الرئيسية » سياسة واقتصاد » تفويض مطلق بعد نيس
popov_-_erd.jpg

تفويض مطلق بعد نيس

ما دفعني للإمساك بالقلم وكتابة هذه السطور، هي التعليقات التي أدلى بها الصحفيين الروس عبر الإذاعات والقنوات التلفزيونية، وكذلك ضيوفهم من الخبراء لدى تغطيتهم الآثارالساخنة للأحداث المأساوية التي وقعت يوم ١٤ يوليو في نيس، والتي راح ضحيتها وفقا لآخر المعطيات، ٨٤ قتيلا ومئات الجرحى بينهم مواطنون روس.

ولنلحظ "أحداث نيس" التي أصبحت حلقة جديدة في سلسة هجمات الإسلاميين الراديكاليين في فرنسا وبلجيكا، والمستمرة منذ عام ونصف العام. في سياق تحليل الأوضاع المترتبة، يركز الكثير من المتحدثين بالدرجة الأولى على أن الدافع الرئيسي لتلك الأحداث المأساوية، هو عدم قابلية الجاليات المسلمة في الدول الأوروبية التأقلم مع القواعد القائمة و المتعلقة بالاندماج في المجتمع. وبالتزامن مع ذلك، تم تأويل الحقيقة غير المنطقية للوهلة الأولى، المتمثلة في أن هذه السمة التي تخص أبناء المهاجرين من الجيل الثاني والثالث، على الطريقة التالية: الشباب غير قادرين على إيجاد مكان لائق لهم في الوسط الأوروبي الغربي،ويشعرون بأنهم منبوذون ومهمشون، وهذا يدفعهم للصراع ضد السلطات القائمة والقوى المهيمنة.

احتوت التعليقات أفكارا كثيرة تتعلق بأن الأجهزة الفرنسية الخاصة، ركزت على توفير أمن بطولة أوروبا لكرة القدم، فغفلت عمليا عن نيس. وتعاطف الكثيرون مع مواطني أوروبا الغربية لما يشعرون به من انزعاج بسبب الأجواء السيكولوجية التي تكونت نتيجة لتدفق اللاجئين، الأمر الذي تجلى على وجه الخصوص، في تنامي نفوذ الحركات السياسية المناهضة للمهاجرين.  

من غير الممكن ألا نتفق مع كل هذه الأفكار، إنها صحيحة بلا شك وتطابق الواقع. ومع ذلك، يلاحظ أمر غريب وغير مفهوم، حيث أن الأسباب الرئيسية الواضحة ومصادر التوتر الداخلي الحالي في القارة الأوروبية، يتردد في وسائل الإعلام على أنها عوامل ثانوية،  وهي تذكر بشكل عابر أو تحذف تماما.

يمكن تلخيص العوامل الحاسمة التي لا تخص الوضع في فرنسا وبلجيكا فقط، بل ودول الغرب الأخرى في التالي:

أولا: كل هذا، يعد بالدرجة الأولى نتيجة لسياسات الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين في الشرق الأوسط. و إن المغامرة الأمريكية البريطانية في العراق عام ٢٠٠٣، هي بالذات من منح انطلاقة قوية لانتشار مزاج التطرف بسرعة في الشرق العربي. أو ليست غارات الناتو والتدخل المباشر من قبل بريطانيا وفرنسا في مجزرة المتطرفين المنظمة في ليبيا، وقتل معمر القذافي ببربرية هي من أدى إلى إغراق هذا البلد المستقر، بل وحتى المزدهر في الفوضى؟ فلنتذكر من دعم سرا "الإخوان المسلمين" في مصر، ولم يعد سرا لأحد الآن، من ينشط في تسليح الإرهابيين المتأصلين في سوريا. هنا بالذات يكمن السبب الرئيسي لللتطرف الإسلامي الذي نشهده اليوم.

 "القاعدة" التي استنفدت تقريبا (التنظيم المحظور في روسيا الاتحادية وعدد من الدول، استعادت شبابها، وتسببت محاولات واشنطن وحلفاؤها باستخدام هذه الحركة الإرهابية لأهدافها الخاصة لإزاحة الأنظمة التي لا ترضيها بعواقب كارثية لكل المنطقة، وهذا يرتد الآن على الدول الغربية.

ثانيا: حقا أن قصر نظر القادة السياسيين للدول الغربية يدعو للذهول. يعتقد أنه كان يجدر بقادة الغرب في الأوضاع الراهنة، أن يحشدوا وينسقوا الجهود لحل مشكلة أمواج اللاجئين التي اكتسحت أوروبا بالمعنى الحرفي للكلمة، وأن يعملوا عن كثب على وضع تدابير لمكافحة التطرف، ولا سيما فضح الإسلاميين إيديولوجياً. عوضا عن ذلك، ركز قادة الغرب جهودهم على خلق حزام مواجهة على الحدود مع روسيا، من أوكرانيا حتى البلطيق، رغم ان الحريق داهم بيوتهم (تصاعد التوتر الاجتماعي وموجة الأعمال الإرهابية في أوروبا، واندلاع العنف على أساس عرقي في الولايات المتحدة). ومع ذلك فإن الناتو يردد نفس "التعويذة" معلنا أن روسيا هي مصدر التهديد الرئيسي للأمن في العالم.

هذه العبثية، المتمثلة بعدم القدرة أو عدم الرغبة السافرة بترتيب الأولويات تدعو على الأقل إلى الاستغراب، و نستخدم هذه الكلمة الملطفة بدلا من استعمال كلمة أخرى هنا . وفي هذا الخصوص، حتى في الغرب، يتذكر الكثيرون  أمثال ونستون تشرشل وشارل ديغول وفرانكلين روزفلت، الذين أفلحوا في وقت الأزمات من الترفع على مزاجهم الشخصي والاسترشاد بالمصالح الوطنية الأساسية.

ثالثا: لا يمكن ألا تسبب الذهول، "وضاعة" بعض القادة الأوربيين، الذين يفكرون بشكل رئيسي، بأسلوب "من الانتخابات إلى الانتخابات". نشرت الصحافة البريطانية مؤخرا تقرير لجنة جون تشيلكوت، الذي كشف كيف كان رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، طوني بلير، يكذب على الملأ، لكي يلعب بالتوازي مع شريكه الأكبر القابع خلف المحيط [الولايات المتحدة]، في التحضير للحرب على العراق. ورئيس الوزراء الآخر، الذي ترك منصبه للتو، ديفيد كاميرون، الذي اشتهر بنشاطه في الدعوة لقصف ليبيا. وفي عام ٢٠١٣، وأيضا بهدف إرضاء الأمريكيين، دعا لإرسال قوات إنجليزية إلى سوريا، الأمر الذي عارضه حتى مجلس العموم البريطاني. لقد برهن رئيس الوزراء البريطاني السابق بأنه يفتقد الىالرؤية الاستراتيجية الواضحة عندما بادر بنفسه بإجراء الاستفتاء، الأمر الذي أدى إلى استقالته.

عند النظر إلى الصورة السياسية الراهنة، لا يجوز بالطبع عدم الأخذ بعين الاعتبار، تنامي مزاج التطرف في العالم الإسلامي، والذي له أسبابه المتعلقة بالمنطق الداخلي وتاريخ تطور هذه الديانة العالمية، لكن هذا موضوع منفصل وصعب.

أما الواضح، فهو أن العالم اليوم مترابط ومتداخل بعضه بالبعض الآخر. وما يقع من أحداث في مكان ما، يترك بصداه على أطراف العالم الأخرى، وهذا ما يرفع من مستوى مسؤولية قرارات القادة.

المصدر: نيزافيسيمايا غازييتا – http://www.ng.ru/world/2016-07-26/3_kartblansh.html