الرئيسية » سياسة واقتصاد » ظاهرة بوتين – د.فالح الحمراني
tdmn.jpg

ظاهرة بوتين – د.فالح الحمراني

                                                                  

ومن المنتظر ان يبدا بوتين في دورة رئاسته الجديدة في حال انتخابه، مرحلة جديدة في سيرته السياسية، التي سبق له أن بدأها عقيدا في الاستخبارات السوفييتية، وانتهت به للكرملين. بوتين بدون مبالغة، شخصية تاريخية ترمز الى بروز مرحلة تاريخية في بحث الأمم عن استحقاقات سيادتها على خلفية الزعم الامريكي/ الغربي بدوره الاستثنائي في الساحة الدولية وتحقيق مشاريعه ومصالحه على حساب الدول الاخرى. وضمن هذا السياق تطرح "البوتينية " نسقا مغايرا يرى ضرورة مساعدة الدول النامية والتفاعل معها للتأسيس الديمقراطي في العلاقات بين الحضارات والامم، أي الأخذ بالاعتبار ظروفها وهويتها الثقافية وشخصيتها القومية، وهذا ما يطبقه بوتين فعلا على روسيا.  وقد تجلى في هذا السياق دور بوتين بتوطيد العلاقات بالعالمين الاسلامي والعربي، وبناء على طلبه تم قبول روسيا عضوا مراقبا في منظمة المؤتمر الاسلامي، منظمة التعاون الاسلامي حاليا، وبمبادرته تم قبول روسيا مراقبا في جامعة الدول العربية، وجرى في عهده فتح قنوات الحوار المتعددة الاوجه مع الدول العربية والاسلامية عموما.

لقد شهد التاريخ ظهور شخصيات تحظى بالإجماع الوطني، وتلوح هذه الشخصيات في الوعي الاجتماعي او ما يسمى الرأي العام، انها شخصيات المرحلة احيانا بالادعاء واخرى بالفعل، وإذا نستعيد التاريخ البشري يمكننا العثور على قادة تبنوا عملية الانتقال النوعي للأمم وتحقيق مصالحها وترقيتها لمراحل افضل. وزعامات أخرى بقيت عند حد المزاعم والادعاء بتاريخيتها وكونها الزعامة الضرورة، والعالم غني في تاريخه الحديث بمثل هذه الزعامات الملفقة تاريخيا، استعملت العنف والإبادة والديكتاتورية اسلوبا للبرهــــنة على دورها التاريخي المزعوم باستجابتها لمطالب الجماهير ومتطلبات الأممم في مرحلة تاريخية دقيقة. وترفع القيادات التاريخية عادة شـــعارات وتضــــع برامــــج، تتحقــــق او لا تتحقق، لكنها تتلاءم وتطلعات الجماهير وخطابها. علما بأن تلك البرامــــج والشعارات التي تضعها القيادات، ربما لا تنحصر في الوعود بالرفاهية الاقتصاديـــة وحسب، وانما بتحقيق تطلعات الأمة في استحقاقات كرامتـــها واســـتقلالها وصيانة هويتها وحقوقها القومية. ان الزعيم في هذه الحالة، يعبر عن تطلعات الامة وتقديراتها، وليس بالضرورة انه سينفذ تطلعاتها ويوصلها الى الجنة الموعود.

وليس من الصحيح القول ان بوتين يحظى بتقدير عال مطلق من كافة الاوساط الروسية، فهناك موقفان واضحان منه. بيد ان المعسكر الكبير بالتأكيد يقف لجانب بوتين حيث أظهرت آخر استطلاعات للرأي أن نسبة اكثر من 80 بالمئة تثق به. تنضم لهذا المعسكر شرائح اجتماعية واسعة وقطاعات سياسية ودوائر من المثقفين. وترى كل هذه الدوائر ببوتين الشخصية التي استجابت لتطلعات روسيا بالخروج من حالة الفوضى وتدهور الوضع الاقتصادي والمعيشي وغياب الامن والاستقرار، وفقدان مواقعها على الساحة الدولية التي سادتها منذ انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.

ورغم ان بوتين لم ينجح لحد الان في إحداث النقلة النوعية التي يسعى لها بدأب في الوضع المعيشي للشرائح العريضة من المواطنين، ولم تجتث تماما مظاهر الفساد الحكومية، ولم تتحسن لدرجة رفيعة الخدمات الاجتماعية، الا ان ثمة اجماعا ملموسا بان سكان روسيا ينظرون لبوتين على انه «قائد الامة». ويبدو احيانا أنهم سلموه من دون قيد وشرط مقادير قيادة البلاد ومنحوه صكا بدعم كافة قراراته. كأنهم يثقون ليس بصحتها وحسب وانما بنزاهتها.

فبوتين نجح في كسب ثقة المجتمع الروسي، لانه أسس له صورة ما يسمى "بزعيم المرحلة" التي تستجيب لتطلعات الناس، الى جانب ذلك فالدوائر الروسية التي ماتزال تربط مصيرها بالغرب او واقعة تحت اوهام الليبرالية وعلى ضيق حجمها، تبدي شكوكها ببوتين بيد انها تدرك انها تعيش في عزلة عن الشارع الروسي وهمومه وتطلعاته الفعلية.واثار بوتين روع الدوائر الغربية، التي ترى انه ينتهج سياسة مستقلة جدا، وانه يمضي بانعاش القدرات العسكرية الروسية ويرسخ نفوذ موسكو في مناطق اقليمية جديدة ويتجاسر على معارضة الكثير من الخطط الغربية، ويمسك ورقة الطاقة لتحقيق أهداف سياسية.

وتتطلع أوساط الرأي العام الغربي بهلع من رد روسيا على تحشيد قوات الناتو والولايات المتحد على تخوم روسيا، باقتراب المقاتلات الاستراتيجية الروسية من الغربية، وتوجيه الصواريخ النووية الى اوروبا ردا على نشر اجزاء الدرع الصاروخي. ويظهر أن نذر حرب باردة قد لاحت في الافق القريب.

وترى موسكو ايضا ان واشنطن استغلت الازمة في اوكرانيا لاستخدامها كوسيلة للضغط على روسيا وإضعافها اقتصاديا وتشديد المواجهة العسكرية معها. وجاء الرد الروسي سريعا، حيث سارعت روسيا الى توسيع جبهات المواجهة مع الغرب، بافتتاح قواعد عسكرية في العديد من الدول البحرية، بما في ذلك امريكا اللاتينية وسواحل البحر الابيض المتوسط، وتعزيز علاقاتها مع الدول الاقليمية النافذة في جنوب آسيا والشرق الاوسط، وبرهن بوتين بسياسته ان واشنطن لم تنجح في عزل روسيا، وان دورها وصوتها مازال مطلوبا.ان تقدير شخصــــية الرئيس بوتين ينبغي أن تتم بالنسبة للعالم العــــربي من خلال مدى استجابة منطلقاته وفلســـفته الســـياسية لمصالحنا وتحقيق ســـيادتنا وحقوقنا المشروعة ومكانتنا في السوق الدولي ودورنا في المســـاهمة في صياغة القرار الدولي.