الرئيسية » تبدو عناويني وكأنها تهبط من أعلى – حجي جابر
عناويني وكأنها تهبط من أعلى

تبدو عناويني وكأنها تهبط من أعلى – حجي جابر

في حين ينتمي الكتاب إلى عالم الفن المثالي، ينتمي العنوان، شئنا أم أبينا، إلى عالم السوق المادي. إنه الجزء الصارخ من النص الذي ينادي القارئ لاقتناء كتابك. وهذا يعني أن اختيار العنوان عملية مختلفة تمامًا عن كتابة النّص، إنه أمر أشبه بالانتقال من لغة إلى أخرى.

هذه مجموعة من الأسئلة، نطرحها عليك بهدف التعرّف على رؤاك وأساليبك الخاصة في عنونة كتبك.

يعتبر العنوان “نصًا موازيًا” للنّص الأصلي، وهذا يعني أنَّ غيابه لا يؤثر على عملية تلقي النّص أو فهمه، ومع ذلك، ينبغي للعنوان أن يختزل النص كله في كلمة أو كلماتٍ قليلة. كيف يمكن لرواية تتألف من عشرات الآلاف من الكلمات أن تختزل في كلمة أو كلمتين؟ ألا يبدو الأمر مستحيلًا؟

بظنّي أنه ليس مطلوباً من العنوان أن يختزل النص، أو يلخّصه، أو يكثّفه، في كلمة أو كلمات قليلة. هو أشبه بنافذة تُطلّ على أرض شاسعة، وهنا ستقوم النافذة بالدور ذاته مهما اختلف حجمها؛ ستنقل شيئاً من روح المكان؛ الصوت والضوء والرائحة والاتساع، بدرجة دون الإشباع، لأن تلك هي مهمة النصّ نفسه. أيضاً ثمة انتقائية فيما تتيحه النافذة من مشاهد، كذلك هو العنوان، قد لا يُحيط بعموم النصّ، لكنه يشي أو يُضيء أو يحفّز على تتبع جانب منه. هذا ربما ما يجعل مهمة الروائي صعبة بعض الشيء.

لعل العنوان هو أحد تلك الأجزاء التي تخاطب أذن القارئ أكثر من عينه، حتى بالنسبة لعمل سردي أو مقالي. وعليهِ يجب على الكاتب أن يكون حساسًا لوقع الكلمات وجرس الحروف والموسيقى الداخلية للتراكيب، أيّ أن هناك درجة معينة من الاشتغال الشعري على العنوان. هل تشعر، عندما تختار عناوينك، بأنَّك تشتغل على قصيدة؟

تماماً. في كل الروايات التي كتبتها، بدا العنوان وكأنه يهبط من أعلى، فأتذوقه على مهل، ثم أكتبه أمامي لأرى شكله، انحناءات أحرفه واستداراتها، إلى أن ينتهي بي الأمر إلى نطقه بصوت عال لأجرّب وقعه الموسيقي على أذني والمحيطين بي. لكنّ الأمر لا يخلو من فخاخ قد تقودني إلى منطقة بعيدة. أنا أبحث عن وقع العنوان وموسيقاه دون أن أنجرّ تماماً إلى هذه الخانة. الأمر أشبه بمواد مختلفة يجب أن تحضر جميعاً بمقادير معينة.

 

يتحسس الكثير من الكتّاب من العناوين المباشرة، التي تقوم بتوجيه القارئ لفهم النّص على نحوٍ معين، ويرون ذلك تدخلًا سافرًا منهم فيما يفترض أن يكون علاقة خاصة بين الكتاب والقارئ. أمبرتو إيكو مثلًا، عندما كتب عن جرائم قتل تحدث في ديرٍ بين الرهبان، أسمى روايته “اسم الوردة” لأنه يعتقد بأن الوردة من فرط رمزيّتها وقدرتها على ضخ الدلالات، ما عادت تفضي إلى شيء. هل تعتقد بأن من حق الكاتب أن يوجّه قارئه لفهمٍ معين لنصه؟

من حقّ الكاتب ابتداء أن يفعل في نصّه ما يشاء، لكن في المقابل عليه أن يتحمل تبعات ذلك. توجيه القارئ لفهم وحيد للنصّ فيه تحجيم وخنق لمساحات من الخلق والتكوين يمكن أن تمتد أمام كل قارئ. وهي مساحات قد تتجاوز النصّ ومرامي الكاتب نفسه. وهنا أعود لتلك الخلطة التي يجب أن تكون جاذبة وشهية ونصف عارية وموسيقية ومتواطئة مع النص ضد القارئ، حتى تصنع عنواناً ناجحاً.

 

يقول إيكو بأنه لو كان بالإمكان إصدار كتابٍ بلا عنوان، لفعل ذلك بالتأكيد. هل تتفق معه؟

أنا منحاز للعنوان، وأرى أنه الجزء الناتئ من النصّ. هو في صُلب كل شيء، في صُلب الحبكة والحكاية والإيهام، لذا لا أجدني متفقاً مع مقولة إيكو التي تتعامل مع العنوان من باب الضرورة والورطة. العنوان عنصر جماليّ يُكتب بماء الشغف نفسه الذي يجري في عروق النصّ.

 

هل تختار عناوينك قبل كتابة العمل، أم بعد اكتماله؟

حدث هذا وذاك. “سمراويت” جاء كآخر خطوة في العمل، بينما كُتبت “مرسى فاطمة” انطلاقاً من العنوان نفسه، وتم التغيير إلى “لعبة المغزل” قبل بعث النصَ إلى المطبعة، مع بعض التعديلات الداخلية بالطبع التي استدعاها العنوان الجديد.

 

هل لديك ذائقة معينة في العنونة؟ هل تعتقد مثلًا بأن العنوان يجب أن يكون تقريريًا، أم أن من الممكن أن يكون استفهاميًا؟ وهل يجب أن يكون قصيرًا، أم أن العناوين الطويلة ممكنة أيضًا؟

أنا منفتح على كل الأشكال. أشعر بأن كل نص يأتي بعنوانه معه، ومهمتي هي استجلائه ليس إلا. أحياناً أخطئ الوجهة فأختار عنواناً أظنه الأنسب لكني سرعان ما أكتشف أنه منفصل عن النص وليس من صلبه فأعاود التنقيب مجدداً. كتبتُ الكلمة والكلمتين في العنوان وربما أذهب إلى ما هو أبعد، لا يشغلني ذلك. المهم أن أمتلئ بجمال العنوان وجاذبيته واقترابه، عدا ذلك كل الأشكال مقبولة.

ما هو أقرب عناوينك إلى قلبك، وكيف اخترته؟

بكل صدق، كلها. أحببتُ سمراويت وأحبه كثيرون. وأذكر أنه طرأ في بالي متأخراً حين تذكرتُ رفيقاً كان يحبّ فتاة بهذا الاسم. ووقعتُ في غرام مرسى فاطمة منذ اللحظة الأولى التي قرأتُ فيها الاسم على لوحة شارع في أسمرا، وربما قررتُ حينها أنه اسم روايتي المقبلة. واشتغلتُ وجرّبتُ كثيراً حتى انتهيتُ إلى لعبة المغزل، وللوصول لذة لا تزال باقية.

عنوان كتابٍ تحبّه؟ ولماذا أعجبك تحديدًا؟

عناوين كثيرة أحببتها، بل وتمنّيت لو كانت لي، ولا أجد بالضرورة تفسيراً لتعلّقي بها. ثمة شيء في جرسها الموسيقي، أو غنجها، أو تمنّعها. هي أكثر من أن تُحصى في نهاية المطاف.

يلجأ كثير من الكتاب إلى إشراك آخرين (محررين، ناشرين، أو كتّاب زملاء) في اختيار عنوان النّص. هل سبق لك أن أشركت أحدًا في اختيار عنوانك؟

أشركتُ كثيرين في تذوق عناويني. اعتدتُ على إخبار من حولي بما وقع عليه اختياري والتقاط انطباعاتهم. لكنّ الأمر كان بحثاً عن المؤازرة أكثر منه حسماً لحيرة ما. كان القرار في داخلي مكتملاً وكنتُ فقط بحاجة للاطمئنان أكثر. أحياناً كان الأمر لا يتعدى الرغبة في نطق الاسم والحديث حوله من فرط عشقي له. هنا لابد من الاعتراف أني أشعر بالزهو حين يُشيد أحدهم بالعنوان، أكثر ربما مما يفعل مع النصّ نفسه.

ما هو أصعب جزء في مسألة اختيار العنوان؟

بالنسبة لي يبدو الأمر مسلّياً طالما أني لا أزال أجرّب وأبحث عن الأفضل، لكني أقلق قليلاً حين لا يعود من الممكن تغيير العنوان، أقصد حين ندفع بالكتاب إلى المطبعة، حينها أسأل نفسي: هل صحيح أنني اخترتُ العنوان الأفضل؟ لكن الجيد أنّ هذا القلق عابر لا يستمر طويلاً. لا يوجد جزء صعب في اختيار العنوان. العنوان بالنسبة لي يأتي مكتملاً بروائحه وأجوائه وموسيقاه. لذا لا أجزاء في الموضوع، إما أن يأتي أو لا يأتي.

اختيار هيئة التحرير من تكوين