الرئيسية » سياسة واقتصاد » إلى أين يتجه اليمن؟

إلى أين يتجه اليمن؟

تعتقد أنظمة دول “الرأسمال العبثي” أن وقوفها ضد تطلعات الشعوب العربية نحو حياة أفضل ضرورة لاستمرارها في الحكم، وأن دوام رخائها مرتبط بإدخال هذه الشعوب المقهورة في حمام دم ودورات صراع طويلة الأمد لتستطيع بذلك فرض كامل الهيمنة على مصير ومقدرات هذه الشعوب لأطول فترة ممكنة والمراوغة في تلبية المطالب الداعية إلى التغيير لدى شعوبها.

 ولذلك هي مستمرة في تمويل وتفريخ المقاولين من الإرهابيين والمتطرفين والطائفيين والسلاليين.

عندما بدأت الشعوب العربية في انتفاضات التغيير السلمي عام 2011 بعد قرون من الاستبداد والظلم الاجتماعي والاضطهاد والعنف السياسي، كانت حكومات رأس المال العبثي الصلف لها بالمرصاد، وقاومت التغيير بشراسة عبر تجنيد وتدريب عناصر الارتزاق الإرهابية المنضوية تحت مسميات مختلفة وأوصلتها إلى كل شبر هبت عليه رياح ذلك الربيع وعسكرته حتى اللحظة، وما زالت تحاول بالمال والسلاح وحتى بالدبلوماسية كبح تطلعات الشعوب العربية المقهورة رغم نزوح أبنائها وفقدانهم كل ما لديهم من مقومات الحياة.

ومع كل ذلك لم يتوقف دور “رأس المال الصلف “عند هذه المهمة، وإنما يعمل جاهدا ليل نهار على تفكيك الهوية العربية والوطنية في كل قطر على حدة وخصوصا في تلك الأقطار التي انتهجت سابقا طريق التحرر من الاستعمار ومقاومة الاضطهاد، سالكة طريق التطلع  لبناء دولة جديدة عصرية يسودها النظام والقانون، مثل العراق وسوريا وليبيا وتونس واليمن فكان أن أوصلت الأوضاع في هذه البلدان إلى الحالة المأساوية الراهنة.

وفيما تعهدت جماعات مختلفة تخريب الربيع العربي في البلدان العربية التي شهدته في 2011, شهدت اليمن مفارقة غريبة تتمثل في أن إحدى الجماعات التي شاركت في الربيع اليمني انقلبت فيما بعد على ما كان قد أنجزه ذلك الربيع في اليمن, كما أصبحت أكثر دموية وعنفاً من الأنظمة التي خرجت الجماهير العربية الغفيرة مطالبة برحيلها!

 تلك هي الجماعة التي تطلق على نفسها اسم “أنصار الله” والمعروفة بالحوثيين” في اليمن، هؤلاء الذين استولوا بقوة السلاح على السلطة أوائل 2015 ومضوا في شن حرب أهلية في كل نواحي البلاد.

كانت حروب صعدة الستة بين الجيش الحكومي والحوثيين بين 2004 و2010 قد خلقت تعاطفاً من لدن الطبقة السياسية والشرائح الاجتماعية مع الحوثيين الذين ظهروا خلال تلك الحروب بمظهر المضطهدين فكرياً وسياسياً وبرروا مواجهاتهم مع الجيش بأنه مجرد دفاع عن النفس.

لكن الحوثيين استغلوا بطريقة انتهازية الضعف والنزاع اللذين اتسمت بهما مرحلة ما بعد 2011 فبدأوا تنفيذ مشروعهم الدموي بخوض قتال ضد خصومهم القبليين والعسكريين والسياسيين حتى تمكنوا من اجتياح العاصمة صنعاء ثم ما لبثوا أن استولوا على السلطة وأخضعوا الرئيس عبدربه منصور هادي للإقامة الجبرية وهو ما فتح الباب على حرب واسعة استدعت التدخل الإقليمي بقيادة السعودية.

خلال الحرب المحتدمة منذ 2015 عرقلت الجماعة الحوثية كل جولات الحوار الأممية مع الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً. وبالإشارة إلى الموقف الدولي المعترف بشرعية حكومة الرئيس هادي, كان الموقف الروسي تجاه الانقلاب واضحاً ومبدئياً منذ البداية ومتسقاً مع الإجماع الأممي والقرارات الأممية بشأن إنهاء الانقلاب والحرب وتحقيق السلام في اليمن, وأهمها القرار الأممي 2216 الذي يطلب من الحوثيين تسليم السلاح وإنهاء الانقلاب.

لقد وضعت الحرب الأهلية والإقليمية المحتدمة في اليمن والتي أشعل الحوثيون شرارتها البلاد على طريق مخاطر مصيرية وفادحة. فاليمن الذي توحد عام 1990 جراء اندماج جمهوريتين كانت إحداهما في الشمال باسم الجمهورية العربية اليمنية (1962-1990) والثانية في الجنوب باسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (1967-1990) أصبح مهدداً بالتشطير مرة أخرى بل إنه مهدد بالتفكك إلى أجزاء عديدة.

فما كان يعرف بالشطر الشمالي قبل الوحدة مهدد بالتفكك إلى عدة أقسام في حال استفراد الحوثيين في حكمه, فمواطنو المحافظات الصحراوية في مأرب والجوف لم يكونوا على وفاق مع حكومات صنعاء رغم مشروعيتها إضافة إلى أن مأرب صارت تدير شأنها المحلي بعدما خاض أبناؤها حرباً دامية ضد اقتحام قوات الحوثيين لمحافظتهم عام 2015.

ومحافظات تعز وإب والحديدة حيث تقطن الكتلة السكانية الأكبر في اليمن هي الأخرى تشكو الاستبعاد والتهميش من قبل الحكومة المركزية منذ عقود كما اندلعت في تعز أول مقاومة شعبية ضد قوات الحوثيين في أبريل 2015 وكذلك هو الحال في محافظة البيضاء.

أما الجنوب فهو مهدد بالتفتت أكثر من الشمال لأسباب تاريخية وسياسية واقتصادية, أبرزها أنه حديث التوحد في دولة حديثة حيث كان يضم قرابة 23 سلطنة وإمارة ومشيخة عندما استقل عن الاستعمار البريطاني عام 1967 قبل أن تتولى الجبهة القومية توحيده بالقوة.

وفيما دعم التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية، تلك التي اشتركت في حرب اليمن بطلب  من الرئيس هادي لدعم شرعيته وإنهاء الانقلاب، مسلحين شعبيين انضووا تحت مسمى “المقاومة الجنوبية”  لطرد الحوثيين من محافظات الجنوب, دعمت الإمارات العربية المتحدة تشكيلات عسكرية مختلفة تحت مسمى النخب في اغلب المحافظات والمدن الجنوبية لفرض سلطة الأمر الواقع، ناهيك عن إحكام المجلس الانتقالي المطالب بالانفصال سيطرتَه على هذه المحافظات والمدن.

ان تزايد ممثلي الجنوب اليمني مثل الحراك الجنوبي والمجلس الانتقالي وكثرة النخب والشخصيات السياسية والعسكرية والاجتماعية ذات التوجهات المختلفة يجعل توحيد هدفها وخطواتها أمرا شبه مستحيل،  وهو ما يزيد من تعريض الجنوب للتشظي في حال انهيار أمل عودة الدولة الوطنية.

فإلى أين ستقود هذه المعطيات اليمن ؟

تقترب الحرب اليمنية من عامها الرابع بينما لم يحقق أي من أطرافها أهدافه وهو ما يعني استطالة أمدها ما لم تحدث خوارق تجعل قرب نهايتها أمراً ممكناً في مستقبل منظور.

ومن سمات هذه الحرب أنها ساوت بين كل أطرافها اليمنية. فالقوي فيها أو حتى المنتصر غير قادر على حسم الموقف لمصلحته والضعيف غير مضطر لتقبل هزيمته وأصحاب الطموحات والأحلام القديمة من الأئمة والسلاطين وسائر المنادين بالماضي لن يقطفوا ثمار مساعيهم ودعاة الانفصال لن يحتفلوا بيومهم ودعاة الوحدة لن يفرحوا بعد اليوم والميليشيات التي تقاتل باسم الله والدين سيقاتل بعضها بعضا وستكفّر كل منها الأخرى .

وسينال الإنهاك من الجميع  وينسيهم القضايا الأساسية التي بدأوا يقاتلون تحت يافطة مبرراتها. وفي نهاية المطاف سيرضخون لما يملى عليهم, إلا إن تداركوا مصيرهم وتلمسوا الحكمة والحوار.

صادق النويني

اترك تعليقا