الرئيسية » حضاريات » سلطة المفكّر وثقافة الاختلاف – سهيل فرح
s._farah_rodhos.jpg

سلطة المفكّر وثقافة الاختلاف – سهيل فرح

مفهوم السلطة

إذا كانت السلطة في المفهوم الكلاسيكي تتمثّل في مجموعة من المؤسسات والأجهزة التي تضمن خضوع المواطنين في إطار هذه الدولة أو تلك، فإنّ مفهوم السلطة في المرحلة المعاصرة أضحى يحتلّ حيزاً أوسع بكثير من المفهوم الكلاسيكي. فالسلطة

لم تعد محصورة في المؤسسات والأجهزة بل هي تمتد على خارطة كل الأمكنة والأزمنة التي يوجد فيها إنسان. فهي حاضرة في كل مكان. حيث أنّها تنتج ذاتها في كل لحظة من حياتنا. وتتمثّل في كل نقطة وعلاقة، فتواجد السلطة في كل مكان ليس لأنّها

تشمل كل شيء، بل لأنّها تأتي من كل مكان. فالسلطة كما يراها فوكو " تمارس انطلاقاً من نقاط لا تحصى. وهي في لعبة علاقات غير متكافئة ومتحرّكة. كما إنّ العلاقات السلطوية ليست في موقع خارجي بالنسبة للأحكام السياسية والأنساق الاقتصادية، للصلات المعرفية والجنسيّة، للتأثيرات الدينيّة والروحانيّة، بل هي محاذية لها. إنّها النتائج المباشرة للتقسيمات والتفاوتات والاختلافات والصراعات التي تحصل هنا وهناك، وهي بالتبادل، الشروط الداخلية لهذه التأثيرات (1)

رغم أنّ السلطة تتمثّل في كل شيء من حياتنا آتية من تحت، من سلطة الأب أو الأم أو الأخ الأكبر، والمعلّم، أو رجل الدين، أو الشرطي والموظف وغيره، فإنّها في علاقة الحاكم بالمحكوم تنعكس من أعلى إلى أسفل، وتمتد على مجموعة ضيّقة أكثر فأكثر حتى تصل إلى أعماق الجسم الاجتماعي من أجهزة إنتاج وعائلات وجماعات ضيّقة، ومؤسسات كبرى وصغرى… وكل هذا يصحب معه دائماً، أو بمعنى أصحّ، يولد معه أثاره التقسيميّة التي تخترق خارطة الجسم الاجتماعي بأكمله. وهذه التقسيمات تولد معها المقاومات والمجابهات. إذن إنّ السلطة قائمة في كل خطاب تقوم به حتى لو كان يصدر هذا من موقع خارج مجال السلطة الحاكمة. فهي منغمسة في تاريخ الإنسان متجذّرة في أعماقه. وإذا ما قام الإنسان وعلى حدّ قول بارت " بثورة من أجل القضاء عليها سرعان ما تنبعث لتنمو في الحالة الجديدة للأشياء " ( 2).

إنّ كل سلطة تنتج من داخلها نقاط مقاومتها التي تلعب دور الخصم أو الهدف، الركيزة أو السند. ونقاط المقاومة هذه موجودة في كل مكان من الشبكات السلطوية والمقاومة لا تأخذ بالضرورة طابع الثورة، بل إنها ترتدي أشكالاً ومضامين مختلفة وتظهر في حالات وإمكانيات متنوّعة. إنّها الوجه الآخر في العلاقات السلطوية التي يتعذّر إلغائها أو تحجيمها مهما اشتدّت الضغوط أو الإكراه أو القمع. فنقاط المقاومة منتشرة بكثافة في كل مكان يتواجد فيه حاكم ومحكوم، رئيس ومرؤوس. إنّها تدخل في النسيج الاجتماعي العام، تحدث الانقسام والتفتّت، تعمل على خلق التكتلات والمجموعات والجمعيات والأحزاب، تسهم في شقّ الأفراد ثمّ تعيد تجميعهم، " ترسم في أجسادهم وأرواحهم (على حدّ قول فوكو) بصمات لا تزول ". بكلمة أنّ كل سلطة لها قواعدها ومناهجها، تحكم من أجل امتيازاتها. وهذا في جانب منه قد يكون طبيعياً. إلاّ أنّ الشيء غير الطبيعي، كما يقول الفيلسوف الفرنسي آلان، هو " الرغبة الجامحة في التسلّط التي تخلق السلطة. وتلك الرغبة تكون بطبيعتها قمعية إذا أبعدت عن فلسفتها الاسترشاد بالرؤية العقلانية المتنوّرة التي تنبع قيمتها من الحرية والإنسانية والفردية والديمقراطية (3).

 

ففي داخل كل سلطة هناك ضدان يتصارعان وإنّ نسب متفاوتة عند هذه السلطة أو تلك، الديمقراطي الجماعي والديكتاتوري الفردي. والدكتاتورية وكما يعتبرها البعض من المفكّرين ومنهم ديفرجيه " ليست إلاّ مرضاً من أمراض السلطة وليست ظاهرة

طبيعيّة " (4). وهذه الظاهرة هي واسعة الحضور في منظومتنا السياسية العربية الرسمية والمعارضة. وتظهر تجلّياً بها بشكل فاضح لدى المجموعة المسلّحة الإرهابية التي تكهرب الجسم العربي والإسلامي لا بل العالمي بأسره.

إنّ كلامنا لا يعني بالضرورة أنّ كل سلطة مرادفة للقهر والهيمنة. فإذا كان هذا كل معناها وجوهرها فإنّ وجودها بالمطلق يمثّل معنى سلبياً، وليس هذا المقصود، وجودها ضروري جداً. ذلك لأنّ وظيفتها الإيجابية تكمن في الدفاع عن الأسرة والمجتمع والنفس ضد نقاط الضعف الخاصة لكل واحدة منها. كما إنّ الحالة الفطرية للإنسان ولبناء المجتمعات تفترض وجود السلطة لتولّي إدارة الدول وتسيير شؤونها الحياتية. بهذا المعنى فقد تكون السلطة النتاج الطبيعي لكل الحالات الهادفة إلى مكافحة الوهن الذي يفرز الفوضى والتشتّت. وبالتالي، فإنّها بكل تجلّياتها ورموزها وأمكنتها، توفّر للشخصية الاجتماعية والفرديّة تماسكها الداخلي وتساعدها على تحصين المناعة الضرورية لحماية نفسها مما هو طامع بها. وهي شكل من أشكال النفوذ الضروريّة المتأتية عن طريق ضبط قوانين ومعتقدات وبنيان المجتمع بشكل عام. المهم التمييز بين السلطة المدعمة بالفكرة الديمقراطية وبسلطة ثقافة الحوار مع الأضرار المختلفة والسلطة المدعمة بالقوة الرادعة المستبدة. فالسلطة والقوة، كما يشير جاك ماريتان " أمران مختلفان: القوة هي التي بواسطتها تستطيع أن تجبر الآخرين على طاعتك. في حين أنّ السلطة هي ممارسة الحق التي توجّه به الآخرين " (5).

في هذا المنحى تطرح التساؤلات التالية: أين سلطة المفكّر من كل هذا؟ أين مكامن قوّته ونقاط ضعفه؟ كيف يظهر نفوذه في المعرفة؟ وكيف يتمثّل حضوره في السياسة؟ كيف يتعامل أو يتواصل مع الآخر المختلف عنه؟

سلطة المفكّر المعرفية

المفكّر حامل السلطة المعرفية. والمعرفة التي نقصدها هي التمثّل النظري " للموضوعات الحياتية فالمفكّر يسهم في إنتاج المعرفة من خلال بناء الموضوعات الحياتيّة في الوعي الإنساني أولاً، ومن خلال توظيف المفاهيم المعيّنة بهدف تكوين صورة ذهنيّة عن الموضوع المفكّر به ثانياً. إذن هو الذي يصنع الوعي. وبالتالي هو المالك الأساسي للمعرفة، الأمر الذي يعطيه امتياز امتلاك هذه المعرفة. حرفة المفكّر هي التفكير والكلام. والسلطة المعرفية عبر هاتين الحالتين تمارس فعلها على كل المعارف وأنواع الوعي. داخل السلطة المعرفية هناك إذن ذات مفكّرة تحتلّ موقعاً معيّناً تتكلّم فيه عن الموضوعات المتمحوّرة حول خطاب ما. وتلك الذات تستقي ينبوعها المعرفي من العقل الذي يحرّك هذا الخطاب أو ذاك. إنّ فلسفة السلطة المعرفية كما يعرفها ناصيف نصار، ولعلّه محق بذلك، " تهتم بالعقل كسلطة – أو كعلاقة أمرية أصلية، تتبيّن ما تنطوي عليه وتبرّر القول بالعقل كسلطة… فهي تفترض طبعاً تصوّراً معيّناً للعقل كقدرة معرفية وكفعل متميّز من أفعال الفكر، (6) بيد أنّ العقل لا يحضر بقوة في المعرفة ما لم تسكنه الفلسفة. فالفلسفة هي التي تعطي القوة للأفكار والكلام. فبحكم شمولية المعرفة الفلسفية وخصوصية وظيفتها وموضوعاتها فهي حاضرة في قاموس كل السلطات.

من هنا كثيراً تستقبلنا مفاهيم مثل، الفلسفة السياسية، فلسفة القانون، فلسفة الدين، فلسفة المعرفة وغيرها. وأي سلطة لا تستند إلى فلسفة ما، تكون معرضة للارتجال والعفوية والفوضى. فالفلاسفة والمفكّرون الكبار هم بالذات الذين يزودون تلك المفاهيم بأسئلة جديدة ودائمة حول المعرفة، الوجود، الحق والواجب، الخير والشر، الحقيقة والحياة، العلم واللاعلم… فالمفكّر الكبير كما قال أحدهم هو الذي لا يعلمنا مرة وحيدة وأخيرة، بل هو الذي نتعلّم منه باستمرار.

هكذا تحضر أمامنا صورة المعلّم والمفكّر الكبير كسقراط وأرسطو وأفلاطون والفارابي وابن رشد وديكارت وكانط وهيغل وباشلار وفوكو وسوروكين وفرنادسكي وغيرهم…. كما أنّ المفكّر الفيلسوف ينفتح على كل الحقائق وأضدادها وبالأخص على معارف وثقافات الآخر المختلف عنه، لا يقلقه السؤال عن الجديد. فهو الذي يعلم جيّداً بأنّه كلما اكتشف سراً جديداً في الحياة، وجد أنّ قارات من الأسرار بحاجة إلى كشف. فالمفكّر الفيلسوف كما يشير إلى جيل ديلوز في أكثر من مكان من كتاباته هو الذي لا يتعب من الترحال الدائم لكشف مناطق ومجالات جديدة تصلح لابتكار المفاهيم أو استقبالها وزرعها في أوطانها وحقولها.

إنّ الفكر الذي يستقي سلطته من الفلسفة يقضى مضاجع السكون ويهدم الكاتدريائيات الدوغمائية الكبرى والصغرى. يحض على إشعال حركة السؤال والنقد، والتأويل والتفكيك والتركيب يشمل كل مكوّنات الوعي والأشياء. يفتح عقله النقدي على كل مدّعي امتلاك الحقيقة التامة وانتهاج الصراط الصافي المستقيم.

إنّ قدر المعرفة التي تحرّكها الذات المفكّرة الفلسفية المبدعة المنفتحة على الآخر هي التي تضع نفسها في واجهة مجابهة تلك الحيل التاريخيّة التي حبكتها مصالح السلطات الأخرى وكوّنت عبر الأزمنة الجبال العالية من الأفكار المنمطة والقناعات المترسخة في أذهان الناس. فالناس معظم الناس هم أسيري أوهامهم للأسف. أمام نوع كهذا فإنّ المفكّر الذي يستحوذ على السلطة المعرفية يأنف الوقوف صامتاً أمام شطط المتخيّلات المريضة ووهم الأدلوجات التي تتلاعب تلاعباً مؤذياً في انفعالات وعواطف ووجدانيات البشر. هذه واحدة من المهام النموذجية التي يطمح لأن يقوم بها المفكّر المبدع الملتزم بمصير الإنسان أي كان

بيد أنّ السلطة المعرفية عبر الفكر هي كأي سلطة يصنعها البشر، تعيش في الزمان والمكان. فلها تأثير محدّد في تاريخ محدّد. كما أنّ مجالها يتسع أو يضيق حسب مساحة المعرفة والعلم والحرية بين هذه الجماعة أو تلك… هي معرضة في داخلها لخطر التسلّط والقمع الفكري للآخر.

فنحن نشاطر رأي ميرلوبونتي حين يقول : " الأفكار بعد فترة معيّنة من الامتداد، تتوقّف عن التكاثر والحياة، وتهبط إلى مصاف التبريرات والذرائع "… (7)

إنّ الغاية الكبرى التي يسعى إليها المفكّر المتجدّد وهذا ينطبق على كل مفكّر عربي كان أم أعجمي، هو التوافق الخلاق بين ما يتوقّد داخل الوعي لذاته الفرديّة والجماعية وبين ما يتكوّن منه العقد الموجود أو الواقع الفعلي للعالم والكون الذي يتطلّب الكشف الدائم لهما…

إرهاب الفكر

إذا افترضنا بأنّ ما قال ويردّده سميث م.ج يقارب واقع الحال عندما يعرف السلطة بأنّها القدرة على التأثير الفعلي على الأشخاص والأشياء بواسطة سلسلة من الوسائل تمتد من الإقناع إلى الإكراه. فإنّ هذا برأيه ينطبق على كل أنواع السلطات بما في ذلك سلطة المفكّر أي السلطة المعرفية. ولمزيد من الإيضاح نسلّط بعض الأضواء على المعنى الدلالي لكلمة سلطة، نجد أنّ هذه المفردة، ترادف عند البعض من النحويين فعل التسلّط، القهر وفعل سلط أو تسلّط قد يأتي عبر سلطة المؤسسة أو القانون أو الدولة أو عبر سلاطة اللسان وفعل الكلام الشفهي والمكتوب. وسلطة المفكّر في لسانه وكلامه ونصوصه. وسطته تحمل بعداً متصلّباً، حديدياً، إذا كانت مفرداته الصادرة عن سلاطة لسانه، صلبة، قوية النبضة، نابية، مهيمنة. فسليط اللسان يعكس نزعته التسلّطية الأحادية الجانب ليس في كلامه ولسانه، بل في نصّه المكتوب. فكم من نصوص تحمل في طياتهما نزعة استبدادية يفوح منها العنف والدمار. من هكذا نوع من " السلطة " أو التسلّط ينبت الاستبداد والقمع الفكري. وتكون نتائجه لا محالة مسيئة جداً لجوهر الرسالة المتسامية لسلطة المعرفة ومعها الفلسفة اللتان تحرّكهما الرغبة المتواصلة للسؤال والاجتهاد والتعدّد والاختلاف. فقيمة النص الفلسفي والنص المكتوب عامة هو يترك صاحبه نوافذه مفتوحة على الوجود، على الآخر المختلف على المتغيّرات والاكتشافات. قيمته الكبرى هو انفتاحه الخلاق وتفاعله المستمر مع كل الحقائق والأشياء التي تسكن فضاء الفكر والفعل. فالخطاب العقلي – الفلسفي لمفكّر ما قد ينتج السلطة المعرفية ويساهم في انتشارها وتقويتها. ولكنّه أيضاً قد يلغمها

ويفجرها، ويجعلها هزيلة ويسمح بإلغائها. فالمعرفة قد تتحوّل إلى إرهاب فكري عندما يحوّلها أصحابها إلى أصنام تعبد. ألم يحدث هذا مع المنظومة الطائفية الشديدة الانغلاق لدى الجماعات الإرهابية الخاطفة للدين الإسلامي الحنيف التي تدعي امتلاك الحقائق الإلهية والدنيوية المطلقة،والتي باسمها ترتكب أكثر المظاهر همجية وتوحشاً في نظام التسلّط البشري. ألم يشكّل " مثقفون " إرهابيون عرب المانيفست أو الميثاق النظري لكل قطاع الرؤوس ومنقذي أبشع المجازر البشرية في زمننا الداعشي. فكتاب " المنظر " و " المفكّر " أبو بكر الناجي " إدارة التوحش " يشكّل الزاد الفكري لكل محترفي سفك الدم وزرع جرثومة الخوف والإرهاب في عالمنا المعاصر..

ألم يحدث هذا أيضاً مع كل الإيديولوجيات التوتاليتارية الكولونيالية والفاشية والطائفية التي استقت وتستقي معارفها من المرجعيات والخطابات الدينية والسياسية المتنوعة؟.

ومن جهة أخرى، وكما هي السلطة الإستبدادية التي ترتكز على الفكر المحكم بآلية شكلانية من المنطق والمعرفة، تلك التي تزعم لنفسها بأنّ الشمولية محرابها، الحقيقة ملكها، والوضوح في الرؤية والممارسة عنوان وجودها. والنتيجة الملموسة تكون خلق حالة من القمع الفكري الذي يصبح مطلباً داخلياً للعقل، وطريقة تفكير قائمة على التفرّد في الرأي وعلى مصادرة أفكار لا بل إنكار الآخر. كما أنّه كم من خطورة يقع فيها بعض المفكّرين الذين يحوّلون قيم الفكر العقلاني – العلماني أحياناً إلى أصنام علموية فكروية فتبدو وكأنّها دين جديد. أو أولئك الذي يحوّلون عملية قيم العقل إلى أدلوجة. والأدلوجة كما هو مفهوم لا تتعامل مع المضمون المعرفي للأفكار وإنّما تخصّصها لمآربها السياسية والاجتماعية وتستخدمها كرموز أو كسلطة رمزية كما يشير إلى ذلك بورديو.

فالمفكّر الفيلسوف المنفتح الذي يمارس بالفعل عقلانيته النقدية مع ذاته كما هي مع الآخر – المختلف عنه هو الذي يحرص دائماً للتحرّر من سلطة أفكاره التعسفية التي تهاجمها من حين إلى آخر جرثومة الطمع للهيمنة. فهو الطامح دائماً أيضاً لفضح خطابات بعض المفكّرين الذين يلبسون ثياب الحرية وفي داخلهم تسكن الدكتاتورية وبالذات أولئك الذين يستخدمون سلطتهم الرمزية من خلال الموقع القيادي الذي يحتلونه سواء في القرار الحزبي أو الحكومي أو في المنصب الأكاديمي والثقافي. ونوافق الرأي مع علي حرب عندما ينقد بفاعلية سلطة المثقف الذي ناضل تحت راية كل الإيديولوجيات التحررية والتحديثية والتقدمية والأصولية والتوتاليتارية. فهو يقول وفي قوله جانب كبير من الحقيقة بأنّه " عمل على تكوين رأسمال عقائدي مارس من خلاله امبرياليته الفكرية وعنفه الرمزي على نحو مضاعف، وذلك بقدر ما حجب حقيقته أي كونه شكل سلطة ونوعاً من أنواع الرأسمال… وهذا شأن السلطات الرمزية، عند استلامها السلطة السياسية، انها تمارس التسلّط والعنف أضعافاً مضاعفة، على ما نشهر بذلك اليوم، الأصوليات المقدّسة " (8).

هناك " مفكّر " يروج للديمقراطية وهو في علاقته مع الآخرين قمعي بدءاً من الأقرب منه في دائرة العائلة مروراً بالجماعة وصولاً إلى الأفكار والفلسفات الكبرى الأخرى. فمثل هكذا " مفكّر " عندما يستخدم سلطته الرمزية القمعية فإنّه يجبر الآخرين على الصمت. وهو بهذا المعنى بوليس فكر، وخزان نقود معرفي لتوتاليتاريا الإيديولوجيات غير الديمقراطية. فإذا كان المفكّر الذي يطمح لأن يغلب مثل الإبداع والإنسانية والعدالة والحقيقة العلمية وفتح الأبواب مشرعة على المستقبل، فمن الأولى به أن يجد نفسه خارج أي سلطة قمعية… إنّ سلطة المفكّر العربي العقلانية المنفتحة لا يمكن أن تجد نفسها إلا متضامنة مع الفلسفة الديمقراطية الحقة ومع سلطتها السياسية الفعلية الأكثر رضاء وجاذبية لا بل الأكثر فعالية على حدّ قول المفكّرين الفرنسيين بودونا وبوريكو " الضبط المتوازن لعلاقات التعاون ". وأضيف من عندي ثقافة الحوار والشراكة المتواصلة والمتجدّدة مع الآخر المختلف عنّي… فالمفكّر الفيلسوف الديمقراطي في القول والفعل يجد نفسه منذ بداية إبداعاته خارج أي صيغة للسلطة التي تعتمد على الرأي الواحد والحزب الواحد أو الخيار الواحد والحقيقة الواحدة. أو على مبدأ الحق المطلق الماورائي الذي يفرض قيوداً صارمة على كل معرفة إنسانية متنوّعة. فعندما يضع، أو بمعنى أدق عندما يأسر المثقف نفسه داخل مؤسسة السلطة السياسية أو الدينية أو الحزبية، أي عندما يتأسّس، يتسلطن، فيتأدلج. وهنا ينفي عن حقيقته، ميزة مبدع السؤال، فيصبح منفذه المطواع. يجد نفسه عن وعي ولا وعي في دائرة المنتقد لا الناقد، المشكوك في أمره لا الشكاك، الساكن الجامد، لا المتغيّر المتوهّج، المحكوم المنقاد، لا الحكيم الحاكم، الموجّه لا الموجه، كاتب السلطان وفقيهه، لا صاحب السلطة المعرفية ومبدعها. فعندما يرضى مثل هكذا " مفكّر " أو " مثقّف " على نفسه صفة بوق السلطان ولسان حال حاشيته فعليه أن يضرب دائماً بسيفهم وأن يسبح بحمدهم. وأي خروج أو تمرّد عن هذه العلاقة، علاقة الحاكم بالمحكوم، " السيد " بالمسود، تجعله هو الحلقة الأضعف في لعبة القوى وهو الموظف " المفكّر أو المتفلسف " خارج دائرة النفوذ وداخل اللعبة الجهنّمية للسلطة السياسية المهنية.

 

الفكري والسياسي

أمام خوف المفكّر من الانغماس في تلويثات السياسة في إغراءاتها ومخاطرها، تطلع علينا الفلسفة عبر مفكريها، بين الحين والآخر بضرورة الابتعاد عن السياسة. حيث لا يريد هؤلاء أن يكون للمفكّر حضوراً ملحوظاً في لعبة السلطة والقوّة والشهرة التي يتوق إليها كل سياسي. فأحد المعبّرين عن هذا الموقف هو الفيلسوف جيل لانيو الذي يقول: "نمنع عن أنفسنا كل طمع فأننا نصبح ذوي سلطة أو قوة أو نفوذ. إننا نلزم أنفسنا بان لا نكذب أي كان الموقف الذي نجد أنفسنا به. وأن لا نعمل أن نساند بأقوالنا وكتاباتنا أوهاماً حيال أموره هذا العالم المتقلّبة " (9).

في حين نرى فيلسوفاً آخراً يرى بأنّ للمفكّر والفكر عامة دوراً محدّداً في الواقع والحياة. فأمام تناقضات الواقع اختلافاته،  تغيّراته وصراعاته، تجعل رغبة المفكّر الفيلسوف الطامح للإحاطة الشمولية بالواقع ولمطابقة الوجود بالموجود، أمراً بعيد المنال فأدرنو يقول بالحرف الواحد: " لا يمكن أن تكون نظرة الفيلسوف إلا ناقصة ومتناقضة، متغيّرة ومتعددة ولا يمكنها إلا أن تكون في أزمة. وهي الأزمة الهادفة للوصول إلى الشمول والوحدة ". (10)

صحيح أنّه هناك في الفكر الإنساني توتر دائم بين المفهوم والموضوع، بين الذات المفكرة ورغبتها في امتلاك الواقع. إلا أنّ المرحلة التي يعتكف فيها الفكر عن الواقع والخسارة في الميدان التأملي قد ولت. فلم يعد المفكّر يركّز اهتمامه على الميدان النظري والتعمّق في عالم الكليات والمجردات كما كان عليه الأمر في الثقافة الإغريقية والثقافة العربية – الإسلامية والأوروبية في المرحلة القرو-وسطية. فالأمر تغيّر منذ قرون. إذ أنّ الحياة طلبت من المفكّر لكي يكون لمعرفته تطبيقاتها العملية في الحياة.ولكي يكون لمشاريعه النظرية أثرها الملموس في البرامج السياسية والثقافية والمعرفية للتكتلات المتواجدة في الحكم والمعارضة. بكلمة، أضحى المجرد الفكري يطل على المحسوس العملي. وألح الفعل على الكلمة أن تأخذ مكانتها العملية في الحياة. فإذا كانت إحدى مهام المفكر ومعه كل فئات الانتلجانسيا تهدف إلى تكوين الوعي والأفكار بما في ذلك الأفكار المتصارعة أثناء عملية إنتاج الثقافة فإنّ المهمة الأخرى تتمثّل بالربط بين الجهد الذهني – النظري الذي يخضع لمنطق إنتاج المعرفة وبين الممارسة التي تخضع للعبة موازين القوى والصراع على المصالح. وترتبط بعمل آليات النافس، والتنازع.

وهذه المهمة هي التي تشكّل شرطاً من الشروط الأساسية لتكون السياسة فكراً وممارسة قوة ديناميكية خاصة تصنع الإرادة الجماعية لهذه الفئة أو الشعب أو الأمّة. مع أنّ المهمة الأساسية للمفكّر الفيلسوف هي التفكير. فالتفكير يضعه في موقع المفكّر عن المجتمع، عن أعضائه. وفكره يكون ناضجاً إذا ما جسد العقد الجماعي للشعب أو الأمّة أو المحيط الإنساني والكوني الذي يعيش فيه. فالفيلسوف أو المفكّر قد يكون ممثلاً لفلسفة ما أو مذهب ما، أو حركة ما يسير على أساسها المجتمع. بهذا المعنى يتجسّد التواصل بأوسع معانيه بين الفكر السياسي والفكر الفلسفي العام من جهة وبين الفلسفة النظرية والسياسية العملية من جهة ثانية.

غير أنّ واقع الأمور يعطي للدور الذي يعلبه كل من المفكّر والسياسي خصوصيّة معيّنة. فهناك استقلاليّة في الوظيفة لكل منهما. وهنا ترابط وتوازن حياتي بين الاثنين. فالسياسي إنسان عملي يغرق في تفاصيل الواقع وتعرجاته وتلويثاته.

والفيلسوف المفكّر، إنسان نظري، معرفي يتطلّع دائماً إلى ما يجب أن يكون عليه الواقع. فلا يرضى أن يستسلم لتلويثاته وتفاصيله المغرقة بسلطة الانفعال والغريزة وقوّة الأقوى… هناك عجز إجرائي يعيشه المفكّر في حياته السياسية.

يقابله عجز نظري في قيم الحياة عند السياسي. نادراً ما نجد في تاريخ الإنسانية فيلسوفاً رئيساً أو سياسياً مفكّراً. وكأنّ الحياة الواقعية وهبت السياسة للحاكم والمعرفة للمفكّر. غالباً ما يتابع ويسمع الناس أخبار الحاكم، ونادراً ما يتابعون ويسمعون المفكّر أو الفيلسوف وذلك أثناء حياتهم. بعد رحيلهم الجسدي عن هذه الدنيا، نادراً ما يتابع الناس ويسمعون بالحاكم وغالباً ما يكرّرون

ويتابعون أفكار المفكّرين وأهل الإبداع…وكأنّ عمل ا لحاكم للزمن الآني والآتي. فهو محرّك طاحونة الأحداث والوقائع… بيد أنّ الأحداث والوقائع تتحوّل إلى رماد بعد عملية الطحن. أما الأفكار السابحة في فضاء الأذهان تبقى محلقة إلى أن يأتي نسر آخر يمسك الراية ويمضي في عملية مزدوجة الحضور التحليق من جهة والإنزال من السماء إلى الأرض والعكس من ذلك من جهة أخرى. كأن السياسي من طين الأرض فهو منغمس ومهموم بالواقع، ونادراً ما نجده يتأمّل برؤية فلسفية طبيعة حكمه وعلاقته بالمحكوم وبالسلطات المتنوّعة. كأنّ المفكّر بنتشي بتفوقه المعرفي – النظري ويتألّم ببعده عن تفاصيل الدنيا وشؤونها العملية… بيد أنّ البشرية وضرورة استمرارية الحياة وواقعيّتها كانت تطمح دائماً لتوازن وتفاعل وتطابق بين حكمة المفكر النظرية وواقعية السياسي العملية. وعلى الرغم أنّ البشرية ما زالت تتحكّم فيها الثنائية غير القابلة للتطبيق الناجح بين ماهية الفلسفة والعقل العلمي الشمولي وماهية السلطة السياسية. إلا أنّ واحداً منهم لا يستطيع أن يعيش بدون الآخر. لا حياة بدون فكر وعلم ولا فكر وعلم بدون سياسة، لا سياسة بدون واقع ولا واقع بدون نظرية علمية ترسم له الطريق. فالحياة هي تطابق النظري مع التطبيقي، العلمي مع العملي، الفلسفي مع السياسي. إنّ ماهية السلطة هي معنى الحكم وبين سلطة الماهية التي تتجسّد فيها الحكمة.

والحكمة بهذا المعنى هي الفلسفة. ولا صيرورة في الحياة بدون تواصل وتفاعل ماهية السلطة، بسلطة الماهية. فلولا أرسطو لما  لمسنا الحكمة في سلطة الكسندر المقدوني ولولا دوبريه لما اكتشفنا المثقف في شخصية ميتران ولولا سلطة الثقافة لما لمسنا حكمة السياسة عند هافل. كما أنّه رغم محنة سقراط وابن رشد وغاليلو ودوستويوفسكي وبردييف لما كانت هناك حكمة وفلسفة وعلم ومعرفة راقية في الوجود.

قدر المفكّر عامة والفيلسوف بشكل خاص أن لا يحل محل السياسي فهو خارج دولة المدينة. كما أنّ السياسي قدره خارج الحكمة الفلسفية. ستبقى الفلسفة ينبوع قلق دائم للحاكم المتسلّط في المؤسستين الدينية والدنيوية. وسيبقى المفكّر مصدر إحراج دائم ورقيب عقلي متواصل للسياسي الحاكم… فرغم أنّ عالم المفكّر هو عالم المثل والقيم وعالم السياسي هو عالم الوقائع والمنفعة المباشرة، فإنّ الاثنين يعيشان على المدينة الأرضية ولا مفر من عقد القران بين ما تسميه الحكمة الصينية بين الين واليانغ. بين الين التي هي السياسية، المرأة، الأرض، واليانغ الذي هو، الفيلسوف، الرجل، الفضاء لكي تكتمل دورة الحياة ويكتب لها الخصب والديمومة…

فالمقاربة التي أجريناها في هذا البحث قد تصلح لسلطة كل مفكّر ولتوجسات تسلّطه وعلاقته بالسياسي ولكن المفكّر العربي لكي يكون حضوره فاعلاً في إنتاج الأفكار والنظريات ومؤثراً في حقل التجارب السياسية والحياتية العامة. لا بد من أن تكون الديمقراطية الشغل الشاغل لها، ولا بد من أن تسكن ثقافة الحوار والشراكة في داخل ضوء عقله ودفء قلبه من خلال تواصله مع الآخر المختلف عنه .  من خلال علاقته بأفكاره وانتماءاته وبأفكار وانتماءات الآخر سواء أكان زميلاً له في نفس المجال المعرفي الذي يعمل به أم في المجالات والحقول الأخرى. أن تمسكه بالديمقراطية ثقافة ومؤسسة وجعلها سمة أساسية في خطابه المعرفي وفي ممارسته العلمية والثقافية والسياسية وغيرها، يعطي المشروعية واستمرارية الوجود الصحية للحياة في النظرية والممارسة ويوسع من مساحة الحربية والاجتهاد والابتكار في مجال إنتاج الأفكار وتآزرها مع التجارب العملية التي يقوم بها الآخرون. ونحن مع الرأي الذي يقوله علي أومليل: " أن يدافع المثقف عن الديمقراطية فإنّه يدافع عن وجوده الثقافي، عن هويته كمفكّر ومبدع، فبغيرها لن يكون هناك مجال لحرية الفكر، ولن يكون أمام المثقف، سوى الازدواجية، والرقابة الذاتية أو الولاء والسخرة، أو الصمت ". (11)

فهناك أربع مبادئ أساسية تجعل التوازن صحياً بين المفكّر وذاته، بين الفكر والسياسة. الإنسان الفرد الذي يحرص وجوده المتسامي غير المتماهي مع تسلّطه وسلطة الجماعة، الحرية التي يتوجّب أن يسهم بصنعها في كل يوم وعلى كل المستويات، الديمقراطية التي تشكّل الشعلة الدائمة لدى المواطن ضد تعسّف السلطات على اختلاف أنواعها، وثقافة الحوار والشراكة الدائمة مع الآخر المختلف عنا.

الكاتب: أ.د. سهيل فرح بروفسور

رئيس الجامعة المفتوحة لحوار الحضارات (موسكو)

—-

 

المراجع:

1-            فوكو ميشال: إرادة المعرفة، ترجمة ومراجعة وتقديم مطاع الصفدي.

مركز الإنماء القومي. بيروت 1990 – ص 101

2-            Roland Barthles: Leçon, éd. " Seuil "Paris, 1978. P. 11

3-            ALAIN: Eléments d'une doctrine radicale, Gallimard, Paris,

1925, P. 152  -153

4-            ديفرجيه – الدكتاتورية – دار عويدات – بيروت 1989  – ص 36

 

5-            جاك ماريتان. الفرد والدولة. ت. عبدا لله الأمين. مكتبة الحياة

– بيروت 1962 – ص 146

6-            ناصفي نصار. منطق  السلطة. دار أمواج. بيروت 1995 – ص 291

7-            موريس ميرلوبونيّ. منشورات عويدات. بيروت 1987 – ص 40

8-            علي حرب. أوهام النخبة أو نقد المثقف. المركز الثقافي العربي.

بيروت – الدار البيضاء 1996 – ص 41

9-            Voir, Albert Tribauder: La république des professeurs,

Grasset, Paris, 1927, P. 147

10-          Aderno: L'actualité de la philosophie, 11, Paris, Ed. Gobler,

P. 325

11-          راجع مقالة علي أومليل " سلطة المثقفين وسلطة الدولة " من كتاب:

المثقف العربي همومه

               وعطاؤه. مركز دراسات الوحدة العربية – بيروت 1995 – ص 149

 

 

 

كلمات مفتاحية: السلطة، المفكر، السلطة المعرفية، الفكر والسياسة، الإرهاب الفكري