الرئيسية » حضاريات » سليل الشجرة – نزار الفراوي / الجزء الثالث
سليل الشجرة

سليل الشجرة – نزار الفراوي / الجزء الثالث

بالنسبة إليه "الروائع السينمائية كلها انطوت بشكل أو بآخر على خلفية فلسفية تم التعبير عنها بالحركة والصورة والصوت والإيماء".

وفي زمن الحروب والنزاعات والحدود المحروسة والأسلاك الشائكة، يتمسك موران بالرهان على السينما كأداة في خدمة الفهم المتبادل بين الشعوب والحوار بين الثقافات، وتكريس طابع التعددية والاختلاف الخلاق كقيمة مثرية للحضارة الإنسانية.

لمن أراد أن يقتفي ذاكرة النبتة التي كبرت، لتصبح شجرة تسدل ظلها الوارف في القارات الخمس، وبكل اللغات، يأخذ إدغار موران بيده، ويسمي له أسماء خلدها في كتاب حمل عنوان "فلاسفتي" (2012). قائمة مخضرمة تحمل عناصر تفسير نافذة لسر هذا الفكر المركب، المتعدد المداخل، الذي يحقق صلح الانسجام والتناقض. هيراقليط، روسو، باسكال، سبينوزا…لكنه يباغت القارئ بأسماء أخرى من خارج النسق الفلسفي، وإن غذته بشكل أو بآخر: دوستويفسكي، وبيتهوفن. ثمة أيضا أنبياء… وأنصاف آلهة.

من هيراقليط، ينهل موران يقين التفاؤل والاتجاه إلى المستقبل، يستحضر قولته: "دون الأمل، لن تجد ما لم تكن تأمله"ّ.

يعد باسكال كتابا مفتوحا على أكثر مشاكل الإنسانية راهنية، وأكثر من ذلك، يجد فيه ذلك المشهد المركب بين العقل والإشراق الصوفي، الإيمان والشك. في حديثه لمجلة "لوبوان" الفرنسية يسوغ تعلقه بعالم باسكال بقوله: "أحب فلاسفة التناقض". يبجل في إرث هذا الفيلسوف اشتغاله على المحبة والتسامح في نطاق مقاربته لمصير الإنسانية، وهو يستدعي من خلاله قولة القس رايمون بانيكار: "بالنسبة إلي، الفلسفة هي حكمة الحب أكثر منها حب الحكمة".

هذا البعد الروحاني الصوفي كمصدر للمعرفة ومكون حيوي لرؤيته للعالم والإنسان، جعل إدغار يبدي نوعا من النفور من تراث علم فلسفي كبير من عيار ديكارت الذي اعتبره في ذات الكتاب: " فيلسوفا كبيرا، لكن منهجه مغرق في التحليلية: إنه يفصل الإشكاليات إلى قطع صغيرة ثم يتناولها بشكل منفصل".

عدة آباء يجدون استمرارية إرثهم في إدغار موران، لكنه عصي على الاختزال في مدرسة بعينها

إدغار، اليهودي الذي نبذته الصهيونية والجماعات الداعمة لإسرائيل، لا يخفي إعجابه بالفيلسوف سبينوزا، اليهودي الذي أخرجه الأحبار من الملة : "أحب طريقته في كراهية الكراهية ونبذ اللاتسامح".

ومن ضمن نخبة فلاسفة عصر التنوير، ينحاز إدغار إلى جون جاك روسو، لأنه لم يستبعد في ذروة عقلانيته أهمية البعد الروحي والعاطفي في إعمار العالم وبناء الإنسان. كانت لديه بوادر ذلك الفكر المركب الذي لا تفحمه دقة المعادلات الرياضية الباردة.

عدة آباء يجدون استمرارية إرثهم في إدغار موران، لكنه عصي على الاختزال في مدرسة بعينها. انفتح على كل المرجعيات، آمن بالتراكم الحضاري الذي اغتنى بكل الثقافات، رأى الحقيقة لا تسكن في بيت، بل ترتوي من رحيقها كائنات في كل مكان وزمان، فحمل لواء الدعوة إلى تحالف من أجل حضارة إنسانية يشارك في صنعها الجميع، لا على أساس سيناريوهات ومؤشرات تسطرها الحواسيب العملاقة، بل وفق رؤية متوازنة للسعادة العامة، يتجاور فيها المادي والروحي، وتتبدد فيها المظالم والاختلالات. لذلك كان سوداويا، في تشخيصه، ومؤمنا بمستقبل ممكن، في استشرافه.

ابن شرعي لتاريخ الحركة الإنسية في أوروبا، وناقد نزيه لتاريخ من التنكر لهذا الإرث في موطنه وعلى يد أبنائه، إدغار موران مواطن عالمي.

 

نزار الفراوي – إعلامي مغربي