الرئيسية » سياسة واقتصاد » زيارة اردوغان إلى روسيا – يشار ياكش
rdwgn_bwtyn_1.jpg

زيارة اردوغان إلى روسيا – يشار ياكش

 ثم عقد الزعيمان مؤتمراً صحافياً مشتركاً، واجتماعاً آخر خصص حصراً لمناقشة الأزمة السورية. وفي ختام الزيارة رأس الزعيمان اجتماع مجتمعيْ رجال الأعمال في البلدين.
الزيارة إلى روسيا اكتسبت أهمية لعدد من الأسباب:
أولاً، لأنها شكلت الخطوة الأولى نحو إحياء العلاقات الثنائية بين البلدين، والتي كانت تواجه صعوبات كبيرة نتيجة إسقاط طائرة مقاتلة روسية في الأجواء السورية في 24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015.
ثانياً، لكون الزيارة القصيرة أتت إثر الانقلاب العسكري الفاشل، الذي جرت أحداثه في 15 تموز/ يوليو الماضي، في تركيا. إذ كانت الزيارة الخارجية الأولى للرئيس التركي بعد الانقلاب، واعتبرت ردّ فعل إيجابياً تجاه مبادرة الرئيس بوتين، الذي كان من أوائل الزعماء، الذين تواصلوا هاتفياً مع الرئيس أردوغان إثر الانقلاب، معرباً عن دعمه لأردوغان في مواجهة الانقلابيين. أما القادة الغربيون فمن من حذا حذو بوتين، ومنهم من تأخر في ذلك، ومنهم من لم يتصل على الاطلاق.
ثالثاً، سيطرت أجواء إيجابية على محادثات سان بطرسبورغ. ومع أن أحداً لم يكن يتوقع حصول أي معجزة في القضايا محل الخلاف، خلال الاجتماع الأولي للزعيمين، إلا أن الزعيمين أثناء اللقاء استخدما لغة إيجابية في بيانيهما خلال المؤتمر الصحافي المشترك.
رابعاً، أتت الزيارة فيما كانت علاقة تركيا مع الغرب متعثرة. إذ يوجد تصور واسع النطاق في تركيا، عن أن العديد من الأفراد الأميركيين، سواء من شاغلي المناصب الرسمية أو من العاملين بصفة استشارية، لديهم صلات مع انقلابيي 15 تموز/ يوليو، على الرغم من أن السلطات التركية لم تتهم الإدارة الأميركية بتورطها المباشر في ذلك. لكنها، ببساطة، اتهمت الولايات المتحدة بإيواء رجل الدين التركي عبدالله غولن، الذي يعيش في منفاه الاختياري في ولاية بنسلفانيا الأميركية. وعلى صعيد متصل، توترت العلاقات كذلك مع الاتحاد الأوروبي، بسبب الانتقادات التي وجهتها دول أوروبية منضوية في الاتحاد إلى التدابير القاسية التي اتخذتها تركيا في حملة تطهير "الغوليين" من أجهزة الدولة.
ومن بين الموضوعات التي تمت مناقشتها، يبدو أن التعاون الاقتصادي أخذ حيزاً ملموساً من الاهتمام. وهذا شيء طبيعي، إذ أنه أقل الأمور إثارة للجدل. فالتدابير الانتقامية المفروضة على العلاقات الاقتصادية مع تركيا، تضر بمصالح البلدين معاً.
وقد تم الاتفاق على تنشيط الأعمال في محطة الطاقة النووية، التي يتم بناؤها من قبل روسيا في مدينة أكونيو الساحلية التركية المطلة على البحر المتوسط. والمفاعل، بقوة 1200 ميغا واط، سيكلف 22 مليار دولار، وكان من المقرر، في البداية، أن يبدأ العمل به سنة 2022. وسوف يتم بناؤه وتشغيله، ويبقى ملكاً للدولة الروسية، التي ستبيع الطاقة المولدة منه إلى تركيا وفق سعر متفق عليه. مع العلم أن هذه المحطة النووية ستنعش الحياة الاقتصادية التركية لنحو 60 عاما، إذ ستعتمد تركيا بشكل كبير على الطاقة التي تقدمها روسيا حتى العقد الثامن من الألفية الجديدة. وذلك أن تركيا، في الوقت الحاضر، تستورد نحو ستين في المئة من احتياجاتها من الغاز من روسيا. ومع أن هذا الاعتماد الكبير على مصدر واحد للطاقة يحتوي على العديد من المخاطر، لكنه في الوقت عينه يساهم في تحقيق الاستقرار في العلاقات الثنائية بين البلدين. فستعتمد تركيا، بموجب الاتفاقات، على مصادر الطاقة التي تقدمها روسيا، فيما ستعتمد روسيا في المقابل على الأموال التي ستدفعها لقاء الطاقة المنتجة. وقال الرئيس أردوغان خلال المؤتمر الصحافي في 9 آب/ أغسطس إن بناء محطة الطاقة النووية سيندرج في قائمة الاستثمارات الإستراتيجية، الأمر الذي سيتيح للمشروع الإفادة من عدة حوافز ضريبية. كان ذلك أحد أهم النتائج الملموسة لاجتماع الزعيمين.
ومن بين النتائج الملموسة الأخرى إحياء المحادثات بشأن خط أنابيب غاز ستريم التركي. في البداية، كان هذا الخط يسمى "ساوث ستريم" (التيار الجنوبي)، وكان يفترض أن تتمدد الأنابيب في قاع البحر في البحر الأسود من منطقة كراسنودار الروسية إلى بلغاريا، وأن يتم ضخ نحو 62 مليار متر مكعب من الغاز سنويا، من روسيا عبر بلغاريا، ومنها إلى مختلف دول الاتحاد الأوروبي. لكن البرلمان الأوروبي كان قد اعتمد قرارا بتعليق العمل في بناء المشروع. في المقابل، اتخذ الرئيس بوتين قرراً خلال زيارته لتركيا، في الأول من كانون الأول/ ديسمبر 2014، قضى بأن لا يمتد خط الأنابيب نحو الشاطئ البلغاري، بل عبر تركيا، وبات يسمى بالخط التركي، بدلا من الخط الجنوبي. وفق ذلك القرار الذي اتخذه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، يفترض أن يدخل خيار دخول الخط التركي حيز التشغيل في العام 2020، ففي ذلك العام تنقضي مدة الاتفاق بين روسيا وأوكرانيا لنقل الغاز عبر أراضي الأخيرة. وعندما نشأت أزمة الطائرة المقاتلة الروسية، بين روسيا وتركيا، في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، كانت المحادثات التحضيرية لهذا للمشروع قد علقت من قبل روسيا. أما الآن، ومع زيارة الرئيس أردوغان إلى روسيا، يبدو أن العمل على مشروع خط أنابيب دبت فيه الحياة من جديد. لكن الاتحاد الأوروبي، كان قد سارع إلى الإعلان قبل يوم واحد من زيارة الرئيس أردوغان إلى روسيا، عن أنه مستعد لاستئناف المحادثات بشأن مشروع خط الأنابيب الجنوبي. لذلك شاب القضية بعض التعقيد. التصريحات التي أدلى بها الزعيمان عقب المحادثات، لم تعط فكرة واضحة عن الخطوات الملموسة التي يجب اتخاذها، لكنها تشير في الوقت عينه، إلى أن الموضوع قد تمت مناقشته، وفق منهج إيجابي.
بالإضافة إلى ذلك، يبدو أن مسألة استئناف رحلات الطيران، وخاصة تلك التي تقل السياح الروس إلى المنتجعات شواطئ البحر المتوسط التركية، قد تم حلها. وذلك قد لا يساعد في تعويض خسارة تركيا عن عائدات السياحة للعام الحالي. فتركيا كانت تجتذب نحو 42 مليون سائح في العام 2014، وكانت تحتل المرتبة السادسة في الوجهات السياحية الأكثر شعبية في العالم. وكانت الإيرادات المتحصلة من السياحة نحو 30 مليار دولار سنويا. وكان عدد من السياح الروس الذين زاروا تركيا نحو 3.7 مليوناً في العام 2015. وهذا الرقم تضاءل بنسبة 87 في العام الحالي، بسبب أزمة الطائرة المقاتلة. وقرار استئناف الرحلات الجوية السياحية، قد لا يساعد تركيا في استعادة تركيا ما فقدته من السياح الروس لهذا العام، لأنه قد تكون لدى العديد من السياح تحفظات، وقد اتجهوا بالفعل نحو بدائل أخرى، لقضاء موسم العطلات الحالي. فمن الصعب تخمين أعداد السياح الذين ما زالوا يعتبرون تركيا هدفاً لوجهتهم في هذا الوقت من فصل الصيف. علاوة على ذلك، فإن الكثير من السياح الروس اكتشفوا منتجعات جديدة في أماكن أخرى خارج تركيا، وقد يستمرون في التردد عليها في المستقبل.
المواضيع الأخرى التي تمت مناقشتها خلال الاجتماع الثنائي بين الزعيمين، شملت رفع القيود المفروضة على المتعاقدين الأترك العاملين في روسيا، ورفع الحظر الذي فرضته روسيا على واردات الخضار والفواكه التركية، والتعاون في مجال الصناعات الدفاعية الخ…
قد لا تتحقق توقعات مرتفعة لتحسينات فورية في العلاقات التركية – الروسية في جميع المجالات. لكن مما لا شك فيه، أن حادثة المقاتلة الروسية تركت بعض الندوب في العلاقات. تلك الندوب لا يمكن أن تلتئم بين عشية وضحاها، إلا أن تحسن العلاقات على المدى الطويل متوقع، وذلك مع تطور الثقة المتبادلة بين البلدين. ما يبدو من المؤكد في هذه المرحلة هو أن العلاقات التركية الروسية هي الآن في الاتجاه تصاعدي. ولا يوجد أي سبب للتشاؤم.
ويعتقد بعض المراقبين أن ذوبان الجليد في علاقات تركيا مع روسيا سيدفع تركيا إلى أن تنجرف بعيدا عن حلف شمال الأطلسي، والاتحاد الأوروبي. صحيح أن علاقات تركيا مع الغرب بشكل عام أقل من المستوى المرغوب فيه. وهناك العديد من المخاطر التي قد تزداد تدهورا. لكن، هذا لن يكون بالضرورة نتيجة لتحسن العلاقات التركية – الروسية. وسوف يكون من الأكثر واقعية القول إن هناك مجموعتين من العلاقات: العلاقات التركية – الروسية، والعلاقات التركية – الغربية، وكل منها يتطور وفق ديناميته الخاصة. بالطبع كل بند من بنود العلاقات الدولية يؤثر على علاقات أخرى بدرجة معينة، لكننا سنكون مجانبين للحق إن نظرنا إلى هذه العلاقات كما لو أنها لعبة نتيجتها صفراً. فإذا ما كانت الظروف مناسبة، فكلتا المجموعتين من العلاقات قد تتطور في الاتجاه الإيجابي.
حتى الآن، كان أحد المواضيع الأكثر أهمية في محادثات أردوغان وبوتين هو الأزمة السورية. وقد أجّل الزعيمان مناقشة هذا الموضوع الهام إلى اجتماع حصري تم عقده بعد المؤتمر الصحافي. ونظرا لأهمية هذا الموضوع، سوف أناقشه في مقالتي المقبلة.

الكاتب: يشار ياكش
 13 آب/ أغسطس 2016
كلمات مفتاحية: أردوغان، بوتين، الانقلاب، العلاقات التركية الروسية، أنابيب الغاز، بلغاريا، أوكرانيا، الاتحاد الأوروبي