الرئيسية » سياسة واقتصاد » أين هو الغرب من نهاية الحرب في سوريا

أين هو الغرب من نهاية الحرب في سوريا

آن الأوان لتقبل الولايات المتحدة وبريطانيا حقيقة لا لبس فيها، وهي أن حربهما في سوريا خاسرة، أو على الأقل أن الهدف الذي ارادتا تحقيقه في البداية وهو إسقاط الرئيس بشار الأسد لم يتحقق. فهل ستستمر المعركة على حساب ثلاثة ملايين مدني في إدلب؟

مع استعادة الجيش أراضي الدولة السورية بمساعدة القوات الروسية، يخفت صوت تغطيات الإعلام الغربي للمعارك في سوريا. على الرغم من ذلك، ثمة موضوع جديد متعلق بسوريا تمكن من شق طريقه إلى عناوين الأخبار في الأسابيع الأخيرة. وهو التحذيرات من حمام دم جديد حسب تعبير وسائل الإعلام الغربية سوف يحصل في إدلب، وقد أتت التحذيرات بالتزامن مع خبر حشد قوات الحكومة السورية والقوات الروسية على تخوم إدلب استعدادا للمعركة الحاسمة.

وكانت تتلو هذه التحذيرات دائما أنباء عن أن روسيا وحدها تملك القدرة على درىء الكارثة، وبالتالي روسيا المسؤولة. أو بعبارة أخرى، إن حصل «حمام دم» في إدلب فروسيا المسؤولة عنه.

الآن بات واضحا تماما، أنه لو حصلت معركة إدلب لكانت معركة صعبة ولخلفت خسائر بشرية ومادية هائلة. اذ أصبحت المحافظة الوقعة في أقصى الشمال الغربي السوري المأوى الأخير للعديد من النازحين المدنين بالإضافة إلى شتى أطياف المجموعات المسلحة المعارضة لحكم الرئيس بشار الأسد. بعضها انسحب في وقت سابق من المعارك إلى إدلب، وبعضها الآخر تم نقله في حافلات خلال معابر آمنة بنائا على اتفاقات مع الحكومة كالتي تم التوصل إليها في حلب والغوطة.

من الصعب أن نتوقع من هؤلاء المقاتلين الانسحاب، لعدة أسباب عل آخرها هو أن الحدود التركية مغلقة، فإلى أين المفر؟! وعليه باتت إدلب الزاوية التي حشرت فيها جميع المجموعات المسلحة. ومن هنا قد تكون التحذيرات الغربية في مكانها، إلا أن ثمة شيئ يلفت الانتباه في سياق هذه التحذيرات.

تعالت الأصوات المطالبة روسيا بكبح جماح حليفتها سوريا وعدم المجازفة بحياة ثلاث ملايين شخص في إدلب، وكان الحضور الغربي على جميع طاولات المفاوضات متواضع أكثر من العادة، ولكنه للأمانة لم يكن غائبا تماما، فقد قامت فرنسا بهدوء بلم مجموعة من ممثلي دول أوروبية وشرق أوسطية، بالإضافة إلى الأمم الامتحدة عبر مبعوثها الخاص إلى سوريا ستيفان ديميستورا.

 اتفاق هذا الأسبوع، غير المشهد تماما. ينص على إنشاء منطقة منزوعة السلاح تفصل بين المجموعات المسلحة في إدلب والقوات الحكومية، وقد تم التوصل للاتفاق في قمة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب أردوغان في سوتشي الروسية. وقد جاءت هذه الاتفاقية بعد القمة الثلاثية بين رؤساء روسيا وتركيا وإيران في طهران، وبعد جولات سبقتها من مفاوضات في العاصمة الكازاخية أستانا.

تمكنت الدول الضامنة (روسيا وتركيا وإيران) من التوصل إلى اتفاق، يرى البعض أنهم توصلوا إلى اتفاق سعيا وراء مصالحهم، وقد تكون هذه النقطة جدلية، إلا أن استمرار الأزمة لهذه الفترة الطويلة، يبين مدى الدعم الذي قدمته وتقدمه كل من الولايات المتحدة وبريطانيا للمجموعات المعارضة للأسد، وهذا يعكس بدوره أن للغرب مصالح في سوريا أيضا.

أضف إلى ذلك، اللقاءات المتكررة بين وزير الخارجية الأمريكي أثناء فترة حكم أوباما جون كيري مع نظيره الروسي سيرجي لافروف حول سوريا، حينها لم تكن نهاية الأزمة تلوح في الأفق، وقد تم الحديث عن وقف إطلاق نار وفك اشتباك حينها إلا أن الاتفاقات لم تترجم على الأرض.

ويفسر مراقبون هذا الهدوء الغربي مؤخرا بالتالي: الوقوف جانبا والابتعاد عن أي محادثات يخلي مسؤولية كل من بريطانيا والولايات المتحدة عن النتائج.

وإن حصل الأسوء فيمكن القاء اللوم على روسيا والحكومة السورية وتحميلها المسؤولية عن تداعيات المعركة القادمة، وربما استخدام ذلك اللوم والاتهامات كأساس لشن حملة جديدة تنادي بتنحي الرئيس الأسد.

من الأسباب الأخرى هي التغيرات في السياسة الأمركية، حيث أن سياسات إدارة أوباما لا تروق للرئيس دونالد ترامب الذي قال مرارا أنه لا مصلحة للولايات المتحدة في سوريا ووعود بإبقاء الولايات المتحدة بعيدة عن الأزمات الأجنبية.

ولكن الأمور ليست بتلك الوضوح، فهناك الكثر من التناقضات في المواقف: فقد جاء في إحدى التقارير البرلمانية في لندن مؤخرا أسف على عدم التدخل العسكري في سوريا سنة ألفين وثلاثة عشر، عندما صوت البرلمان ضد التدخل، وجاء فيه أن المملكة المتحدة مازالت قادرة على التدخل رغم المعارضة الشعبية المتوقعة.

في نفس الوقت باركت المملكة المتحدة مؤخرا إجلاء إسرائيل نحو خمس مائة فرد من منظمة الخوذ البيضاء من سوريا، وهو اعتراف ضمني بالخسارة.

ولا تبدو الأمور أكثر وضوحا في الولايات المتحدة، فقد مضى أكثر من عام منذ أن كشف الرئيس ترامب عن نيته إيقاف دعم وكالة الاستخبارات الأمريكية للمجموعات المعارضة في سوريا، في رسالة مفادها أن أيام تلك المجموعات باتت معدودة.

كما قامت الولايات المتحدة بالتنسيق مع روسيا والإبقاء على قنوات الاتصال بين العسكر لتفادي أي تصادم في الجو.

رغم ذلك أعلن الرئيس ترامب هذا الصيف أنه سيحتفظ بالوجود العسكري الأمريكي في سوريا لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية، ويرى البعض أن الغرض هو محاربة النفوذ الإيراني الإقليمي المتنامي.

كل هذا يفسح المجال للتساؤل، هل يتظاهر الغرب بعدم المبالاة بفشله في إسقاط الرئيس الأسد، مع تقديم أكبر دعم ممكن للمعارضة في المفاوضات المتعلقة بمستقبل سوريا؟ أم أن الغرب الممثل بالولايات المتحدة وبريطانيا لم يتقبل بعد حقيقة أنه خسر رهانه في سوريا؟ ناهيك عن أن مواقف الولايات المتحدة وبريطانيا لم تعد متطابقة، فالأولى لم تعد تصر على شرط رحيل الأسد للمضي في المفاوضات، أما الثانية (علنيا على الأقل) تضع شرط رحيل الأسد للمضي قبل الشروع في أي مفاوضات. كما أن الولايات المتحدة وبريطانيا من جهة والاتحاد الأوربي من جهة أخرى على خلاف حول اتفاق إيران النووي.

النقطة التي تبدو واضحة بعض الشيء هي أن بريطانيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي جميعهم بتحاشون الانضمام إلى جهود إعادة إعمار سوريا وتجاهل الدعوات الروسية إلى ذلك.

وغياب الرفض القاطع، يفسر من قبل بعض المتابعين على أنه محاولة لمنح المعارضة أوراق تفاوضية للحصول على أكبر قدر من المكاسب في سوريا ما بعد الحرب، ولا أحد يدرى متى سنصل إلى تلك المرحلة.

إن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الرئيس بوتين والرئيس أردوغان في سوتشي حول إنشاء منطقة عازلة في إدلب قد يغير قواعد اللعبة وقد لا يفعل.

في أسواء الأحول سوف يجنب الإتفاق روسيا الانتقادات الغربية إلى ما بعد انعقاد الجمعية العمومية في الأمم المتحدة على أقل تقدير، وفي أحسن الأحوال سوف يخلق الاتفاق الظروف الملائمة للتفاوض حول انسحاب المجموعات المسلحة من إدلب دون معركة كانت أكيدة.

ولن ينعكس ذلك إيجابا على أهالي إدلب من المدنيين فحسب، بل وسيمنح روسيا فوزا دبلوماسيا آخر.

بيد أن تفادي المعركة في إدلب ليس متعلقا بروسيا والحكومة السورية فقط، بل متعلق برغبة وقدرة كل من تركيا والولايات المتحدة وبريطانيا بلجم الجموعات المعارضة المسلحة المختلفة المدعومة من قبلها.

اذ لم تنسحب المجموعات المسلحة من حلب أو الغوطة إلا بعد هزيمتها الكاملة وبضمان تأمين ممر آمن إلى إدلب. ومن دون الدعم الخارجي، أو الوعود بتقديمه على الأقل، لربما استلمت تلك المجموعات بشكل أسرع، وعليه جزء من المسؤولية عن معاناة المدنيين يقع على عاتق الغرب.

إن أقيمت المنطقة العازلة في إدلب فعلا، واستمرت سيكون الخيار أمام الغرب. سيكون على الولايات المتحدة وبريطانيا تحديد الموعد الذي سيتخلون فيه عن أتباعهم في الميدان (إن لم يتخلو بعد)، وتحديد موعد الانخراط في عملية السلام، إن كانوا سيفعلوا. والمماطلة بقبولهم هزيمتهم تضعف مواقفهم التفاوضية.

راهنت الدول الغربية على أن شعوبها سوف تدعم تدخلها العسكري، ولكنها لم تفعل وما زالت تعارض ذلك. وآمنت بأنها قادرة على خلق معارضة قوية  للإطاحة بالأسد ولم تتمكن من ذلك. وأخيرا ظنت بأنها قادرة، بعد بعض النجاحات في الحرب الإعلامية اثر معركة شرق حلب،  على اتهام روسيا بالتسبب بكارثة إنسانية، إلا أن الاتفاق الأخير والجهود الروسية الدبلوماسية سحبت البساطة من تحت أقدام من أراد ذلك.

إعداد محمد حسان

http://valdaiclub.com/a/highlights/where-is-the-west-as-endgame-in-syria-looms/

اترك تعليقا