الرئيسية » حضاريات » أمام تحديات الخصم والطبيعة: مآثر الرياضة في زمن الحرب (3) – د. سهيل فرح

أمام تحديات الخصم والطبيعة: مآثر الرياضة في زمن الحرب (3) – د. سهيل فرح

مآثر الرياضة في زمن الحرب

قد يتفهم المرء حصد الميداليات للرياضي الجاد والمثابر والمتوفر له كل الظروف المادية والنفسية للميدالية الرياضية. إلا أن اجتراح المآثر في زمن الحروب المدمرة هو موضوع يحتاج إلى المزيد من التأمّل في مسبباته وتجلياته وعبره. فالحرب الفاشية التي تزعمها هتلر من أجل محو الإنسان الروسي من الجغرافيا التي يعيش عليها آلاف السنين، كانت وجودية مصيرية مأساوية… طرحت على القيادة آنذاك وعلى الشعب بكل فئاته وأفكاره وأديانه وثقافاته أن يترك كل خلافاته الداخلية الحادة جانباً وأن يأخذ من المقولة الوطنية التي سادت في بداية الحرب “الكل للمعركة، الكل للنصر” الشعار الأساسي لها.

استنادا إلى المعلومات التي توفرت في أوائل الأربعينات من القرن العشرين فلقد تواجد حوالي 64 ألف منظمة مختصة بممارسة وتعميم الثقافة البدنية والتي تجمع حولها أكثر من خمسة ملايين إنسان مهتم بالشأن الرياضي. وفي يوليو (تموز) من عام 1941 تجمع في الملعب الموسكوفي “دينامو” الكوكبة الأولى من المحترفين في ألعاب القوى والقوس والنشاب والمصارعين والمتزحلقين على الجليد، وكل أنواع الرياضة تقريباً. وكان بينهم أبطالاً عالميين أمثال نيكولاي كرليون ونيكولاي كوزنتسوف ويكوب مالنكوف وفلاديمير سافدونين وغيورغي كولاكوف وألكسي ستاليروف والكثرين الآخرين.

توزعوا على جبهات متعددة ورسمت لهم خطط ومهام متنوعة… وقام البعض منهم بمآثر سُجّلت في أكثر صفحات التاريخ بطولة. وسنذكر البعض اليسير والمميز فيها. فلقد قام الرياضي نيكولاي كارليوف بعدد من المبادرات التي جعلت منها أمثلة كبرى يحتذى بها. فنظراً لكفاءاته الجسدية ولقدرته على ابتكار الحيل والمناورات، تمكن في ظل ظروف غاية في الصعوبة من أجل إنقاذ قادة الفرق والكتائب العسكرية من وسط أرض المعارك الطاحنة.

والحديث عن السباح المشهور ليونيد ميشكوف وعن بطولاته لا يعرف المرء عند أي حادثة يتوقف عندها ليبرز حجم البطولة الجسدية والوطنية التي قام بها. وقد تكون واحدة منها. وعلى الرغم من الجرح البليغ الذي أصاب واحدة من أيديه استطاع بقدرة خارقة أن يجتاز النهر انسحابا من موت جسيم كان يحدق ويحيط به من كل جانب من قبل العدو الفاشي. فلقد حمل في يده الثانية زميله المثقل بجراحه  كولاكوف الذي أغمي عليه. وتمكن بفضل قوة عضلات أرجله أن ينقذ زميله ونفسه ويصل إلى الشاطئ الآمن من الجهة الأخرى للنهر. وليونيد ميشكوف ورغم انشغال كل طاقاته في عملية الصراع مع العدو، لم يترك الاهتمام برياضته المفضلة في السباحة، فلقد ابتكر في لحيظات الاستراحة وأثناء التدريب في الأنهار حركات وأساليب جديدة في هذا النوع من الرياضة و حدث هذارغم معايشته للمعارك الطاحنة وسماعه المتواصل لأصوات الرصاص والقنابل.

لقد أوكلت له مهام صعبة كثيرة آنذاك، منها الدخول في فرقة استطلاعية من جهة لينيغراد  كانت تجوب نهر اللوغا مستقصية آليات وتحركات وتعداد العدو. فالجروح البليغة في جسده وحادثة إنقاذ نفسه وزميله الشهيرة كادت تنهي حياته الرياضية. ولقد ظن الأطباء بأنه من رابع المستحيلات أن يكون باستطاعته العودة إلى ممارسة رياضته المفضلة. إلاّ أن الطاقة الكبيرة الكامنة في جسده وإرادته الصلبة وتمارينه المتواصلة، أعطت ثمارها في عام 1943 من حصد النتيجة الباهرة الأولى بعد التغلب على جروحه البليغة. وخلال عام أي 1944 كسب بطولات أخرى في سباق المائتي والأربعمائة متر في المياه. بعد نهاية الحرب تم تعيينه كمدرب أساسي للفريق السوفياتي في السباحة لأعوام 1953 – 1955.[1]

مثال باهر آخر على قدرة هذا الجسد الرياضي والطاقة الوطنية الروسية والسلافية في صنع الملاحم هو لاعب القوى فيكتور شوكارين. الحائز على جائزتين أولمبيتين وعلى بطولات متتالية في هذه الرياضة. والذي ذاق حنظل المر بعد الوقوع في مذلة أسر العدو الفاشي في بدايات الحرب. لقد تم أسره في بولطافا في وسط أوكرانيا السوفياتية أنداك وتم نقله ووضع في ظروف شديدة القساوة في 17 مكان يقتصر إلى الحد الأدنى للظروف الإنسانية. بعد رجوعه من الأسر الذي دام أربع سنوات رجع شوكارين إلى منزله في حالة يرثى لها، إلى درجة أن والدته التي تعرف كل ذرة من جسمه لم تستطع معرفته لأول وهلة، إلاّ بعد أن لمست شعر رأسه وفتشت بين جنباتها عن دملة مزمنة بقيت ماثلة في رأسه منذ أن وقع منذ طفولته المبكرة من سريره الخشبي على الأرض الصلبة. لقد كان هزيل الجسم، فاقد الطاقة، بحيث لم يستطع أثناء اليوم من التجول حول منزله الصغير إلا مرة أو مرتين وبصعوبة شديدة. إلا ان حب الحياة وقوة الشكيمة في شخصيته جعلته يتبع خطة عمل تدريجية أعادت الطاقة إلى جسده وإلى رياضته المفضلة وجعلته يكسب بطولة أوكرانيا في ألعاب القوى لعام 1948. وتمكن لاحقا من كسب المرتبة الرابعة في بطولات الاتحاد السوفياتي ككل في أعوام 1950 – 1951. وفي عام 1951 نفسه تمكن في المهرجان العالمي للشبيبة والطلبة، الذي عقد في برلين، لأن يحصد البطولة الأولى والمطلقة لهذه اللعبة. وتكررت بطولاته في ملبورن (أستراليا) في عام 1954 وفي غيرها من المباريات العالمية، والتي كانت حصيلتها ثلاث ميداليات ذهبية، توجها في أولمبياد ألعاب القوى في عام 1956 بإحرازه اللقب الأول على خصمه الياباني. واستمرّ هكذا في صنع المآثر إلى أن كوّن جيلاً من الرياضيين السوفيات من موقعه كمدرب لفريق أوكرانيا آنذاك واستمر بهذه الروح الرياضية العالية حتى عام 1972.[2]

السلسلة تتكرر وتتصاعد من المآثر الرياضية ويصعب الغوص في تفاصيلها وذكر ملاحم أبطالها المتخرجين من كل المعاهد الرياضية والذين أهدوا لجامعاتهم ووطنهم أرفع الميداليات في ساحة الرياضة الدولية. فهناك 300 طالب وعامل في معهد الثقافة البدنية المسمى بـ ليسغافت ب. ف.[3] الذي ذهب بقيادة مديره نيكيفيروف إ. إ. إلى أرض المعركة وبرزت بشكل ملحوظ بطولات 250 منهم بشكل أوصل 150 منهم للحصول على ميداليات حكومية على مستوى المركز. أمثال بالوشكين ب.، بيلياين ب.، مبشيراكوف أ.، كوداكوف ل.، كوفالنكاب، أوريوموف ن. هؤلاء الذي حصلوا على لقب بطل الاتحاد السوفياتي. ووراء كل واحد من هؤلاء قصة ومأثرة سجلتها العشرات من الكتب وحضرت لها الكثير من السيناريوهات لتكون الموضوعة الأساسية لأبطال المسرحيات والأفلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية. إنها الملحمة الروسية التي يصعب مقارنتها مع الملاحم البطولية للشعوب الأخرى، ملاحم صنعت المعجزات من أتون الحروب والتحديات. (يتبع)

 

د. سهيل فرح

 

[1] – كون ل. التاريخ العام للثقافة البدنية والرياضية، موسكو، 1987، ص 114 – 185.

[2] – راجع باشينين ف. أ. أبطال بيننا. الطبعة الثانية. موسكو، 1975. 184 صفحة.

[3] – غوريانوف ل. ب. الأبطال مضوا إلى المعارك. سلسلة الرياضة البدنية، موسكو، 1980، عدد 3، ص 43 – 47.

أمام تحديات الخصم والطبيعة (1) — د. سهيل فرح

أمام تحديات الخصم والطبيعة: الجسد الروسي وانتصاراته الرياضية، نماذج لبطولات رياضية خارقة (2) — د. سهيل فرح

 

 

اترك تعليقا