ويتمثل السؤال الأهم فى التشخيص الصحيح، لماذا فشلت الثورات فى إصلاح الوضع في مصر؟

بعد ثورة 30 يونيو عام 2013، كنا طموحين بشكل كبير للتغيير بعد التخلص من ‏الفاشية الدينية ممثلة في جماعة الإخوان، ولكن واجهتنا عدة عراقيل، نعم لقد تم قطع رأس النظام، نظام مبارك ونظام التنظيم الدولى للإخوان، ولكن الجسم باق على قيد الحياة في جميع مؤسسات الدولة.

حيث تقف البيروقراطية والفساد والبنية السيئة حائلا دون أى محاولة للتغيير، وانعدام الرؤية في معظم الوزارات والوزراء حول الرئيس هى أيضا عاملا كبيرا للفشل، لأنه سواء أبقي الرئيس أو غير الحكومات، فإن السمة الرئيسية هي التفكير العادي وليس التفكير الإبداعي النقدى، فضلا عن عدم وجود تكامل فى الأعمال والأنشطة، كما أن الوزراء خائفون، حيث يعملون في جزر منعزلة.

والأسباب أعلاه مستوحاة من عدة حالات سأسلط الضوء عليها على النحو التالي: –

أولا، مشروع ‏محور قناة السويس الجديد، حيث اليوم بمثابة الذكرى الأولى لتدشين هذا المشروع الكبير الذي تم تمويله من قبل المصريين أنفسهم، والذي من المفترض أن يزيد من قدرة قناة السويس إلى الضعف، ولكن على الرغم من العلم بالمشروع من الدول المجاورة وخاصة من دول الخليج ( ‫‏السعودية و لإمارات) إلا انها بدأت وأشعلت الحرب الأهلية في ‫‏اليمن، بالقرب من مضيق باب المندب، المدخل الجنوبي للبحر الأحمر الذي يمثل الممر الملاحي الوحيد لـ قناة السويس، وذلك أثناء أعمال الحفر، والمشكلة هي أننا أيدنا التحالف برئاسة المملكة العربية السعودية ضد الحوثيين، وفي الوقت نفسه لم نلعب دور الوساطة السليم المتوقع من مصر لتسوية التوتر بين إيران والمملكة العربية السعودية، وذلك لتأمين المكاسب المتوقعة من هذا المشروع الجديد، ووفقا لذلك، فإن معظم خطوط الشحن العالمية تفضل اتخاذ الطريق القديم حول جنوب أفريقيا على الرغم من التأخير، خوفا من التعرض لهجمات من قوات التحالف، والقراصنة والجماعات الإرهابية (القاعدة وداعش) التي تدعمها المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة الأمريكية فى تلك المنطقة.

ثانيا، فيما يتعلق بـ‏سعر صرف الدولار، وأعتقد أن هذا الأمر في الحقيقة فضيحة، لأنه كما قلنا من قبل، غياب التنسيق من وجهة نظري ما بين ‏البورصة المصرية، و‏البنك المركزي، ‏وزارة المالية، و ‏وزارة السياحة و السياسة النقدية هو السبب.

والسؤال هو لماذا سعر الدولار الأمريكى أعلى من أي وقت مضى؟

فحيث جاء في بيان عشوائي وغير مدروس من محافظ البنك المركزي، أنه ينبغي علينا أن نعوم الجنيه المصري، الأمر الذي جعل سماسرة العملة ورجال الأعمال يشترون الكثير من الدولارات، عندما كانت أرخص وبيعها بعد ذلك مع إرتفاع سعرها، الأمر الذى جعلهم يحققون الكثير من المكاسب من الوساطة والعمولات دون ضخ تلك المبالغ في استثمارات حقيقية في الصناعة والزراعة، أو على الأقل في الخدمات.

السؤال الأكثر مدعاة للقلق، لماذا إرتفعت أسعار السلع والخدمات أعلى من أي وقت مضى، على الرغم من عدم استيرادها؟

ويختصر الجواب في ممارسات احتكارية في الأسواق على الرغم من وجود ‏قانون مكافحة الاحتكار، فلا يوجد حد أقصى للربح، ولا نعرف سعر البيع المصنع، ويزعم رجال الأعمال أنهم اشتروا بعض المكونات بالدولار، والدولار سعره مرتفع، لكنهم اشتروا بالفعل عندما كان سعر الدولار أرخص، وأيضا لماذا حدد البنك المركزي سعر الدولار وعرضه للمعاملات بسعر منخفض (إن وجد) لما كانت في السوق الفعلى بسعر أعلى. ولـ ‏هيئة السلع التموينية دورا أيضا في هذه المسألة، لأنه عندما يعانى المزارعون المصريون من عدم شراء محصولى القمح والأرز، أو شرائه في بأسعار منخفضة جدا لا تغطي تكلفة زراعته، في الوقت نفسه تسمح الهيئة وتخصص استيراد لهذه المحاصيل الاستراتيجية لرجال أعمال بعينهم، مع غياب الرقابة الفعالة على هذه المحاصيل المستوردة، وبالتالي شهدنا عدة قضايا فساد مثل حادث العتال في عام 2009، حيث قام هذا الرجل باستيراد القمح الأوكراني مخصص كعلف للحيوانات، وليس للاستهلاك الآدمى، وكذلك مؤخرا استيراد القمح المصاب بفطر "الإرجوت/الشقران"، ولأن هذه المحاصيل يتم استيرادها بالدولار، وهذا يعني خسارة كبيرة لدينا مخزون الاستراتيجي من الدولارات، وعلى الرغم من ذلك فأنه يجب علينا دعم مزارعينا لا المستوردين مثل الدول المحترمة، وأن نوفر لهم الصوامع وأماكن التخزين التي يمكن أن تستوعب هذه المحاصيل، والحفاظ على الدولار فقط للصناعة والأدوية.

ثالثا، ‫ ‏زيارة وفد صندوق النقد الدولي، وأنا حقا لا أعرف، ولكنني وجدت ثمة تشابه بين تعامل صندوق النقد الدولي مع ‫#‏اليونان وما يتم التعامل به مع مصر، وبعد الحملة الترويجية التي رافقت الزيارة لصندوق النقد الدولي، وكذلك كما أنه أبدى استعداده لتقديم حوالي 12 مليار $ مع فائدة صغيرة لا تتجاوز 1.5٪ خلال 3 سنوات متتالية، إلا أن هذه المسألة سوف تتطلب الكثير من إجراءات التقشف، على سبيل المثال، فرض ضريبة القيمة المضافة الجديدة، والحد من دعم على الطاقة، والحد من الإنفاق الحكومي، وتقليص القوى العاملة الحكومية الخ … من الإجراءات التي أعطيت لليونان من ‫‏الترويكا برئاسة صندوق النقد الدولي مع البنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية، والتي جعلت الوضع يتأرجح بين الجنة والنار، ولكن لم تعط حلول محددة لتنهي الأزمة الاقتصادية الحادة في اليونان، إلا أن بعض الخبراء الماليين يبررون القرض من صندوق النقد الدولي، وذلك بسبب شهادة الاعتماد التي سوف تعطى لنا للتعامل مع المجموعات المالية والبنوك الأخرى في جميع أنحاء العالم.

العنصر الثاني، أن الرئيس السيسي رجل وطني ولكنه لجأ إلى صندوق النقد الدولي، حتى لا يرضخ لضغوط بعض الدول المجاورة في الخليج، والتي ستقترضنا دولارات، شريطة المشاركة في بعض الحروب دون معرفة جبهة حقيقية مثل الحرب في اليمن، أو لتغيير موقفنا في ‫#‏سوريا بحيث لا ندعم النظام هناك، ولا الجيش العربي السوري، الجيش الوحيد والحقيقى في معركتهم ضد الإرهاب، أو على الأقل إعطاء بعض أجزاء من حدودنا إلى بعض البلاد الأخرى ثمنا لهذه الدولارات المقترضة، الأمر الذي جعلنا أقرب إلى صندوق النقد الدولي أكثر من دول مجلس التعاون الخليجي.

وبالمناسبة، كان من الأفضل التركيز على القوى الجديدة في العالم والمنظمات الجديدة، التي قدمنا على عضوية فيها، مثل مجموعة ‫#‏بريكس و ‫#‏منظمة_شنغهاي، التي تضم أسواقا كبيرة جدا والتى لن تفرض أبدا قيود كبيرة على الصادرات والخدمات التي نقدمها، كما قلت عدة مرات، حيث أننا تحتاج على الأقل لوجود أسواق سياحية جديدة في الصين وإيران وآسيا الوسطى والشرق الأقصى وبالطبع عودة السياحة الروسية، والتى ستعوض العجز فى مخزون الدولار.

أيضا الاتحاد الأوراسي، هذا المشروع الذي أطلقه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لماذا لم نشارك بشكل فعال في هذا المشروع الواعد الذي سيتضمن ما لا يقل عن 4 أسواق واعدة وكبيرة بين أوروبا وآسيا، والتي من شأنها أن تسمح بموطىء قدم للمنتجات والخدمات المصرية في هذه المنطقة؟

وبما أننا حاليا نحن ضيف شرف ‫#‏الصين في قمة ‏مجموعة الـ20 الإقتصادية القادمة التي ستعقد في مدينة‫ ‏هانجزو فى سبتمبر المقبل، تلك المدينة التي تحقق دخلا يقدر بمبلغ 100 مليار $ سنويا، حيث أن هذه المدينة تعد نموذجا للمدينة اللوجستية والتكنولوجية العالمية التي بدأت التنمية فيها منذ عام 1992، وأصبحت الآن مركزا تنافسيا عالميا، حيث إرتفع الدخل السنوي للمواطن من فقط 3000 دولار سنويا في عام 2000 حتى وصل إلى 13000 دولار في عام 2015، واضعة في الاعتبار أن السلع الأساسية في الصين رخيصة جدا لسياسة الإنتاج الضخم، كما أن الصين الآن هي أكبر قوة اقتصادية في العالم، ولكن هل لدينا حقا جدول الأعمال والخطة الصحيين لتقديمهما وسط القوى الاقتصادية الـ 20 الأكبر فى العالم هناك؟ حيث تعتبر مصر واحدة من أكثر المناطق أهمية للصين في مبادرة إحياء طريق الحرير.

لماذا لم نستمر فى عقد منتدى شرم الشيخ الاقتصادي سنويا لجذب المستثمرين الدوليين؟ المناسبة التي يمكن أن تجتذب ليس فقط رجال الأعمال، ولكن السياح من جميع أنحاء العالم، على أن يتم وضع السياحة على رأس جدول أعمال المنتدى، مع السماح لجميع رجال الأعمال والسياح الراغبين فى زيارة مصر دخول مصر دون عوائق، إذا لم يكن هناك أى شبهة أمنية في هذا الصدد مهما كانت جنسياتهم.

رابعاً وأخيراً، واحد من أهم الإنجازات المصرية المحرزة في مجال الطاقة، المتمثلة في توقيع الاتفاق المبدئي لإنشاء‫#‏محطة_الطاقة_النووية في ‫#‏الضبعة، بمطروح، مع السادة/ روس أتوم، الشركة الروسية الخبيرة والمتميزة والعالمية في هذا المجال، حيث انها تقدمت بأفضل عطاء في هذا الصدد ماليا وتقنيا، ويعد هذا المشروع استكمالا للتعاون الجيد مع روسيا التي لديها سجل حافل مع مصر بدءا من التعاون فى مجال التسلح، والسد العالي في أسوان، ومصانع حلوان للحديد والصلب، ومجمع الألومنيوم في نجع حمادي بالأقصر، وأن نموذج المحطات المزمع انشاؤها مع نظام التبريد، والتخلص من الوقود النووى المستهلك، هو أفضل نموذج مقدم فى العالم فى الوقت الراهن، ويراعى كافة وسائل الأمان، ويتلافى عيوب التى وقعت لمفاعلى تشيرنوبيل فى أوكرانيا، وفوكوشيما فى اليابان.

ولأن هذا المشروع لن يغطي فقط العجز فى الـ 300 ميجا وات في الطاقة الكهربائية فى مصر، إلا أنها ستنتج أكثر من 1200 ميجا / ساعة، وفقا لذلك سيتم زيادة الطاقة المنتجة أكثر من المطلوب، وعليه فسيتم تصدير الطاقة الكهربائية للدول المجاورة وخصوصا فى إفريقيا، الأمر الذي سيسهل الاستثمارات الجديدة والتنمية في الشمال والأجزاء الغربية من مصر، وليس فقط أن هذا التدفق من الطاقة سوف يستخدم أيضا في تحلية مياه البحر، حيث أننا قد نعاني من عجز مائي في المستقبل بسبب نظام الري القديم الذي يسيء استخدام المياه، وزيادة معدلات الإنجاب، والتخطيط العشوائي لتحقيق أهداف التنمية المستدامة، فضلا عن مشاريع سد النهضة في إثيوبيا، حيث أن كل هذه العوامل مجتمعة ستضع مصر في كارثة، إن لم يكن إصلاح بشكل فورى.

وهذا ما قاله وشرحه د يسرى أبو شادى، كبير مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فى آخر ندوة له عن هذا المشروع بنقابة المهندسين الشهر الماضى.

وهذا للعلم والإسترشاد.

 

 

 

 

أحمد مصطفى: باحث اقتصاد سياسى – عضو كودسريا