الرئيسية » اكتشف روسيا! » سندريلا – ابتهال عبد العزيز الخطيب
سندريلا

سندريلا – ابتهال عبد العزيز الخطيب

إلا أن المجتمع يقارننا بهذه «الصور»، يحاسبنا على اختلافنا معها، وهكذا تكبر كل صغيرة منا وفي داخلها شرطية تحاسبها، روحها حبيسة الرقابة على جسدها، هذا الجسد الذي حكم عليها المجتمع من خلاله، يحاسبها بسببه، يضمها أو يقصيها بناءً على تشكيله.

وليست هذه المعاناة مقتصرة على مجتمع دون آخر، مثلما هو التسليع ليس أسلوباً مستخدماً في مجتمع دون آخر، فالمرأة تعاني حيثما كانت وتسلع حيثما عاشت. منذ نعومة أظفارنا ونحن نحوم في دوائر الجمال الذي هو أحد أهم مدخراتنا كنساء للحصول على وظيفة أو زوج أو مجرد القبول المجتمعي الكبير. نعذب أنفسنا نحن، نتحمل صنوف التنكيل بأجسادنا لتنال في النهاية رضا مجتمع رجولي لا يرى أبعد من القشرة الخارجية، مجتمع يسلع المرأة ويبيعها كل يوم وبطرق عدة.

وتسليع المرأة وتشييئها وتجنيسها (جعلها مادة للجنس) ليس قاصراً فقط على تعريتها أو إسباغ الألوان عليها أو عرض صور خلابة للجميلات منها لأغراض اقتصادية، تسليع المرأة وتشييئها يتمان بتغطيتها كذلك كما تقول د. نوال السعداوي. فالتغطية والتعرية كلاهما إشارة لشيئية وجنسية المرأة، كلاهما تأكيد على أنها مادة للشهوة، فاذا كانت كذلك فهي تتحول مباشرة لسلعة مهما حاول المجتمع والمنهجية الدينية تحميل الحماية والصيانة والاحترام لفكرة تغطية المرأة أو تحميل الاحتفاء بالجمال والفخر به لفكرة تعريتها.

والتسليع هذا ليس تجارياً ولا هو على صفحات المجلات فقط، هو لا يتجلى فقط في ملبس المرأة في حيزها الخاص والعام، ولكنه كذلك يتجلى في الواجبات الاجتماعية المطلوبة منها. فالجمال هو أحد أربعة عوامل جاذبة للزوج في التراث الديني، وإظهاره هو أحد مهام الزوجة تجاه زوجها، وقلته أو ضياعه هو أحد مبررات اتخاذ الزوج لزوجة جديدة تحوز عليه.

ففي كثير من الأحيان، يبدو الجمال، مثل عدمه، وكأنه لعنة، انعدامه يُفشل المرأة اجتماعياً، وتماديه يسلعها ويحولها، في الكثير من الأحيان، الى عبدة في رحابه.

ولقد كبرت أنا في انعزال عن جسدي ومن خلال علاقة عدائية معه. منذ أن بلغت الثانية عشرة، استقامت قامتي أعلى من كل زميلاتي، كبر حجم قدميّ في مجتمع يحكي للبنات قصة سندريلا التي ميزها الأمير بصغر حجم قدمها، وثقل جسدي في مجتمع يسرد قصة انقاذ شهرزاد لبنات مدينتها من خلال استخدام رقتها ورهافتها وجمالها، فما كان الأمير ليحب فتاة بقدمين كمركبتين أسفلها، وما كان السلطان ليستمع لقصص سلطانة ضخمة القامة عميقة الصوت قوية الساعدين. انعزلت أنا سريعاً، وتصرفت كما يبنغي لكل فتاة غير جميلة حسب التعريف المجتمعي أن تتصرف. عشت سنوات أكبر من عمري، لبست فساتين كلاسيكية تخفي تمدد جسدي، واستثمرت جهدي في أشياء أخرى غير تلك التي كانت تهم المراهقات من بنات جيلي. واليوم، بعد أن تجاوزت الطفولة والشباب، وصولاً لمنتصف أربعينياتي، أحصد أنا ريع استثماراتي، وأقول لربما هو شيء جيد أن سلمت أنا أمر الجمال لصاحباته واستسلمت لغيابه، حررني هذا الشعور وقدرني على التركيز على جوانب أخرى من حياتي. كما أن القدر أكرمني بإنسان يرى في ما لا أفهمه، احتفى هو باستطالة قامتي، حين كان القصر علامة رقة وأنوثة، أُعجب بشهيتي المفتوحة وبتجعد شعري وضخامة قدمي، حين كان الامتناع عن الطعام ونعومة الشعر وصغر حجم القدم علامات جمال ورهافة.

واليوم، ومع كل التجارب المكتسبة والثقة الملهمة والإيمان المطلق بأن الداخلي أهم من الخارجي، لا زالت الصغيرة في قلبي تطل علي من حين لآخر، أتذكرها تمشي محنية الظهر، منكفئة المشاعر على قامتها المديدة، لازال لحزنها وتوقها أثر بعيد، يطفو بين حين وآخر، أستشعره كأنه أثر متخلف مرير في فمي، فيحزنني أنه لا يزال معي، ويحزنني ان صغيرات أخريات كثيرات سوف يرتشفنه بكل مرارة، فقط ليكتشفن لاحقاً كم هو مزيف، وفقط لتنقذهن منه محبة حقيقية من رفيق حقيقي، يظهر أو تظهر في الحياة كصديق أو زوج أو حتى مثل أعلى بعيد.

كم أود أن أنقذ الصغيرات وأقنعهن، ولكن متى كنا نفهم ونقتنع بدون المرور بالتجربة القاسية؟ لربما نغير المجتمع في يوم، فيتوقف قهره للصغيرات والكبيرات، يتوقف تسليعه وتشييئه وتعذيبه للنساء، لربما يتوقف حين نتوقف نحن، حين نتأنسن في معاملة الصغيرات، حين نرى قبح سندريلا المتهافتة على أميرها، فنغير الحكاية ونغير النهاية.

 

الكاتب: ابتهال عبد العزيز الخطيب (أستاذة جامعية كويتية)

المصدر: القدس العربي، 12 آب/ أغسطس 2016

 

كلمات مفتاحية: النساء، المجتمع العربي، صورة المرأة، الرقابة المجتمعية، التسليع، التشييء، التجارب،