقيقة وفهم مغزى العدالة. وهنا يتركز الاهتمام شئنا أم أبينا على موضوع الهوية الروسية، وهو جوهر الدولة الروسية الحديثة.

لقد جعلت الأقدار روسيا عند مفترق طرق الحضارات العالمية بين أوروبا وآسيا: فثلثها في أوروبا، وثلثاها في آسيا، ولذا تكونت بفعل المعايير الجغرافية والتاريخية والديموغرافية والثقافية وحدة متكاملة من مختلف الأقوام والقوميات والأعراق والمعتقدات في الجانبين الغربي والشرقي فريدة من نوعها متعددة الأعراق والأديان والطوائف. وكان هناك انصهار في بوتقة واحدة للشعب الروسي مع مجموعات أخرى من السلاف الشرقيين، ومع شعوب الأورال، وشعوب المجموعة الفنلندية الأوغَرية، والعائلات اللغوية الأخرى في مناطق ألطاي، والشعوب التركية، وشعوب القوقاز في غرب ووسط آسيا الشرقية، وثقافة المحيط الهادئ. وعلى صعيد المعتقد الديني الطائفي، كان هناك تفاعل الأرثوذكسية في الغرب مع الكاثوليكية والبروتستانتية وفي الشرق مع الإسلام والبوذية واللامية وكذلك مع الوثنية، والعديد من المعتقدات المحلية لشعوب الشمال الأقصى. وهكذا، برزت روسيا على مر التاريخ باعتبارها حضارة أوروآسيوية مستقلة فريدة من نوعها.

لقد كان ممكنا مدى عدة عقود تتبع صراع اتجاهين اثنين في المجتمع الروسي بوضوح: ما يسمى أنصار القومية السلافية وأنصار الغربنة. وكان الجدل حاداً للغاية أحياناً بينهما، وربما كانت للمشاركين أسماء أخرى، ولكن هذا لم يغير شيئا في جوهر الأمر. على سبيل المثال، الأكاديمي ليخاتشوف الذي يحترمه ويجله الجميع انطلق بقوة وصلابة من أن روسيا جزء من أوروبا. وفي كثير من الأحيان، كان الجدال بين وجهة نظر وأخرى يدعّم بحجج إيديولوجية بحتة، وأحيانًا متخذة طابعاً انتهازياً.

لقد تحدثت للمرة الأولى عن الطابع الأوراسي للحضارة الروسية حركة المفكرين والمهاجرين الروس الذين غادروا البلاد بعد ثورة أكتوبر.

ويمكننا أن نقول بعد تبسيط الترسانة الكبيرة من الحجج والأدلة بعض الشيء إن أساس كياننا ودولتنا كان بالنسبة لهم توحيد العناصر الطورانية (نقول اليوم الإسلامية) والأرثوذكسية.

وثمة ممثلان بارزان لهذا الاتجاه هما الأميران تروبِتسكوي وسافيتسكي.

كما سمى نفسه كآخر الأوراسيين عالِمنا الموقر غوميليوف.

في الآونة الأخيرة، انتشرت أعمال هؤلاء المفكرين على نطاق واسع، وإني أود أن ألفت الانتباه إلى عالم آخر من أهل التنوير هو إسماعيل غاسبرينسكي، احد المنظرين الرئيسيين للإسلام في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، هذا الذي سماه معاصروه بـ “الرجل الذي أيقظ العالم التركي بأسره.”

غالبا ما كان غاسبرينسكي يطلق على نفسه اسم الروسي (هو، بالمناسبة، كان بعض الوقت سكرتيراً للكاتب تورغينيف) إلا أن هذا لم يكن يمنعه من أن يبقى مسلماً، وهو سليل عائلة تتار القرم النبيلة التي تعود إلى أزمنة القبيلة الذهبية.

يكشف إسماعيل غاسبرينسكي في كتابات له، مثل “اتفاقية شرق روسيا” و”الإسلام الروسي” النقاب عن جوهر الحضارة الروسية كحضارة أوراسية تجمع بين ميزات كل من الأرثوذكسية والإسلام، مع التركيز على التقارب الطبيعي للشعوب الأرثوذكسية والإسلامية المشروط تاريخيا بقرون من العيش معا داخل منطقة جغراسياسية مشتركة وبتداخل مصالح الشعوب التركية، وعلى نطاق أوسع، الشعوب الإسلامية مع تطلعات الإمبراطورية الروسية. فيقول: “العالم الروسي الإسلامي … امتد من شواطئ المحيط المتجمد الشمالي، إلى أعماق أفريقيا ما وراء خط الاستواء في اتجاه من اتجاهاته ومن حدود بحر البلطيق والبحر الأدرياتيكي إلى سور الصين العظيم وبحار الهند الصينية – في الاتجاه الآخر … فالعالم الروسي الإسلامي يقع في الأجزاء الوسطى من نصفي الكرة الأرضية عند مفترق جميع الطرق والعلاقات التجارية والثقافية والسياسية والعسكرية بين العالمين الأوروبي والمنغولي”[1].

كان غاسبرينسكي على قناعة بأن اتحاد الإسلام الروسي مع الشعب الأرثوذكسي الروسي سيعطي زخما جديدا للحضارة الإسلامية الإبداعية ككل، ووهو ما بدوره سوف يمهد طريق روسيا إلى كل الشرق المسلم. كتب غاسبرينسكي: “دعونا نتصور أن روسيا انخرطت في علاقة ودية وصادقة مع تركيا وبلاد فارس. هذه الصداقة ستتأثر بها تأثراً كبيراً للغاية العلاقات مع مصر والعالم العربي كله من جهة ومع أفغانستان والعالم الهندي المسلم – من جهة أخرى (73-74) [2]. هذه الأفكار تبدو على نفس النغمة الوطنية الأخلاقية العالية التي تميز كلمات فلاديمير بوتين (في ماليزيا في أكتوبر 2003) وهي أن “روسيا متشابكة مع العالم الإسلامي منذ قرون … في نطاق روابط واتصالات طبيعية وهي مليئة بمحتوى عملي حقيقي”. وأن (في سبتمبر 2015) “الإسلام التقليدي هو اليوم جزء لا يتجزأ من الحياة الروحية لبلدنا. وقيمه الإنسانية مثلها مثل قيم دياناتنا التقليدية الأخرى، تعلم الناس الرحمة والعدالة ورعاية أحبائهم. ونحن جميعا نقدر هذا للغاية”.

إن إدراك الحضارة الأوراسية يخترق التاريخ الروسي عبر القرون، من جيل إلى جيل. ولطالما ذكّرنا فيلسوفنا البارز بردياييف باستمرار بأن “روسيا يجب أن تعي نفسها كغرب وكشرق وغرب، كجسر موصل بين العالمين، وليس كفاصل بينهما.

روسيا تنظر إلى آسيا بشكل مختلف تمامًا عن نظرة شعوب الدول الغربية إليها. فالشؤون الآسيوية بالنسبة لنا ليست ترفا، وليست نزوة ناجمة عن فائض القوة، ولا ترضي هدفًا استثنائيًا ما مثل التجارة والنفوذ السياسي وما إلى ذلك؛ إنها بالنسبة لنا شأن روسي لا يمكننا تجاوزه. فروسيا مثل يانوس، في أقنومين، وجهين: واحد موجه إلى أوروبا، والآخر إلى آسيا. نحن لم نخلق هذا الوضع لأنفسنا، لقد ولدنا كدولة نمت في التصاق بأوروبا وآسيا معاً. بريطانيا تملكت الهند فقط لأنه حدث لها مصادفة ودون قصد أن استولت على هذا البلد؛ وبدون الهند ستكون بريطانيا هي بريطانيا، فلا يتهدد جزيرتها أي خطر من أية أحداث تحصل في آسيا. أما بالنسبة لروسيا، فنتيجة التحول الذي بدأ في هذه القارة تمثل قضية حيوية”. هذه الكلمات الحكيمة هي اليوم راهنة ومطلوبة كما كانت لقرن مضى.

الآن يصبح تعداد أنصار الاعتراف بدور الأرثوذكسية والإسلام في تكوين الدولة والحضارة الروسية أكثر فأكثر، مع إعطاء الأولوية المطلقة للثقافة الأرثوذكسية باعتبارها عاملا محوريا يضمن تقارب مختلف الثقافات والعقليات والنظرات إلى العالم على مساحة روسيا كلها.

إن روسيا هي نوع خاص من الحضارة (9000 كلم على طول خطوط العرض و 4000 كلم على امتداد خطوط الطول) تميزها استطالة تاريخية (من القرن التاسع) وتعدد إتني (أكثر من 150 قومية) وتعدد ديني وطائفي (أكثر من 60 دينا ومذهبا وطائفة). وكان هناك دور خاص لعبته الدولة في تشكيل وتطوير الحضارة الروسية. وكان المظهر الفريد للثقافة الروسية محددًا سلفًا بالتوفيق العميق بين التأثيرات الغربية والشرقية. وتصرف الشعب الروسي كأساس جامع للإتنوس المتعدد القوميات. وكانت معالم هذا الجمع هي “ضبط النفس والحاجات والتقشف والتسامح والميل إلى العدالة وصفاء الضمير، والإثراء المتبادل بين الثقافات، وتقديم العون خدمة للإنسانية.

وعندما نشهد في الوقت الحاضر أزمة الحضارة الغربية وصعود الحضارات الشرقية، يكتسب أهمية أكثر مما في أي وقت مضى الطرح الأوراسي الجديد في شأن بقاء الوحدة الشاملة بين المسيحية الأرثوذكسية والإسلام مثابة الركيزة الأكثر أهمية بالنسبة لوحدة لدولة الروسية.

[1] اسماعيل غاسبرينسكي. روسيا والشرق. قازان: دار نشر التترية. 1993 ص. 60-61 (بالروسية)

[2] “أوراسيا والإسلام. الوجهة الأوراسية: الفكر الديني والسياسي والاجتماعي الإسلامي حول الوحدة الحضارية لروسيا وأوراسيا “. دار النشر العلمي “الموسوعة الروسية الكبرى”. موسكو 2017. ص. 86

 

ترجمة ميشال يمّين

اترك تعليقا