الرئيسية » سياسة واقتصاد » تطرّف ديني يكتسح مجتمعاتنا! – ابراهيم حيدر
ttrf_yktyh.jpg

تطرّف ديني يكتسح مجتمعاتنا! – ابراهيم حيدر

هذا يعني أن التخرج من الجامعة لا يكفي لأن يتشكل وعي لدى الشباب يسمح بتطوير العقل، وإن كانت الجامعات تبقى مكان الاندماج وتشكل الوعي والانفتاح والتواصل، ولا أبالغ القول أنها توّلد الأفكار وتفتح آفاق التنوير الى الحداثة. لكن المشكلة التي تواجه جامعاتنا أنها تتأقلم مع طبيعة المجتمعات والأفكار المسيطرة، بحيث باتت معبراً ومرحلة انتقالية للبحث عن فرص غير متاحة، وهي التي صارت تلائم مناهجها واختصاصاتها وفق السوق، فتراجع الحس النقدي الذي تبلوره عادة العلوم الإنسانية بتهذيب العقل وبناء الفكر.

وعندما لا تؤدي الجامعات وظيفة إنسانية على مستوى الفكر النقدي، كمكان تمارس فيه الديموقراطية بالتوازي مع التحصيل الأكاديمي، بل فقط مجرد مؤسسات تمنح شهادات اختصاص، سيعود المتخرجون في المجتمع اللبناني، كما في المجتمعات العربية، الى حاضنتهم الأولى، وهي المذهب والطائفة، ليبتلوا بأمراض تسلّط الغيبيات والتطرف على وعيهم بديلاً من العلاقات الإنسانية التي كان يجب أن ينسجها الطالب الشاب داخل مجتمعه وفي خارجه. لذا نشهد في مجتمعنا المفكك أصلاً في غياب الدولة والمؤسسات وانتشار الفساد، عودة الى تلك الغيبيات الإلهية المتمثلة بالتدين، واستطراداً التطرف الديني، في هذا الزمن المعاصر، وهو ما يقف حائلاً أمام إمكان تشكل فعل حضاري قابل لتحرير العقل وإطلاق الفكر الناقد وتعزيز الحرية الفردية.

وإذا كان من رهان على الجامعات لتشكيل وعي نقدي لدى الشباب في مواجهة التطرف، وإن كان البعض يرى أنه لا يجب تحميلها أكثر من طاقتها في ضوء ما تعانيه مجتمعاتنا الأهلية، إلا ان التطرف الديني الذي نشهد أمثلة عليه في لبنان والعالم العربي يسلخ الشباب نحو الإرهاب والتكفير، وهو لا يعترف أصلاً بشرعة إنسانية توفر النضج لهم بما يلائم الفكر الإنساني العالمي، ولذا لا نستغرب أن يذهب التطرف بشباب تعلموا ودرسوا في جامعات أوروبية ونالوا جنسياتها للقيام بأعمال اجرامية متوحشة انطلاقاً من التطرف الديني. وعندما نرى أيضاً مئات الشبان اللبنانيين يلتحقون بتنظيمات متطرفة لـ "الجهاد" في سوريا والعراق. في حين يلتزم آخرون فتاوى القتال تحت العنوان المذهبي أيضاً، وإن كانوا يعلنون قتالهم التكفيريين.

سيكون مناسباً الاعتراف أن مجتمعنا، يدخل في دائرة التدين، والإنغلاق والتطرف. هذا البؤس اللبناني والعربي الناشئ بأشكال متخلفة، إذا كان من إمكان لتغيير واقعه، فهو يتطلب أولاً تربية مختلفة، والأهم نضالاً مشتركاً بين كل المكونات يستند الى تفكّر في بنية العقل ونقد المسلمات التي يسكت عليها الفكر الديني الرسمي. فهل من يجرؤ؟

المصدر:جريدة النهار اللبنانية – 19 تموز 2016