الرئيسية » حضاريات » أمام تحديات الخصم والطبيعة (6) – د. سهيل فرح

أمام تحديات الخصم والطبيعة (6) – د. سهيل فرح

عبر البطولة العسكرية بوجهيها السلبي والإيجابي

 إنّ أي بطولة فردية أو جماعية في أماكن الحروب وأزمنتها الملتهبة، تأتي معظمها من القوة الدموية الغضبية،من المخزون الشديد  العنف والاسوداد، في الشخصية الإنسانية، معظمها يحمل في ثناياه طابعًا تراجيديًا، هو من نتاج ومن افرازات بطنالمآسي والأزمات الكبرى للحكام والمحكومين، للدول الكبرى والصغرى، هي في جانب منها ردة فعل دفاعية أو هجومية – غضبية على نزعة التسلّط والهيمنة من قبل المستبد غير العادل الداخلي ومن  قبل المعتدي الخارجي. إلا أن مجرد بروزها ودوامها معناه بأن ثقافة السلام والحوار والشراكة الفعالة خافت صوتها، وقوتها على العقول والنفوس. البطولة العسكرية هي في مجملها، تسكن خارج الدائرة المسالمة المتسامية الأخلاق والروح. والبطولة بهذا المعنى هي في المقاربة السماوية الروحانية لها ، زائلة ، وقد تكون باطلة، لأنّها في الحصيلة العالمة تقتل النفس الإنسانية. وقاتل النفس الإنسانية، أي كان مبرّره، هو خاطئ ومدان في الدنيا والآخرة.

نحن لسنا من السذاجة بمكان لنعيش أحلام الطوباويين المسالمين الكبار، وإن كنا نتبنى قلبا وروحا خطابهم المؤنسن العظيم…لاّ أنّ بناء الدول والكبرى في الفترة الراهنة من تطوّر الحضارة المعاصرة غير مؤهل لتمثل القيم الأخلاقية المتسامية والمتوافقة مع روح رسالة السلام والعدل. فأنظمة الحكم في العالم ولعل البشرية بمعظم مكوناتها ما تزال خاضعة لشبح العقيدة الداروينية الاجتماعية المؤمنة بأنّ الأقوى هو الذي يملي ظروفه على الأضعف. وإنّ الصراع والحرب والدفاع والهجوم واستحداث التقنيات العسكرية سيبقى قوي الحضور، ساكن بقوة في خلايا الحاكم والمحكوم معًا في البلدان الكبرى والصغرى. وتبقى الشعوب تتغنّى ببطولاتها هذه، وينضم لها كل جوقة الشعراء والأدباء والفنانين ومعهم السياسيين والعسكريين يتغنّون ببطولاتهم. غير آبيهن بأنّ النفس الإنسانية هي الأهم وإنّ القيم الروحية والأخلاقية هي الأكثر خلودية في الشخصية الإنسانية… و هذه جمل اعتراضية – رفضيه من قبلي على فلسفة الحرب ودعاتها أي كان مصدرها و مشعل نارها …

وللعودة الى مساء الكلام عن البطولة القتالية و العسكرية ولكون الحديث يجريهنا عنلغة القوة، لغة الحرب ولغة التحدّي، تبقى الذاكرة الروسية تحتفظ لنفسها بعدد من الدروس والعبر، يمكن تلخصها وباختصار شديد بأربعة:

الأولى: إنّ تكهرب المناخات الخارجية والداخلية هي المسبّب الأول لإطلاق شرارة الحروب ومنها يفرض على الإنسان اجتراح البطولاتالعسكرية. فالمناخ الداخلي الذي يسود في البلاد الذي تحرّكه معادلة التجانس أو التباعد بين مثلّث السلطة والشعب والإنتلجاسيا حيال أمور متعلّقة بالاقتصاد والسياسة والثقافة ومنظومة القيم، كل هذا ما يترك انعكاساته الإيجابية أو السلبية على الروح المعنوية للجنود والضباط في ساحات القتال. وتلك الساحات هي بمثابة المرآة لما يجري في كل مجالات البناء والهدم في الداخل. فإذا ما ساد النظام والقانون والعدل وتكافؤ الفرص، ينعكس هذا ايجابًا ونقاط قوة على الجناح المحارب وحتى الجناح المسالم في المجتمع. وإذا ما دبّت الفوضى والفساد وغاب القانون والنظام عن إدارة البلاد، كما حدث في الفترة اليلتسينية في روسيا في التسعينات من القرن الماضي، وكما كان يحدث أيضًا في فترات متنوّعة من الحقبة السوفياتية، وقبلها الحقبة القيصرية، نجد هذا ينعكس سلبًا على البنية العسكرية للجيش الروسي، وهنا تقل كثيرا البطولات الجماعية والفردية.

الثانية: إنّ تزايد أو انحسار البطولات الفردية والجماعية يرتبط ليس فقط مرتبط بحسن إدارة المعارك العسكرية على الجبهات، بل أيضًا بتضامن وتضافر الشعب مع جنوده وضباطه، وبمدى فعالية أو ضحالة التعبئة النفسية والفكرية والروحية للعاملين في هذا القطاعوبحسن تمتين وتنظيم وتمويل وتغذية كل العاملين في الجبهات الخلفية.

الاستنتاج الثالث: إنّ مجمل الحروب التي خاضتها روسيا مع خصومها، كان البطولة الجماعية عندها تظهر عند الضباط، أكثر ما هي عند عموم الجنود. فالضابط الذي يشرف على فرقته، كان يعتبر نفسه حامي روح الجماعة، لا بل روح الأمة، وإنّ عليه في زمن الحرب أن يكون المثال الذي يفتدى به في الوطنية والنبل والشرف وقوة الشكيمة، ورباطة الجأش.

هذه العبر من التجارب التاريخية المتنوعة الروس في أزمنة الحروب، لا تنسينا إطلاقا مدى وسع روحهم التواقة لسلام النفوس ولا تنسينا مآثر بطولاتهم الكبرى على مستوى العلوم والفنون وكل مجالات الحياة في أزمنة السلم. وللموضوع هذا كلام أخر….

د. سهيل فرح

أمام تحديات الخصم والطبيعة (1) — د. سهيل فرح

أمام تحديات الخصم والطبيعة: الجسد الروسي وانتصاراته الرياضية، نماذج لبطولات رياضية خارقة (2) — د. سهيل فرح

أمام تحديات الخصم والطبيعة: مآثر الرياضة في زمن الحرب (3) — د. سهيل فرح

أمام تحديات الخصم والطبيعة (4) — د. سهيل فرح

أمام تحديات الخصم والطبيعة (5) — د. سهيل فرح

اترك تعليقا