الرئيسية » جماليات » وجوه من الادب الروسي الحديث : تاتيانا تولستايا وشفافية العبارة – د. فالح الحمراني
تاتيانا تولستايا

وجوه من الادب الروسي الحديث : تاتيانا تولستايا وشفافية العبارة – د. فالح الحمراني

 

ولدت تتيانا تولستايا عام 1951 في لينينغراد من اب اكاديمي في مجال علم اللغة والادب (فيلولوجيا)وهي حفيدة الكاتب السوفياتي الكبير الكسي تولستوي صاحب (درب الالام ) و( بطرس الاول ) ومتحدرة من سلالة تولستوى المرموقة التي  انحدر منها ايضا ليف تولستوي صاحب الحرب والسلام. وانهت كلية الادب واللغة في جامعة لينيغراد، بعدها انتقلت الى موسكو. وبدات النشر عام 1983 بنشر مقالتها النقدية في مجلة اوفرورا. وفي منتصف الثمانينات كتبت ونشرت في الدوريات الادبية حوالى عشرين قصة لفتت لها انتباه النقاد. وتعاطى النقد الرسمي السوفياتي مع ادب تولستايا بشكوك وحذر، البعض اخذ عليها ازدحام المجموعة بالاحداث والشخوص، مما جعل من الصعوبة اخذها بجرعة واحدة  وان كافة القصص مكتوبة وفق تصميم واحد، ومبنية بصورة مصطنعة. ، واخرون على العكس، اعترفوا انهم شعروا بمتعة فنية من قراءة قصصها. وعرفت تولستايا في الوسط الثقافي ذي الميول الادبية بانها كاتبة متفردة وذات نزعة مستقلة. ومعظم شخوص قصصها من الناس البسطاء من اهالى المدن غريبو الاطوار(العجائز المحافظات على انماط الحياة القديمة، والشعراء العباقرة والمتخلفون عقليا منذ الطفولة،…)، الذين يعيشون ويموتون في وسط البرجوازية الصغيرة المتعفن والاصم ازاء معاناة الاخرين.

ان عالم تولستايا الفني شفاف وبلوري  تدور في اطاره شخصيات من مختلف المشارب والشرائح،  وغالبا ما نرصد انها عوالم حقيقية غير مُتَخليلة لكنها استحواذية بفعل تركيبها الفني وقدرات احالتها لواقع غني قابل لتعددية التاويل، وفي قصصها ترسم صورة بطرسبورغ بمختلف ابعادها التاريخية واليومية، فضلا عن الطابع النسوي الذي يتغلغل في العديد من قصصتها وصدام الاحلام بالواقع الصلب والقاسي، الى جانب فيض قصص تولستايا بالروح الانسانية وامتداح الخيار الاخلاقي، انها تقدم لنا شخصيات حية فيها احينا نوع من الغرابة واخرى عادية لكن يثير اهتمامنا عالمها الروحي الغني.

ويرصد النقاد مؤثرات فيكتور شكلوفسكي (1893 ـ 1984) ويوري تتيانوف (1894 ـ 1943) من جهة اخرى الكسي ريميزوف (1877 ـ 1957على  قصص تولستايا. ففي نصها تتداخل مختلف معاني انساق اللغة، وكقاعدة تنظر الى شخوصها من الجانب الاخر وتستخدم اسلوب الصورة السينمائية في تقليب الحدث. وفي خلافها عن رواد التجديد في التعامل مع الكلمة، فان تولستايا تستخدم الاسلوب الذي طورته بتكوين العبارات المركبة التي تصدم القارئ لما تتضمنه من مفارقة ومفاجئة، مما جعل النقاد يتحدثون عن الثراء الجمالى في اعمالها.

وبعد النجاح الذي حظيت بها قصصها القصيرة التي نشرتها في ما يسمى بالمجلات السمكية مثل العالم الجديد واورارا والنجمة التي نشرت قصصها موعد مع الطيور 1983 وسونيا 1984 والصفحة البيضاء 1984 وانت تحب انت لاتحب 1984 وغيرها.  صدرت مجموعتها القصصية الاولى "في السقيفة الذهبية جلسنا…" الصادرة عام 1987 ، واضافت لها قصص جديدة كالساحر وعزيزتي شورا وغيرها.  كما صدرت لها مجموعات قصصية : الاخوات ونهر اوكيرفيل  والليل والجدران البيضاء ويوم نسوي والنهر وفتاة في الالوان، التي ضمنتها جوانب من سيرة حياتها بلغة نابضة مترعة بالانفعالات الخفية.

 وغادرت تولستايا روسيا عام 1990 الى امريكا لعشر سنوات لالقاء محاضرات عن الادب الروسي، وغدت عضو هيئة تحرير مجلة العاصمة .وظهرت ترجمات لقصصها بالانجليزية والفرنسية والسويدية وبعضها باللغة العربية وغيرها من اللغات.وصدرت مجموعتها الثانية تحب او لاتحب في موسكو و كتاب شقيقتان بالمشاركة مع شقيقتها ناتاليا. وصدرت في عام 2000 اول رواية لها بعنوان كيس التي تحيل الى واقع روسيا بعد نشوب حرب نووية. وتصور الرواية وهي من النوع الخيالى/ الواقعي تداعيات الحرب المفترضة على روسيا: حيث اضمحلت اللغة، وتحولت المراكز السكانية الكبرى الى قرى مشوهة، وحيث يعيش الناس وفق قواعد لعبة القط والفار. والرواية مشحونة بالتهكم، وشخوص الرواية طيف واسع من المسخ، ويجري تجسيم ممارساتهم الجنسية بصورة قريبة من الحيوانية التي تثير الاشمئزاز. انها ناقوس خطرمن نتائج الحروب والنزاعات بين البشر.

 

تدخل تتنايا تولستايا الان في عضوية مختلف لجان التحكيم الادبية الروسية والصناديق الثقافية، وهي عضوة في اسرة تحرير مجلة " كنترابونكت" التي تصدر بالروسية في الولايات المتحدة، وتقدم برامجا تلفزيونيا في قناة ان تي في، كما تشارك في الفعاليات الثقافية، وتقول ليس لديها الوقت الكافي لتقوم بكل ما ترجو القيام به.