الرئيسية » حضاريات » تمثلات حديثة في سقوط النموذج المضاد – د. وجيه قانصو / خاص للموقع / الجزء الثاني
msdr_ldl.jpg

تمثلات حديثة في سقوط النموذج المضاد – د. وجيه قانصو / خاص للموقع / الجزء الثاني

فبات محتاجاً إلى مثير خارجي، يحرك ساكنه، ويكسر رتابة التكرار فيه.  كانت الحداثة، هي الصدمة التي دفعت الوعي الديني إلى التعرف على نمط علاقات غير مسبوقة، لديه، فوجد في البداية صعوبة في تصورها، ثم عمد لاحقاً إلى فهمها وتمثلها ورفع رايتها.

من المؤكد أن الحداثة، أو الغرب الحديث، كان وراء المطالب المتكررة بالحرية والعدالة في العالم العربي.  بحكم أن كلا المفهومين قد تغيرا وأجريت عليهما تعديلات وتحويلات جديدة في أوروبا، فلم يعودا على هيئتهما القديمة التي تعرَّف العرب عليهما من الفكر اليوناني أو الروماني أو  المسيحي.

فالعدالة في المجال الغربي، لم تعد تعني الحكم وفق الضرورة العقلية، أو وفق الوحي الإلهي، أي لم تعد مبدأ مفارقاً للمجتمع[1]،  بل صارت، بحسب باركر، مبدأ الدولة الاقصى، الذي يقوم بوظيفة ضم المبادئ المتعددة من حرية ومساواة وإخاء أو تضامن (Solidarity)، والتوازن بينها. ما يجعلها، أي العدالة، القيمة العليا للدولة التي يكون فيها الإنسان موضوعها وغايتها. فبعد أن كانت العدالة عبارة عن مطابقة سلوك الفرد والمجتمع لقيمة من خارج الفرد والمجتمع، تحددها ضرورة العقل أو أسرار الوحي، صارت وظيفة العدالة الجوهرية في الزمن الحديث، هي: "تطوير إمكانات أكبر عدد ممكن من الناس إلى أعلى حد ممكن". ما جعل الدولة بحسب باركر، "وليدة العدالة ومولدة لها في آن، مخلوق وخالق لها معاً"[2].

وضع الإنسان مصدر العدالة وغايتها، واعتبار الحرية ماهية الإنسان وحقيقته، يعني أن الحرية الإنسانية باتت مبدأ العدالة وغايتها في آن. فالعدالة هي أن تطلق كامل حريتي لأحقق كامل قدراتي وإمكاناتي. تلك هي المعادلة الجديدة التي توفرت عليها فورة الحرية في أنوار اوروبا[3]، التي أصبحت العدالة وفقها وظيفة الدولة، وصارت الحرية غاية الدولة ومنتهاها. ابتدأ كل من مفهومي العدالة والحرية، متخارجين ومتنابذين في التفكير اليواناني والروماني والغرب القروسطي، وانتهيا متحدين في حقيقة وغاية واحدة هي شخصية الفرد[4]

هذا يفسر عدم فهم فكرة الحرية الأوروبية عندما تلقاها فقهاء الإسلام في القرن التاسع عشر، بل يبدو أن فكرة العدالة نفسها لم تكن مفهومة أيضاً، بحكم أن العدالة في الوعي الفقهي كانت جزئية ومفتتة، ولم تستطع أن تتخذ طابعاً كلياً أو وظيفة دولة، بل ظلت ملكة فردية منفصلة عن أي مجال عام.

لم يجد علماء الإٍسلام ما يقابل مفردة الحرية الأوروبية في ثقافتهم ووعيهم، فأخذوا يرمونها بشتى النعوت، معتبرين إنها تحللاً أخلاقياً لا ماهية إنسانية. يقول المؤرخ المغربي أحمد الناصري: "واعلم أن هذه الحرية التي أحدثها الفرنج في هذه السنين هي من وضع الزنادقة قطعاً، لانها تستلزم إسقاط حقوق الله وحقوق الوالدين وحقوق الإنسانية رأساً. واعلم أن الحرية الشرعية هي التي ذكرها الله في كتابه وبينها الله لأمته وحررها الفقهاء في باب الحجر من كتبهم".  وتجد أبي ضياف يدافع عن الرق، ويرى أنه غير قادح في الفطرة الإنسانية وأنه لا ينافي أخلاق الكمال والدين لأنه مصيبة نزلت بمن الحرية فيه أصل. أما الطهطاوي والتونسي فقد رأيا أن الحرية التي يتحدث عنها الغرب، هي العدالة في الإسلام[5].

بقاء العدالة في التمثل الديني، خارج بنية الدولة ووظائفها، والإبقاء على معنى الحرية بصفته اعترافاً اجتماعياً بحق الفرد لا ماهية ذاتية له، خلق ميلاً لرجال الإصلاح الإسلامي في القرن التاسع عشر، إلى تبني مقولة المستبد العادل، أو الطاغية المستنير، الذي يحمل الناس ويرغمهم على الإصلاح، وهي مقولة أوروبية الأصل، إلا أنها تنسجم مع أصول الفكر السلطاني.

فتجد الأفغاني يدعو إلى استبداد عادل قريب من الملكية الملطلقة التي ميزها مونسيكيو عن الطغيان بأنها مقيدة بقوانين، يقول الافغاني: " لا يحي مصر ولا يحي الشرق إلا إذا أتاح الله رجلا عادلا قويا يحكمه بأهله على غير التفرد بالقوة واسلطان لأن بالقوة المطلقة الإستبداد". أما الشيخ محمد عبده، فقد دعا إلى "مستبد يكره المتناكرين على التعارف يحمل الناس على رأيه في منافعهم بالرهبة إن لم يحملوا أنفسم على ما فيه سعادتهم بالرغبة، عادلاً لا يخطو خطوة إلا ونظرته الأولى إلى شعبه"، هذا الحاكم المطلق هو بمثابة الاب الراشد الأعرف بمصالح عياله القاصرين[6].  وهو المنهج عينه الذي اتبعه رشيد رضا، الذي اعتبر أن الإصلاح "لايتم إلا إذا استعد له الناس بالتدريج، لكنه تدريج لا يتم تلقائيا أو ديمقراطيا". فرشيد رضا كغيره من دعاة الإستبداد لا يثق بالناس، فهم في نظره جهلة خاملون فلا بد لهم من من "مستبد حاكم مستعدٍ على أمة خاملة ورعية جاهلة بالقهر والإلزام على ما يطلب ويرام". هو لا يتحدث عن مواطنين بل عن رعايا لا بد لهم من راع يسوقهم سوقا إلى الجنة الموعودة[7].

 لعل أهم إختراق في مجال الوعي الديني، ما فعله علي عبد الرازق، حين عمد إلى بناء مجال سياسي مستقل بالكامل عن المجال الديني، مصرحاً بأن "الرسالة غير الملك، وليس بينهما شيء من التلازم بوجه من الوجوه. وأن الرسالة مقام والملك مقام آخر".  معتبراً أن النبي لم يكن "إلا رسولاً لدعوة خالصة للدين ولا تشوبها نزعة ملك.. ولا دعوة لدولة.. وأنه لم يكن للنبي ملك ولا حكومة.. وأنه لم يقم بتأسيس مملكة..وأن ظواهر القرأن تؤيد بأن النبي لم يكن له شأن في الملك السياسي… والدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون… والدين ترك لنا إدارة الأمور إلى احكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة"[8].

 هدف عبد الرازق إلى أسقاط الشرعية عن مؤسسة الخلافة، والنظر إليها بحسبانها نظاماً سياسياً، بالإضافة إلى إقامة الفصل بين السياسة والدين، وتأسيس السياسية على قواعد العقل والمصلحة والمواضعة. فدعا إلى قيام نظام سياسي حديث يستمد مشروعيته من المجتمع والناس لا من الشريعة او نصوص الدين. فكك عبد الرازق الملازمة بين الدولة وبين مصدرها شرعيتها، وبالتالي نفى غيبيتها، وأرجعها إلى حضنها الاجتماعي، واعتبرها نتاجاً اجتماعياً. وهو تفكيك لم يكن التمثل الديني للسياسة جاهزاً له، بحكم لحظة الإرتباك التي عمت الوعي الديني حينها، نتيجة المتغيرات الكبرى، والتي كان أبرزها سقوط الخلافة العثمانية.

اختراق علي عبد الرازق يعتبر الإعمق والأجرأ في زعزعة الفهم الثابت لموضوع السلطة والدين داخل بنية الوعي الديني. وهو اختراق لم تحصل بعده محاولات بمستواه المتقدم، بل اتخذ الخطاب الديني لاحقاً منزلقاً يعادي الحريات العامة أو يلتف عليها ويعمد إلى تفتيتها، ويعيد المطابقة بين المجالين: الديني والسياسي. 

نتيجة لذلك، ما كان للعدالة أن تعيد تموضعها وتكون في خدمة الحرية ومؤدية إليها من داخل المنظومة الفقهية والكلامية ببناءاتها المستقرة. فكان الليبراليون العرب هم الذين افتتحوا الحديث بالحرية، ونقلوا كل آفاقها التي تلبي تطلعات الناس. إلا أن حديث الحرية ذلك، كان شعاراً لم يتم التعمق كفاية في مفهومه وماهيته وصلته بالواقع.

كان لطفي السيد أحد أهم الرموز المبكرة لليبرالية، الذي اعتبر أن أسرع السبل لتحرير بلادنا هو نقل التمدن إليها، وأن الحرية تقع في قلب ذلك التمدن لأنه لا نهضة من دونها. فالحرية شرط وجود، ومعنى يلازم الوجود الإنساني.  ووجد كما وجد الكواكبي أن "الاضرار التي قد تنجم عن التطرف في الحرية لا توازي شيئا من الضرر البليغ الذي تأتي به طبائع الإستبداد. إنها الترياق والبلسم الذي يقاوم سم الإستبداد الزعاف وجرحه، ويضع في حوزة الأمة نظام حكم نفسها بمقتضى مشيئتها"[9]. ولم يغفل لطفي السيد البعد السياسي للحرية، التي تعني أن تشرك كل فرد في حكومة بلاده اشتراكا تاما كاملاً. فالمشاركة السياسية أعلى وأشمل من مجرد حق شخصي، لأنه يتصل بحرية جماعية للمجتمع برمته.

  أطروحات لطفي السيد وغيره من الليبراليين، جاءت لتلبي حاجات نابعة في صميم المجتمع، ما جعل الحرية مذهباً اجتماعياً أكثر مما هي نظرة فلسفية أو مشروع دولة. بحكم أن الليبرالي العربي لم يفحص مفهوم الحرية بقدر ما أراد إثباتها وتطبيقها وتأصيلها في عمق المجتمع والتاريخ الإسلاميين. ما جعل الليبرالية في التاريخ العربي، إنتاجاً دعائياً، يستغل أساليب الأدب والصحافة، من دون أن يستوعب الليبرالية في مسارها التاريخي، أو يفحصها فحصاً نقدياً بالمعنى الفلسفي. وهي وضعية دامت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم أخذ  العرب أخذوا يتعاملون مع الحرية كمفهوم لا كشعار، مفهوم لم يتم فحصه أو اختباره أو ممارسته ومراكمة التجارب حوله، ليكون بالإمكان الإرتقاء به ليصبح مبدأ كلياً يصلح أن يكون مبدأً وغايةً للدولة[10]، بدل أن يكون حساً خاصاً ورغبة شخصية فحسب. أي إن المطلوب هو فضاء حرية يتسع للجميع، لا حريات مبعثرة ومتذرية تتصادم فيما بينها عند أول أو أدنى احتكاك.

عدم عمومية الحرية، وبقاء العدالة طوبى أكثر من أن تكون سمة الدولة، مأزق لا يعود إلى قصور الفكر العربي في تمثل الحرية ماهية سياسية للدولة، بقدر ما يكمن في بنية وهيئة الدولة الحديثة في العالم العربي، التي كان يفترض بها أن تحل مشكلة المجتمع وتحل له معضلة التخلف، فإذا بها تصبح مشكلة إضافية تضاف إلى مشاكل المجتمع، بعد أن أخذت السلطة تتمثل في سلوكها وممارساتها جميع الأدبيات السلطانية، وتُرَحِّلُ الحرية من بين مفرداتها[11].   

هل يحمل الربيع العربي، الذي أنهى مرحلة دولة الإستقلالالمأزومة، اختراقات تاريخية في تمثل الوعي الديني للحكم والسلطة وبالتالي لقضيتي الحرية والعدالة؟ هنالك إشارتان متناقضتان: أولهما،  صدور وثيقة عن مشيخة الأزهر تقطع مع نمط فقه سياسي سائد، وتعترف باستقلال المجال السياسي، في إجرائياته وآلياته، عن المجال الديني[12]. ثانيهما مسعى صريح وضمني من الحركات الإسلامية، في أسلمة الحياة السياسية والعامة، وتنصيب الشريعة المفصلة التي أنتجت على قياس مجتمعات القرون الوسطى، مرجعاً لا للسياسة فحسب، بل لمجريات الحياة العامة، وهو مسعى يعيد الحرية إلى دائرة الشك والتهمة، ويُصيِّرُ العدالةَ من جديد غيباً لا يمكن إدراك سِرَّهُ أو كُنهَهُ.



[1]لم تعد العدالة تتحدد بمعيار من خارج المجتمع أو الافراد مجتمعين، ما حولها من حقيقة كونية أو ضرورة عقلية، إلى حقيقة اعتبارية، ليست غاية بذاتها بل وسيلة لتحقيق غاية أسمى منها هي تطوير إمكانات أكبر عدد من الناس. فبعد أن كان القانون الطبيع أحد مححدات العدالة ومصادرها بحسب ما بينه اليونان وتاعتمده الرومان، أو اعتبار مصدر فكرة العدالة بحسب ما توحي حنصوص الوحي الديني وفق ما ركز عليه فقهاء الإسلام وما بينه، أو فكرة الطبيعة الذي توحيه المبادئ الضرورية للأشيءا، وهو مبدأ رواقي قديم

[2]HutchesonsInquity into the Original og Our Ideas of Beauty and Virtue, 1725, Tretise II, sec. iii, p.8

[3]  فجون لوك مثلا رأى أن أولى الحقوق هي الحرية نفسها، والناس ولدوا أحرارا، الحرية تعبير عن حالة طبيعية تميز الوجود الإنساني، والعلاقات الطبيعية للبشر هي علاقات موجودات حرة  بموجودات أخرى حرة. والناس قد خلقوا أحرارا وسواسية فليس لأحد بالطبيعة سلطان على آخر.  أما مونسيكيو فقد اعتبر أن الحرية تعني حق التصرف وفقا لما تقضي به القوانين.  أما روسو، فوجد أن دعامة العدالة الإجتماعية هي الأإرادة الحرة، بوصفها ماهية الفرد ومبدأ المجتمع نفسه و الحرية هي حجر الزاوية في بناء المجتمع السياسي كله.  وعليه يكون "الشعب المحكوم بقوانين لا بد أن يكو هو واضعها فليس من حق أحد أن ينظم شروط الترابط بين المتعاقدين بل لا بد لهم هم أنفسهم أن يقوموا بهذا التنظيم". راجع: مشكلة الحرية،.مصدر سابق، ص. 230.

[4] راجع: Barker, principles, pp. 93.

[5] راجع: هشام جعيط، أزمة الثقافة الإسلامية، مصدر سابق. زراجع أيضاً العروي، الحرية، مصدر سابق.

[6]عليىأومليل، في معنى التنوير، نركز دراسات الوحدة العربي، بيروت، 2005، 135.

[7] عبد الإله بلقزيز، العرب والحداثة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2007، ص. 125-147.

[8]المصدر نفسه.

[9]المصدر نفسه، ص. 103-122.

[10]مفهوم الحرية، مصدر سابق.

[11]راجع: برهان غليون، الدولة ضد الأمة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1993، ص. 159-186.

[12] راجع: وثيقة الأزهر حول مستقبل مصر، رجب 1432، يونية 2011.