الرئيسية » كلمة أسرة التحرير » زمن الاخبار الملفقة – بقلم سهيل فرح / رئيس التحرير
zmn_lkhbr_lmlfq.jpg

زمن الاخبار الملفقة – بقلم سهيل فرح / رئيس التحرير

 

نحن نعيش في معمعان ثورة تطور العقل التقني وكل مستحدثاته… نشهد حالة شمولية من تعميم الكذب ونشر الأخبار الملفقة لم تشهدها البشرية في تاريخها.

وإننا نرجع أسبابه الى الحقائق المرة التالية:

الأولى : لم تكن البشرية في كل تاريخها ومنذ نشوء ما يسمى بـ"الإنسان العاقل" في مثل حالة كهذه من الضياع والقلق. فمع التواجد الفطري للطاقة الضعيفة والقوية في تركيبة الإنسان البيولوجية والنفسية والعقلية والروحية نجد أن تلفيق الأخبار والأكاذيب يكاد يشكل ظاهرة وجودية دائمة. والكذب والضغينة من المفرزات الدائمة للجانب الضعيف ومن مكونات المنطقة المعتمة في الشخصية الإنسانية. ولعل هذه حالة يعيشها كل ضعفاء النفوس من سكان الكوكب وإن كان هذا بنسب شديدة التفاوت.

الثانية: إن من بيده السلطة والمال والقوة والمعرفة يسعى بكل الطرق إلى أن يؤبد سلطته من خلال تأليب الخصم والافتراء بكل أنواع الكاذيب عليه. وهذه بدورها حالة طبيعية مرافقة للسلوك السياسي والاقتصادي للحاكمين وأن تنوعت مصادر وأحجام وفاعلية الافتراء والضغينة.

الثالثة: كل انواع السلطات السياسية والمالية والثقافية والدينية لديها مؤسساتها وقادة الرأي فيها من أجل نشر الأفكار المنمطة عن نفسها وعن الآخرين. والموروث المأساوي يكمن في أن جبالا شاهقة متحجرة من الأوهام تكونت وتحولت مع مر الزمن الى يقينيات وحتى الى مقدسات ثابتة عند الكثيرين.

الرابعة: أن كل هذه الحقائق المرة الثلاث التي اتينا على ذكرها هي معروفة للجميع، ولم "نكتشف فيها أميركا"، إلا أن ما يكتشف في أميركا الحالية هو أن تلفيق الإخبار الكاذبة أضحى نهجا سائدا عنيدا يسلكه الخطاب الإعلامي الأميركي المعارض والحاكم على السواء ومن ورائه مجمل دوائر صنع القرار في أميركا. ونورد هنا على سبيل المثال لا الحصر الأكذوبة الكبرى المتعلقة بالتدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الأميركية الاخيرة، تلك التي يتبناها ويُشهِرها ليل نهار أعضاء الكونغرس الديموقراطيون ومعهم كل أبواق إعلامهم و نفوذهم…. هذه الأمريكا تعاني من "جنون عظمة متهافتة متصاعد ومن تأليه متآكل  للقوة" … نحن لا نكره أبدا علمها وثقافتها البناءة وإنجازاتها الاخرى في اكثر من ميدان، بل إننا كنا نحبها كثيرا، لأنها شكلت قبل الحرب العالمية الأولى ملعبا كبيرا للخيال الطموح ولجذب المواهب… وكانت الى حد بعيد منارة كبرى للديموقراطية وحقوق الإنسان المرتبطة باسم الرئيس الراحل نيلسون.

الخامسة: إن الـFake news أضحت آفة إعلامية تعمل على انتاجها يومياً شبكة جهنمية يتحرك عبر خيوطها العلنية والسرية مجمل المتصدرين شاشات الـ CNN وصفحات الـ New York Times و"صوت أمريكا" ومعها الجيش الكبير من الإعلاميين والسياسيين ورجال المخابرات، ولعلني لا أجافي الحقيقة إن عممت ذلك و قلت إنها تكاد تكون آفة كل "المتأمركين" في العالم بل آفة بشرية عامة وعدوى مرضية قاتلة تنتشر كموجات الطاعون الهائلة التي طالما فتكت بعدد كبير من سكان البشر.

السادسة: إن مخاطر فبركة الأخبار الملفقة التي لا تشمل فقط الصحافة الصفراء وسائر وسائل الإعلام بل تمتد لتشمل كل المشاركين بهذه اللعبة الجهنمية الهادفة للسيطرة على قلوب وعقول البشر، هذه اللعبة النفسية والسوسيونفسبة والانتربولوجية  والبيولوجية وفي علوم الدماغ والأعصاب والبيولوجيا والفيزياء وغيرها، تلك التي تتلاعب بقلوب وعقول البشر.ويكاد الجميع، إما عن وعي أو غير وعي، يقع في أفخاخها وينغمس في مستنقع أوساخها.

السابعة: إن لزمن الأخبار الملفقة تقنيات مستحدثة لم تشهدها البشرية من قبل وهي مرتبطة بشكل أساسي بالطفرة المعلوماتية وبكل مخزون الطاقة العدوانية وبكل منتجات المخيلة المريضة الهوليودية وغير الهوليودية التي تحركها ايضا المنطقة المظلمة لدى الكبار والصغار في معظم بلدان الغرب والشرق معا، والتي لا وجود أصلا في قاموسها للاخلاق المتسامية والقيم الانسانية العامة. فمعنى معاني الوجود في نهجها و فعلها هو  الخضوع الأعمى والمطلق لمصالحها الأنانية النرجسية المعادية حتى النخاع الشوكي للجانب الأكسيولوجي في الذات الإنسانية. 

الثامنة: عندما تتفتق كل "العبقريات" عن أكاذيب لدى أنصار الفلسفات الداروينية الاجتماعية والبراغماتية والفردانية ومعها سائر معتنقي الخطابات التوتاليتارية وحملة العقائد المطلقة – المغلقة، تضيع الحقيقة الصافية ومنطقة القيم الصافية في الشخصية الإنسانية ويضيع معها الإنسان. وهذا ما نراه ماثلا بقوة أمام أعيننا.

التاسعة: إن مأساة زمننا الحالي هي في أن الذين الذين تسكنهم النزعة الانسانية ويتوفر لديهم العقل للتحليل السليم والقدرة النقدية والرغبة في تغيير الواقع في عصر الأخبار الملفقة في زمننا هذا إلى تضاؤل مأساوي، فيبدو كوكبنا وكأنه يعيش في "نيو- بابل" حيث لا يفهم الناس بعضهم بعضاً ولا قواسم إنسانية وسماوية مشتركة بينهم، ولا يتقنون ثقافة الصفاء ولا جمالية النظر ولا ثقافة الروح … فيبدو وكأن الروح العدوانية وروح المصالح الضيقة وشيطان الكذب هي أسياد الساحة. وتتمثل خطورتها الكبرى في أنها ظاهرة متفشية في كل اصقاع الارض، وأن الأكثرية الساحقة من الناس تبدو مستسلمة لهذا القدر المشؤوم . وأن القسم الأكبر من الناس يفتش عن الخلاص في التعلق بالطوباويات والاوهام الكبرى الدينية والدنيوية، فهم يتكاسلون  علميا وعقليا وحتى روحيا في  تشغيل حكمة العقل وسماع نداء الضمير …   فيبدو الكثيرون منهم يغرقون في تيه وجودي كبير.

العاشرة: كل هذه الحقائق التسع المرة يؤمّل ألا تقضي بالضربة القاتلة على المنطقة الصحية المتمردة العادلة وعلى الطاقة  النورانية والصحية والأكسيولوجية المتفائلة في الشخصية الإنسانية. بل هي تتطلب استنفاراً عاماً لكل عناصر البناء والصدق والرغبة الجامحة في توفير كل عناصر القوة الإيجابية في العقل و القلب البشريين من أجل الانتصار على زمن الإخبار الملفق.