الرئيسية » حضاريات » سلطة اللغة/ سلطة الفكر – د. عمر بوساحة
سلطة اللغة/ سلطة الفكر

سلطة اللغة/ سلطة الفكر – د. عمر بوساحة

وهل نحن بحاجة إلى هذه اللغات وبخاصة الفرنسية التي تشكَل حولها صراع سياسي من بدايات الاستقلال ولا يزال ساخنا إلى اليوم. الحقيقة أن هذا الجدال على الرغم مما ساده من فوضى ومن عنف لفظي وشتائم  متبادلة بين أطرافه في أحيان كثيرة، إلَا أنه أبان بعد أن هدأت فورته، أن الجزائري أصبح جاهزا سياسيا لفتح حوار صريح في أموره المصيرية مع مؤسسات دولته، ويجبرها بمواقفه على مراجعة وتصحيح كثير من تصوراتها. وبالمقابل فإن هذه المؤسسات لم تعد تبدي تعصبا لمواقفها كما كان الحال في السابق،  بل استمعت وصححت هذه التصورات والبرامج، وهو الشيء الذي اعتبره جديدا وايجابيا في علاقة الطرفين ويخدم صالح البلد.

 لا بدَ من البداية أن أشير بخلاف ما يعتقده جماعة الإسلام السياسي إلى أن اللغة العربية ليست لغة مقدسة ولا هي لغة القرآن، ولا ينتظر بحسب ما توفر من معطيات استعمالها في الجنة . فهي ليست مقدسة لأنها ارتبطت منذ نشأتها بكل مظاهر الحياة خيرها وشرها، مقدسها ومدنسها. ولكم هنا أن تعودوا إلى أشعار الصعاليك والشعر الماجن إلى حدَ البورنوغرافيا الذي قيل بهاته اللغة في أشعار امرئ القيس. وهي ليست لغة القرآن لأنها سبقت نزوله بقرون عديدة، ونحن قد تعرفنا على تراث الفترة التي تسمى بالجاهلية من خلال هذه اللغة. لقد تمَ تدوين القرآن بالعربية لأنها لغة القوم الذي نزل فيهم لا غير. وليست لغة الجنة لأنه لم يرد في النصوص الأصلية للإسلام ما يشير إلى ذلك ما عدا حديثا معروفا صنف وفق التصنيفات المعروفة عند كل الأئمة بما فيهم المتشددين  أنه حديث ضعيف. وبالإضافة إلى ذلك فإن المنطق السليم لا يرى بضرورة احتياج الفائزين بالجنة إلى أية وسيلة تساعدهم في تكيفهم مع بيئتهم بما في ذلك اللغة مهما كانت طبيعتها ورقيها، فساكن الجنة قد فاز بكل النعم.

حملت العربية كل التراث الذي أنجزته الحضارة العربية بكل أنواعه: مقدسه ومدنسه . كتبت بها كل أغراض الشعر من الديني إلى شعر الخمر والنسيب والتغزل بالغلمان، كتبت بها العلوم والفلسفة ، كتب بها المتصوفة والملاحدة … والفقهاء كذلك. ترجمت إليها انجازات الحضارات التي سبقتها. فتمكنت من تقديم حضارة إنسانية تعد من بين الحضارات التي نورت السبل أمام تقدم البشر. إنها لغة حضارة بمفهوم الحضارة العام، لا لغة تدين وحسب، كما يرى ذلك جماعة الإسلاميين وكذلك مناوئيهم الذين يعتقدون أنها لغة تخلف مجالها الأخلاق والطقوس الدينية فحسب.  فلولا العربية ما عرفنا كتابات ابن رشد ولا أشعار المتنبي، ولا علم العمران البشري لإبن خلدون وغيرذلك كثير.

  ترقى وتتقدم اللغة حينما يرقى الفكر وتهوى حينما يشتغل أصحابها على سفاسف الأمور. وهو بالضبط ما حدث في عصور الظلام والانحطاط التي مرت بها الشعوب الناطقة بهذه اللغة. إنها لغة الإنحطاط التي سادت بعد انتصار الغزالي وفقهاء الظلام على ثقافة العقل والأنوار التي قدمتها هذه اللغة فترة حضارة المسلمين. وهي نفس اللغة التي تعود إلينا اليوم في هذا الصعود المدوي لأصحاب خطابات العود إلى ثقافة حرب الطوائف، ودار الحرب ودار الإسلام . إنها اللغة التي يريدون بها تأطير أدمغة أولادنا في المدارس ليجعلوا منهم أعداء لكل جديد ولكل مختلف حتى وإن كان ذاك المختلف من بني جلدتهم، وليجعلوها مسكنا لهويتنا. وتثور ثائرتهم  حينما تنعت أعمالهم بمحاولة تدعيش المدرسة وتخريبها، فيتهمون معارضيهم بأنهم ضد العربية والدين، وضد الهوية وتراث الأمة، بخاصة منهم أولئك الذين يدعون إلى الإستفادة من اللغة الفرنسية كلغة من بين اللغات الحية في إغناء العربية على اعتبارأنه لا توجد لغة في العالم بقادرة على مسايرة ما يحدث من جديد في المعارف بمفردها. وهم يستندون في هذه المعارضة على حساسية الجزائريين التاريخية تجاه هذه اللغة بكونها لغة المستعمر. ونسوا بأن أمريكا وانكلترا مثلا قد أنزلتا الظلم في كثير من بقاع العالم تماما كما أنزلته بنا فرنسا، ولا أحد يتنكر لأهمية اللغة الأنكليزية في نقل المعارف والثقافات. لم نتحرر في الجزائر بعد من عقدة الاستعمار. ولا أريد أن أسمي الفرنسية غنيمة حرب، لأنني لا أعتقد بثقافة الغنائم التي جعلتنا ننتظر الريوع بدل الجهود المنتجة والإختراعات. ولكنني بالمقابل أعتقد أنه بإمكان هذه اللغة إذا حررنا أنفسنا من حساسية الاستعمار التي طال أمدها، أن تقدم لنا مع لغات أخرى، كثيرا من السند من أجل تجاوز الصعاب الثقافية التي تعوق مسيرتنا نحو الخروج من سجن التخلف. وهو ما أدركه أشقاء هم جيران لنا، تعلموا اللغات واحسنوا تدبيرها، فطوروا بذلك عربيتهم .

  انجبت العربية أدباء ومفكريين عالميين حينما انفتحت واغتنت بالثقافات العالمية، وحينما عبرت عن فكر الحياة مرَه وحلوه، صالحه وطالحه. ولعلَ ظاهرة نجيب محفوظ تصحح كثيرا من المغالطات التي رفعها مناوئوها ودعاة تحنيطها في وجهها. فمن المعروف على محفوظ أنه لم يكتب بلغة سواها فحاز على نوبل بالعربية. وبلغ كثير من أدبائنا ومفكرينا في الجزائر إلى العالمية من خلال أعمال بالعربية. والأمر كذلك بالنسبة إلى أشقائنا. وقد حدث هذا حينما تحرر فكرهم من لغة عصور الانحطاط وثقافتها التي يريد البعض جرَنا إليها والإبقاء علينا هناك، بالضغط علينا بتهم التفريط في الهوية وخيانة الوطن، ونسي هؤلاء أن الهوية والوطن ومن خلالهما اللغة العربية تحتاج إلى دم جديد وإلى فكر جديد، من دونهما ستنقرض الهوية وسيضيع الوطن.