الرئيسية » سياسة واقتصاد » أحمد مصطفى: ألمانيا ومستقبل الصراع العالمي

أحمد مصطفى: ألمانيا ومستقبل الصراع العالمي

كنت قد نوهت منذ مدة قصيرة عن سلسلة مقالات سأقوم بكتابتها عن ألمانيا، وكيف أنها أيضا ستصبح من الدول الصانعة لمستقبل العالم مع كل من نظيراتها الصين وروسيا، وعن عوامل شراكة أكبر وتفاهمات ستجرى بين الدول الثلاثة، لتزيح القوى التقليدية وعلى رأسها “أمريكا وبريطانيا وفرنسا”.

لماذا ألمانيا؟

ألمانيا فعليا ثانى أكبر إقتصاد فى العالم بعد الصين بموجب كل الإحصائيات الفعلية والموثوق فيها، بعيدا عن شركات التصنيف الإئتمانى وصندوق النقد والبنك الدوليين التابعين لأمريكا.

لأنى أشك فى التصنيف الحالى لأمريكا، الذى هو غالبا أمر سياسي ليس أكثر للكذب على الشعب الأمريكي، ولأن أمريكا منذ ٢٠٠٨ للأسف تطبع دولارات، لا يقابلها إنتاج فعلى حقيقي، منذ الإنهيار المالى العظيم لإقتصادها بعد الحروب التى افتعلتها على الإرهاب، والتى تكبدت فيها 8 تريلليون دولار من جيب دافع الضرائب الأمريكي وبشهادة البنتاجون.

ذلك الأمر الذى لا زال يؤثر سلبيا على وضع أمريكا، ويجعلها تلجأ للإتاوات من دول الخليج ومن اليابان وكوريا الجنوبية، وعدم الوفاء بإلتزاماتها الإنسانية حتى مع الأنوروا الفلسطينية بسداد ٣٠٠ مليون دولار فقط – وهذا ما يضع الكثير من علامات الإستفهام عن مصداقية وقوة الإقتصاد الأمريكي الذى يلجأ للحمائية، والتقشف وعدم دفع رواتب الموظفين وجنود الجيش، ما نراه فى أفلام وثائقية أمريكية كثيرة.

وكذلك الخروج من ١٠ إتفاقيات دولية، وربما الحادية عشر فى الطريق “منظمة التجارة العالمية”، بما لا يرتب إلتزامات مادية عليها، وحث حتى دول الناتو على الوفاء بالتزامات مادية أكثر، وكأن الإدارة الأمريكية تدير شركة مساهمين خاصة، وليس كيان سياسي.

وللاسف تتحكم أمريكا بالإعلام ومحركات البحث، الأمر الذى يجعل أكاذيبها قد تصدق من قبل شريحة كبيرة من ٣٣٠ مليون مواطن أمريكي.

بينما ألمانيا لم تنساق لمثل هذه الأكاذيب، وهى أكبر شريك تجاري موثوق، وأكثر البلدان تصديرا للتكنولوجيا والمنتتجات فائقة الجودة، وبالتالى يأتى الميزان التجارى ما بين المانيا وكل من “الصين، وفرنسا، وبريطانيا، وأمريكا، وروسيا” الأعلى فى العالم وغالبا فى صالح ألمانيا.

فعلى سبيل وصل حجم التجارة بين المانيا والصين أعلى درجات الشراكة، عن أى بلد آخر، برقم يصل ١٨٦ مليار يورو أى حوالى ٢٣٠ مليار دولار أمريكي – كما وصل حجم التجارة ما بين المانيا وروسيا برغم العقوبات الأوروبية الى 57,3 مليار يورو وهذا بموجب آخر احصائيات صادرة عن هيئة التجارة الخارجية الألمانية لعام 2018.   

كما أن ألمانيا أيضا بها أكبر مراكز المال الأوروبية والعالمية فى مدينة “فرانكفورت”، وتسعى ألمانيا جاهدة لتطويره وتفعيله باللغة الإنجليزية، ليتخط منافسيه التقليديين فى الغرب بورصة لندن، و وول استريت – وهذا أمر متوقع فى الأيام المقبلة.

طبعا ناهينا عن مستوى الدخل المرتفع للمواطن الألمانى، حيث أن متوسط دخل الفرد فى ألمانيا سنويا هو 37800 يورو، وفقا لموقع تريدنج إيكونوميكس الألمانى، وهذا يعد من اعلى معدلات الدخل فى العالم، حيث تلتزم جميع الشركات الألمانية بكل مقررات منظمة العمل الدولية، فيما يخص الالتزام بعدم تجاوز ساعات العمل والراحات المحددة قانونا.

كذلك حاجة ألمانيا للمهاجرين المؤهلين صغار السن لإنعاش الصناعة والنسل، حتى لا تقع فى نفس أزمة اليابان الحالية، فخ الشيخوخة، حيث تصل فيها المعاشات والضمانات الإجتماعية لكبار السن ضعف ما تتحصل عليه الحكومة اليابانية من ضرائب ومستحقات حكومية، الأمر الذى يضغط بدوره على تغيير السياسة المالية اليابانية، لكون تعداد كبار السن أكبر من الشباب القادرين على الإنتاج، الأمر الذى عالجته الصين بالحث على إنجاب الطفل الثانى منذ ٢٠١٥، لسد هذه الفجوة بعد وصول الصين لمرحلة الرخاء الإقتصادى.

ما العوامل المشتركة بين المانيا والصين وروسيا؟

سياسيا:-

الوضع السورى:

كانت المانيا فى بداية الأزمة السورية تأخذ موقفا غير محايدا، موال للغرب بقيادة الولايات المتحدة – إلا انه حاليا ألمانيا تأخذ موقفا محايدا – مفاده إعلاء الحل السياسي وبقاء النظام السوري حتى نضمن عدم تعرض المدنيين للأذى، وهو بصورة ما او بأخرى يتفق مع الموقف الروسي والصينى – مع محاربة والقضاء على التيارات المتطرفة خصوصا داعش والنصرة.

ولا ننس أن الغرب للاسف، الذى دعم الحرب على النظام السورى، ندم أشد الندم بعد وصول مهاجرين بالملايين الى أراضيه التى تعانى اقتصاديا ايضا، نظرا للأوضاع الاقتصادية العالمية وإنفاق مبالغ تقترب من 3 تريلليون دولار على التخريب، والحروب ضد “سوريا وليبيا واليمن” – تحت أكذوبة الحرب على الإرهاب.

كان يمكن لهذه المبالغ أن تنعش البشر فى العالم – وأيضا ألمانيا مع فكرة حتمية إعادة اللائجين السوريين لبلدهم سوريا، وإعادة إعمارها أيضا، خوفا من انتقال عناصر إرهابية خطرة وسط المهاجرين واللائجين، يمكنها قلب أوروبا العلمانية الليبرالية، رأسا على عقب، وتغيير هويتها وثقافتها المنفتحة. 

حيث أشارت الأمم المتحدة فى تقرير إستقصائي لها أن ١ من 7 ارهابيين عائدين لبلادهم يرتكب حادث إرهابي داخل بلده، بينما ١ من كل 9 يرتكب حادث إرهابي خارج بلده.

الوضع فى أوكرانيا:

حتى ضمن مجموعة منسك الخاصة بـ أوكرانيا وموضوع القرم – ربما ألمانيا لا تأخذ مواقف متطرفة ضد روسيا، وخصوصا بعد الإجتماعات الأخيرة، وحتى تسليم ترامب أن القرم واقعيا أصبحت أراضي روسية، وتسعى ألمانيا وروسيا لتسوية أفضل فى منطقة الدونباس شرق أوكرانيا.

إتفاق 5+١ مع إيران:

أيضا فى الإتفاق النووى الإيرانى – كل من ألمانيا والصين وروسيا، كانت ضمن دول الإتفاق النووى مع إيران او ما يسمى 5+١ – حيث أضيفت المانيا إلى الدول دائمة العضوية فى مجلس الأمن، لخبرتها فى الطاقة النووية ومفاعلاتها، وخصوصا أنها لديها مجموعة سيمنز الألمانية المتخصصة فى بناء محطات القوى، وعلى رأسها المحطات النووية، وكانت بالفعل ستقوم ببناء المفاعلات النووية الإيرانية، قبل أن تنسحب وتحل محلها فى التسعينيات الشركة الروسية روس اتوم.

وألمانيا تصر على البقاء على الإتفاق النووى مع إيران، ومحاولة تعويضها خروج الولايات المتحدة منه، لضغوط اسرائيلية من اللوبي الصهيونى، ولضغوط سعودية، لأنها ترى ان الإتفاق يحمي العالم من أى اسلحة دمار شامل فى المستقبل، ويوجد تعاون ألمانى روسي صيني حثيث فى هذا الصدد.

حادثة إدوارد سنودن:

كما أن المانيا ايضا تسعى لتوسيع دائرة الحلفاء والاصدقاء المؤثرين يمكنهم التصدى للهيمنة الأمريكية فى أى وقت، وخصوصا أنها أضيرت من موضوع التصنت الذى فضحه ضابط المخابرات الأمريكي السابق إدوارد سنودن اللاجىء داخل روسيا حاليا، فى عصر أوباما، فى فضيحة أخلاقية هزت العالم بالتجسس على الدول الأخرى، سواء من خلال الإنترنت او أجهزة الحواسب أو الهواتف.

حيث وصل التصنت لهاتف أنجيلا ميركل المستشارة الألمانية شخصيا، وأيضا كان هناك تجسس على روسيا والصين بطبيعة الحال، الأمر الذى جعل الصين توقف غالبية تطبيقات الهاتف الأمريكية تقريبا المرتبطة بمحرك البحث جوجل منذ ٢٠١٤.   

لم تنجر المانيا للعبة التدخل الروسي فى الإنتخابات الرئاسية الأمريكية، ولا حتى لما تدعيه بريطانيا بالتدخل فى استفتاء خروج بريطانيا من الإتحاد الأوروبي؛ ولم تعر إهتماما بموضوع الإدعاء الكاذب البريطانى تسمم سكريبال هروبا من فشل مفاوضات بريكزت، وتهربا من دفع مستحقات الإتحاد الأوروبي، وكذلك تحرير الجيش السورى إدلب من الجماعات الإرهابية المدعومة بريطانيا؛ ومضت فى مصالحها مع روسيا والصين بالرغم من الضغوط الأمريكية والحرب التجارية.

القضية الفلسطينية:

تتخذ المانيا نفس الموقف الذى تتخذه الصين وروسيا بما يخص الوضع الفلسطينى – فهى مع حل الدولتين وايضا مع بقاء القدس على وضعها القديم شرقي للعرب والمسلمين وغربي للكيان الصهيونى.

إقتصاديا واستراتيجيا:-

الحرب التجارية والعقوبات:

كل من ألمانيا وروسيا والصين تتعرض للحرب التجارية، زيادة على ذلك روسيا تتعرض لعقوبات أحادية الجانب، الأمر الذى يتطلب توحد فى الرؤى وتحالف أقوى بين الثلاث دول للوقوف أمام امبراطورية تتهاوى – على فكرة ليس من المفترض إيقاع أمريكا أو سقوط أمريكا، ولكن المطلوب فقط، ألا تستحوذ أمريكا على القرار العالمى، ولا تسيره حسب نذواتها إيجابا أو سلبا، ولكن المطلوب إعادة التوازن القرار الدولى.

الحاجة الألمانية للطاقة الروسية:

ألمانيا، على سبيل المثال، تحتاج لمزيد من الطاقة لمجابهة النمو الإقتصادى، والطلب على منتجاتها، فبالتالى وبالرغم كل الضغوط البريطانية والأمريكية، تصر على استكمال المشروع السيل الشمالى مع روسيا “نورد ستريم 2” الخاص بالغاز الروسي المسال، الذى سيعبر عبر بحر البلطيق إلى المانيا مباشرة عبر فنلندا.

تعاون ألمانى روسي:

وأيضا لدى كل من ألمانيا وروسيا العديد من المراكز البحثية المشتركة، فى مجال التكنولوجيا المتطورة، والكيمياء الحيوية، والطب، وصناعة الدواء، وتطوير الصناعة، التى تتفوق فيها ألمانيا عالميا على الجميع، وكذلك مجال الفضاء، الذى تتقدم فيه روسيا عالميا أحيانا عن امريكا نفسها، وبالتالى هذه الأمور تفتح أفاقا امام المانيا، وتكسر العقوبات الأمريكية على روسيا فى نفس الوقت.

حاجة ألمانيا للاسواق الواعدة:

لا ننس كما قلنا أن الإقتصاد الألمانى هو الأكبر أوروبيا، ويحتاج لأسواق كبيرة وواعدة نوعا ما، ولديها قدرة شرائية مثل أسواق الصين، الدولة الأولى اقتصاديا، والتى أصبح فيها العدد الأكبر من المليارديرات فى العالم، وسوق يشمل ١٦٠٠ مليون مستهلك، وكذلك السوق الروسي بحوالى ١٤٠ مليون مستهلك، غير أسواق تركيا، وأيضا إيران ودول وسط وغرب آسيا، من الدول النفطية الغنية، والتى يمكنها استهلاك السلع الألمانية عالية الجودة، أى ما يمثل ثلث سكان العالم، أى أضعاف سكان أوروبا، وعليه يمكن أن نفسر زيارة ميركل الأخيرة لأذربيجان.

عبء الإتحاد الأوروبي:

ألمانيا أيضا – تعانى للاسف بعد قيام إتحاد اليورو، والإتحاد الأوروبي، التى كانت طرفا أساسيا فى إنشاءه، من الضغط على دافعى الضرائب الألمان لحماية اقتصاد دول أخرى أوروبية من شرق ووسط أوروبا لبقاء الإتحاد، وتقدر بما يزيد عن الثلاثين دولة، تمثل عبئا ثقيلا عليها، ولا تشترى سلعا ألمانية، بل تدفع إليهم إعانات وقروضا، وتستقبل منهم مهاجرين، حتى ولو محدودى الخبرة، بموجب القوانين الأوروبية ومعاهدة لشبونة.

حيث إبتدت تظهر مساوىء قيام الإتحاد، والذى كثيرا ما يخضع لضغوطا أمريكية، إما فيما يخص الناتو والقرارات الدولية والأخطر الضغط الإقتصادى، لتسويق منتجات أمريكية أقل جودة من المنتجات الأوروبية، قد لا تحوذ على المعايير الأوروبية، وسمعنا عن أزمة الدواجن الأمريكية المعالجة بالكيماويات، واللحوم المصنعة الأمريكية المعالجة بالنتروزين المسرطن، إضافة إلى ربط البورصات وأسواق المال الأوروبية بـ وول ستريت، والتى يتم من خلالها التلاعب بأسعار العملات والمنتجات الإستراتيجية، وخصوصا النفط من خلال اللوبيات الأمريكية.

شراكة ألمانية صينية:

أيضا سمعت من أحد أصدقائى الالمان أيضا، أنه توجد سياحة كبيرة إلى ألمانيا سواء من روسيا أو الصين، الأخيرة التى لا تزال تتبنى الفكر الشيوعى، نظراً لوجود منزلى “كارل ماركس وإنجلز” مؤسسي الفكر الشيوعى فى ألمانيا، وهو بمثابة نوع من الحج إلى تلك الأماكن – ويرجى العلم ان هذا العام هو عام السياحة الصينية الأوروبية، ولأن الصين صاحبة أكبر سيولة نقدية فى العالم، فإنها هذا العام سترسل ما لا يقل عن ١٠٠ مليون سائح لأوروبا، ولألمانيا نصيب كبير من هذه الأفواج السياحية.

طبقا لموقع شاينا بريفينج، إستضافت الصين وألمانيا آخر قمتين للقمة العشرين، وكلاهما يؤكدان مرارا على الحاجة إلى تعزيز العولمة، وتسهيل الاستثمار، والدفاع عن التجارة الحرة، وتقدم مبادرة الحزام والطريق في الصين هذه الطموحات، وتعتبر ألمانيا أحد المشاركين الأوروبيين الرئيسيين في المشروع الطموح ونتيجة لذلك، من المتوقع أن تزداد العلاقات التجارية والاقتصادية بين الصين وألمانيا.

أنشأت الحكومتان الألمانية والصينية آلية حوار مالية عالية المستوى، وأصدرت وثيقة برنامج العمل للتعاون بين الصين وألمانيا في عام 2014، ويعد تعزيز التعاون الصناعي نحو الابتكار هدفا رئيسيا للبرنامج المشترك، كما هو موضح في المبادرة الألمانية “الصناعية 4,0” والمبادرة الصينية “صنع في الصين 2025″، حيث تحقق المحميات الصناعية الصينية الالمانية اهداف هذه المبادرات من خلال تسهيل حاضنات التكنولوجيا وتطويرها. 

في شهر مارس من هذا العام، أطلقت الدولتان الصين وألمانيا 11 منصة للابتكار في القطاعات التالية: السيارات الكهربائية ، والعلوم البيولوجية ، والمياه النظيفة ، والتصنيع الذكي ، والطاقة النظيفة.

ومع تصاعد الأعمال العدائية بين الصين والولايات المتحدة في الأشهر الأخيرة ، يمكن للشركات الألمانية أن تلعب دورًا قياديًا أقوى في المملكة الوسطى. يمكن لنجاح العلاقة بين الصين وألمانيا أن يعمل كنموذج ليس فقط للعديد من القوى المتوسطة الحجم ، ولكن حتى بالنسبة للولايات المتحدة.

في هذه العلاقة ، تلتزم ألمانيا بمبادئ الحرية والديمقراطية ، بينما تتعاون في نفس الوقت مع الصين وتتجنب العداء معها، وتظهر روابطهم الثنائية القوية كيف يمكن للبلدين أن يعالجان اختلافاتهما بفعالية من خلال احترام المصالح الأساسية لبعضهما البعض، مما يساعد بدرجة لا بأس بها من زيادة المصالح الاقتصادية المتداخلة.

الإعلام والمجتمع المدنى:-

المزيد من التفهم مطلوب:

فى ظل الحرب الإعلامية التى تشنها أمريكا على أعدائها، وخصوصا الصين وروسيا، وكذلك التصنت الذى تقوم به، كما ذكرنا سابقا على الأصدقاء وخصوصا ألمانيا، فإن هذا الأمر يتطلب المزيد من التعاون ما بين القوى الثلاثة المضارة من الولايات المتحدة.

وأنا شخصيا تحدثت عن هذه الأمور مع إعلاميين صينين وروس، ربما لروسيا قناة “روسيا اليوم”، وموقع “سبوتنك”، والتى تخاطب الخارج وبلغات عدة ومنها العربية، ونجحت جدا فى مخاطبة العالم العربي والغربي بالرغم من الإنتقادات، ربما ألمانيا لديها قناة “دويتش فيله” وهى أيضا ناطقة بعدة لغات، ولديها دور نشر كبيرة فى برلين وفرانكفورت، وكلا من روسيا وألمانيا لديهما تاريخ حضاري وفكري مشترك أثرى البشرية.

قيود الصور النمطية:

لكن فى وجهة نظرى، تبقى الصور النمطية التى رسمها الإعلام الغربي عائق للتواصل بين الثلاث دول، وتركيز الإعلام الأمريكي على جوانب النقص فى كل من روسيا والصين، وذلك كونهما الأعداء كما ورد فى سياسة أمريكا الخارجية، ولكن أعتقد بعد الحرب التجارية من أمريكا ضد ألمانيا، وكذلك موضوع التجسس السابق، فإن هذا الموضوع سيكون حجر الزاوية فى تقارب وجهات نظر الثلاث قوى أكثر من قبل، والتسليم بأن أمريكا شريك غير موثوق فيه وغير متوقع.

ربما روسيا نظمت أنجح كأس عالم لكرة القدم وشاركت فيه ألمانيا – فكسرت الصور النمطية عن روسيا – ربما الصين يمكنها التحدث عن نجاح تجربة تطبيقات الهاتف ووسائل التواصل الإجتماعى من خلال تطبيق “ويتشات” – الذى تتم عليه صفقات تجارية تصل الى ١٢٠٠ مليون صفقة سنويا، وعدد من الرسائل يصل الى 38 مليار رسالة على هذا التطبيق يوميا.

وهذا يضحد كلمة التتبع من النظام – فكيف لنظام قصرى أن يتتبع عدد هذه الرسائل يوميا – لمن يتحدثوا فى الغرب عن غياب حرية التعبير فى الصين – وهذا ما جاء على لسان “تشاو زيزونغ – عميد معهد الإعلام الجديد وجامعة الاتصالات في الصين” فى منتدى الإعلام الألمانى الصيني الذي عقد مؤخرا فى برلين مايو ٢٠١٨.

بموجب ما ذكر على موقع معهد مركاتور للدراسات الصينية، أنه في حوار الإعلام الألماني-الصيني هذا العام في برلين ، تبادل المشاركون مشاعر القلق بشأن فصل الأخبار الحقيقية من الأخبار المزيفة على وسائل التواصل الاجتماعي مع الاعتراف بالفوارق الأساسية في كيفية رؤية كلا الجانبين لدور وسائل الإعلام. وتحدث المشاركون الصينيون عن وظيفة الإعلام لتعزيز وجهات نظر الحكومة ، أي بشأن العولمة. وطالب الألمان بوصول أفضل إلى سوق الإعلام الصيني وظروف أفضل للمراسلين الأجانب في الصين.   

ما تم التوصل إليه:-

مشروع محرك بحثي مبتكر:

ولا زالت هناك فرصة للتعاون بين الثلاث دول – بما أن ألمانيا وروسيا لديهم خبرات تكاملية فى مجال الإتصالات وكذلك الصين – فقد يتمكنا من التكامل فى إنتاج برمجيات حاسب موازية لـ مايكروسوفت، وايضا محرك بحثي يساعد فى نقل الثقافة الخاصة بالثلاث دول للعالم، دون الحاجة لوسيط أمريكي مثل جوجل، هذه الموضوعات أو المبادرات قد تأخذ سنين ولكنها ضرورية ولا بد من حسمها.

تطبيق جوال جذاب:

ولتكن البداية إنتاج تطبيق جوال جديد، يحمل، على سبيل المثال، الأحرف الأولى للثلاث دول (الصين – المانيا – روسيا) كبداية تفاعل شبابي، ينجز بحرفية ما بين اقسام الإعلام والفنون والترجمة وهندسة الإتصالات فى الجامعات والمراكز البحثية فى الثلاث دول، وذلك من خلال مسابقة يتم الإعلان عنها بالتعاون ما بين الدول الثلاث أو كمشروع تخج يرتبط بمنحة مالية ودراسية او وظيفة مرموقة فى تفعيل هذا التطبيق، بحيث يتلافى كل عيوب التطبيقات الأخري، وتسمح ببرامج ترجمة للثلاث لغات (الصينية، والألمانية، والروسية – إضافة إلى الإنجليزية) بكفاءة، وذلك لتيسير التواصل بين شباب الثلاث دول بسهولة، مع إمكانية تحميله على الحواسب أيضا، وأن يكون لها برامج حماية قوية من التهكير من قبل البرمجيات ومحركات البحث الأمريكية مثل مايكروسوفت وجوجل.  

دور أكثر للإعلام والمجتمع المدنى:

أصر أيضا على موضوع التدريب المشترك بين شباب الإعلاميين البارزين من الثلاث بلدان، وأيضا أن يكون هناك دورا للمجتمع المدنى الخاصة بالتبادل الشبابي التى تتفوق فيه ألمانيا – لأن تعرف الشباب بعضهم على بعض واستكشاف روسيا والصين يغير الكثير من الأمور – ويوجد جمعيات أهلية فى ألمانيا يمكنها التواصل مع جمعيات فى كل من روسيا والصين أو على الأقل جامعات أو معاهد أو من خلال الخارجية الروسية والصينية للتعرف على روسيا والصين.

نماذج المحاكاة:

بكل تأكيد أن نماذج المحاكاة – هى تجربة أنا قمت بها سابقا ولأول مرة للإنتخابات الرئاسية الروسية الأخيرة بالتعاون مع مدرسة العلوم السياسية بجامعة القاهرة وكانت شديدة النجاح – وتخلق جوا مواتيا لكسر الصور النمطية، واحترام الخصوصية الثقافية لكل دولة – لأنه لو طلبنا من طلبة العلوم السياسية الألمان فى جامعة برلين، القيام بإعداد نموج لـ مؤتمر الدورتين الذي يعقد سنويا فى الصين بالتعاون مع باحثين وطلاب من الصين، أو نموذج “الدوما الروسية”، أو بالعكس إذا طلبنا من طلبة صينيين إعداد نموذج للبرلمان الألمانى “البوندستاج” بالتعاون مع باحثين وطلاب ألمان – هذه التجربة ستخلق معرفة كبيرة جدا بواقع الحياة السياسية فى البلدان الثلاثة، وخلفياتها الثقافية، وبالتالى سيتفهم الإعلاميون واقع هذه البلد من الداخل، وسيحقق ما لم تحققه عشرات المحاضرات عن الثقافة الألمانية أو الصينية. 

صندوق طريق الحرير:

ربما للصين أيضا رغبة فى الإنفتاح ثقافيا أكثر على روسيا وألمانيا من خلال مشاريع البنى التحتية، وأهمها السكك الحديدية، حيث تسعى لإحياء مشروع “قطار الشرق الصيني” مرة أخري محملا بالبضائع ليصل الى لندن فى ١٤ يوم فقط، وبكل تاكيد سيعبر هذا القطار الى روسيا أولا، ثم يصل الى ألمانيا فى حوالى ١٠ أيام فقط، مما سييسر حركة التجارة البرية للطريق، ويربطه مع حليفته التجارية الأولى ألمانيا، وهناك فعاليات ثقافية وسياحية وتجارية ستضاعف حتما مع صيرورة تشغيل هذا القطار، الذى سيستتبع نقل مسافرين وثقافات وسلع من الشرق للغرب ومن الغرب للشرق، وطبعا سيمول الصندوق أنشطة كبيرة لتفعيل هذا الطريق.

الحرب على الإرهاب:

بكل تأكيد، هناك تنسيق أمني كبير بين الصين وروسيا والمانيا، كما ذكرنا فى هذا الصدد، بعد أن تعرضت البلدان الثلاثة لحوداث إرهابية من الإرهابيين العائدين، وكذلك ألمانيا تحديدا من فوضى الهجرة الغير شرعية مع دخول اللاجئين فى ٢٠١٥ بالملايين إلى أوروبا، سواء برا عن طريق تركيا، أو من خلال البحر المتوسط، وربما يتطلب هذا التنسيق أيضا دخول دول كبيرة فى المنطقة مثل إيران وتركيا، لديهما تجارب واقعية فى محاربة هذه الظاهرة، التى كانت للاسف صناعة غربية وبتمويل عربي بامتياز، ثم تحولت لبزنس عالمى، عن طريق استخدام مرتزقة لتحل محل الجيوش النظامية لتخريب الدول الأعداء – الأمر الذى كبد الإقتصاد العالمى ما لا يقل عن ١٤ تريلليون دولار منذ ٢٠٠١ الى الآن، وتراقب ألمانيا فعليا عن كثب، القمة الثلاثية التى ستعقد الجمعة 7 سبتمبر فى طهران، بين الرؤساء “بوتين وروحانى وأردوغان” لإسدال الستار على آخر فصل فى مسرحية الإرهاب فى سوريا.

أحمد مصطفى

باحث في الاقتصاد السياسى

رئيس مركز آسيا للدراسات والترجمة

عضو كودسريا – ومجموعة الرؤية الاستراتيجية – روسيا والعالم الإسلامى

اترك تعليقا