الرئيسية » سياسة واقتصاد » تشومسكي: جنازات لأكثر من حلم – حسام عيتاني
المفكر والفيلسوف الأمريكي نعوم تشومسكي

تشومسكي: جنازات لأكثر من حلم – حسام عيتاني

 

يبدو تشومسكي في هذا الفيلم شديد النباهة في استخراج العناصر المؤسسة للكارثة التي ضربت أكبر اقتصاد عالمي وتواصل الحفر حتى اليوم في الأسس التي تقوم عليها الديموقراطية الأميركية. ويميز بين الحريات المتوافرة بكثرة في بلاده وبين النظام السياسي الديموقراطي الذي يتعرض لهجوم كاسح من القلة الأوليغارشية التي تتركز الثروة في أيديها مقابل تفاقم الفقر بين الأكثرية الساحقة من الأميركيين على نحو لم تشهده أميركا في تاريخها، ما أدى حتى الآن إلى إلحاق أضرار جسيمة بأنظمة التعليم والطبابة والتكافل الاجتماعي.

 

 

ويشرح التناقض بين النظام الأوليغارشي وبين الرأسمالية، معيداً إلى الذاكرة مقولات آدم سميث عن «سادة الجنس البشري» الذين يحتكرون الثروة ويحولون دون أداء النظام الرأسمالي عمله، ما يجمع المزيد من السلطات عند جماعة صغيرة من المتنفذين. ويشير كذلك إلى جملة من الإجراءات التي اتخذتها الأقلية المالية المسيطرة لتغيير مسار الحياة النقابية ومنع انتشار الثقافة الديموقراطية وإغراق المواطنين بالسعي إلى امتلاك السلع الاستهلاكية عديمة النفع.

 

 

وعلى الرغم من أن الفيلم يخلو من أي كشف، وهو ما يكرره تشومسكي أكثر من مرة مُذكّراً بأن هذه الحقائق معروفة منذ عقود، بل منذ قرون، على غرار موقفي أرسطو وآدم سميث وجيمس ماديسون الرئيس الرابع للولايات المتحدة، الذي طالب أثناء مناقشة الدستور بمنع سيطرة الأكثرية الفقيرة على السلطة التي ينبغي أن تظل في عهدة الأثرياء، إلا أن قيمة الفيلم تبرز من خلال إدراج هذه المعلومات القديمة والمعروفة في سياق الأزمة السياسة الأميركية الحالية التي تبرز من خلال التمركز الهائل للثروة في جزء من واحد في المئة من السكان مقابل التراجع الكبير في مداخيل الفئات الواسعة من المتعلمين والمهنيين. ويمكن بالانطلاق من هذا التشخيص رسم خلفية الصعود الخطير للمرشح الجمهوري (الفعلي) دونالد ترامب إلى الانتخابات الرئاسية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، ومعاني هذا الصعود وما يعكس من تغييرات في البنية الاقتصادية- الاجتماعية.

 

 

رصانة ونباهة التحليل المذكور، تتناقض تناقضاً رأسياً مع تصريحات ومواقف تبناها تشومسكي في مقاربته الثورات العربية والثورة السورية على وجه التخصيص. ففي محاضرة ألقاها في أيلول (سبتمبر) الماضي، اعتبر تشومسكي أن كل المعارضة السورية ليست سوى تنويعات على «داعش» و «القاعدة»، وقال في مكان آخر إن الصراعات الطائفية التي تمزق المنطقة ناجمة عن الغزو الأميركي للعراق، ما يتلاءم مع رؤيته ورؤية القطاع الواسع من اليسار الغربي للولايات المتحدة بأنها السبب في اندلاع الثورات العربية وتحولها بعد ذلك إلى حروب أهلية وطائفية تتحمل واشنطن المسؤولية عنها.

 

 

التناقض بين الرؤية الموضوعية إلى الداخل الأميركي وبين الاستسلام لتحليل تبسيطي وساذج للثورات العربية، وصولاً إلى إلحاقها بـ «الحرب على الإرهاب» يعلن من دون مواربة تقادم آلية التفكير التي اعتمدها اليسار الغربي منذ أيام الحرب الباردة حتى اليوم. في مكان عميق من هذه الآلية يقيم اعتقاد بمركزية غربية شديدة لا تستطيع الاعتراف بأن ثمة ما تقدر الشعوب على القيام به من دون أن تخدم أو تضر بمصالح واشنطن، وان هذه المسألة لم تُطرح أصلاً في أذهان الشباب الذين نزلوا إلى الشوارع في المدن العربية.

 

 

النمط التبسيطي من التفكير، حتى لو صدر عن مفكر يساري كبير الأثر، يشير إلى أن العالم ما زال منقسماً في أذهان الكثير من الغربيين بين من يصح التفكير في أوضاعهم كمجتمعات ذات مصالح وبين من لا يصح النظر إليهم إلا كجماعات طائفية غير عقلانية.