الرئيسية » جماليات » شولوخوف يتحدث عن شولوخوف – د.فالح الحمراني
shwlwkhwf_ythdth_n_shwlwkhwf.png

شولوخوف يتحدث عن شولوخوف – د.فالح الحمراني

  

توفي شولوخوف الابن في 21 اكتوبر 2013. وقد نشرت "الصحيفة الادبية" (ليتيراتورنايا غازيتا) الصادرة بموسكو، آخر حديث صحفي ادلى به قبيل وفاته، وكرسه لأبيه انسانا واديبا عاش في زمن صعب وانتج اعمالا خالدة، جعلت منه شخصية عصر كامل تدور حولها الكثير من الاساطير والاختلاقات، وربما الحقائق. اضافة الى ان المادة هامة من جهة التعرف على عالم الاديب ومختبره الحياتي والابداعي للمساعدة على فهم اعماله والعثور على تأويل مناسب لها. المادة قائمة على ردود شوخولوف الابن على اسئلة الصحيفة:

 

 ـ ان الناس يريدون ان يسمعوا عن شولوخوف اشياء غير مألوفة، بيد انه كان انسانا عاديا لم يتميز عن الاخرين بشيء، باستثناء أنه كان يجلس خلف طاولة الكتابة.

ادرك ميخائيل شولوخوف ان اباه اديب، وهو يسمع من الاخرين المحيطين به عنه. ولم ير ان شوخولوف يكتب مذكرات شخصية للتاريخ وللمستقبل. فلقد كانت لديه ذاكرة قوية ليس فقط لحفظ لاحداث الكبرى، بل أيضا لحفظ الاحداث الصغيرة، وهيئة الناس، وتغيرات الطبيعة.

كان شولوخوف الأب يذهب إلى طاولة العمل بدون سابق انذار ملمحا بذلك للمحيطين به بانه بحاجة للهدوء وان يلتزموا السكينة وعدم ازعاجه لفترة زمنية محددة.

ولم يكن مؤلف "الدون الهادئ" ليشرع بكتابة أعماله بعد وضع خطة مسبقة لها. فلم نكن نلاحظ من اية نقطة يبدأ العمل، او بالاحرى ان خطة العمل تترتب في رأسه ومن ثم يجلس أمام الطاولة ويسكب كل شئ على الورقة. ولم يذهب شولوخوف بنفسه الى الارشيف الحكومي لاستقاء المعلومات الخاصة باعماله، واذا ما احتاج الى وثائق خاصة، فانه يطلب من الجهات المعنية ان ترسل له الوثائق المطلوبة.

وقد أتاحت له علاقته بالمحرر الادبي لصحيفة البرافدا الناطقة باسم اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفياتي السابق، الحصول على المواد والكتب المطلوبة لأعماله الادبية. بينما بقى الارشيف الذي كان بحاجة ماسة له من أجل كتابة روايته "المدافعون عن الوطن" مُغلقا امامه، وكان من الصعب عليه الكتابة عن الحقائق وعن العمليات العسكرية من دون معرفة كافة التفاصيل، وعانى كثيرا بسبب ذلك.

شوخولوف الاب لم يحب اوساط ادباء موسكو، وتحدث عنهم كوصوليين ومدبري دسائس. وهم كذلك بالفعل. وكانت تجري بينهم عملية غريبة حيث يتجمع فريق من الادباء ويتبنى فكرة ما، ومن اجل تلك الفكرة يتشاحنون ويتعاركون ويرمي احدهم بالاخر في السجن، ويصل الأمر لحد التصفية الجسدية. لقد سئم شولوخوف من وسط ادباء موسكو.

استلهم شولوخوف معرفة التاريخ والتقاليد والعلاقات اليومية واللغة التصويرية والامثال واغاني القوقاز من خلال التعاطي مع محيطه الواسع، وعرف الكثير من أهل القوقاز انفسهم الذين كانوا يتحدثون عن مصاعبهم بروح من الدعابة، وعرف جيداً الاغاني القوقازية وكان لديه كثير من موسوعات الامثال والحكم، ولكنه لم يحب الاقتباس من الاخرين.ونادرا ما كان يقتبس عبارات من اعماله اثناء حديثه.

كان يراقب العملية الادبية في البلاد، ويقرأ بسرعة كبيرة، ولكن حينما كان يقرأ كل ما تقع عليه يده فإنه يقرأه بامعان ومع ذلك بسرعة، وقرأ معاصريه من الادباء مثل تفاردوفسكي وسيميونوف وابراموف وبيلوف واستافييف وراسبوتين. لقد قرأ لكل هذا الرعيل بمتعة كبيرة وعاود قراءتهم وامتدحهم. ومن ثم اطلق عليهم لقب "القرويين"، (لانهم تناولوا مشاكل القرية السوفياتية والفلاحين).

لم يهتم شولوخوف بجمع ارشيفه والحفاظ عليه، وحرقَ الكثير من اوراقه واعتنى فقط بجزء من الارشيف. ويصعب القول بان كان لديه بعد الحرب العالمية الثانية ارشيف بالمعنى الدقيق للكلمة. كانت لديه في الصناديق حزم بعشر صفحات او اثنتي عشرة صفحة، هي على الاغلب مخطوطات، ولكن لا يمكن القول ان لديه ارشيفا وانه جمعه ورتبه.

وتتذكر ارملته بانه كان يخجل من كل ذلك، وحينما كان يشرع بجمع مخطوطاته كان يقول لها "ماذا تفعلين فسيعرف بعد ذلك احد الاصدقاء ويقول انظر الى شوخولوف انه يثمن نفسه بنفسه، يجمع ارشيفا". وحين راحو يتهمونه بمختلف الكبائر (في إشارة الى تهمة انتحاله رواية "الدون الهادئ") فانه وافق مع ارملته، وبدأ يكتب كل شئ بيده ومن ثم تقوم هي بطبعه والاحتفاظ به، ولم يعترض في هذه الحالة. ومن المؤسف ان يكون كل هذا قد ضاع إبان الحرب العالمية الثانية. انه ايضا لغز!.

ان القول بان الكسندر سولجينيتسين (الذي تبنى مزاعم انتحال رواية "الدون الهادئ") نغص حياة شولوخوف قول عار عن الصحة، وانه امتدح قصصه "يوم من حياة ايفان دينيسوفتس" و"فناء ماتريونا". وحينما ظهر الكلام الفارغ في باريس (مجموعة من المقالات التي تشكك بان يكون شولوخوف هو مؤلف رواية "الدون الهادئ") وكتب سولجينيتسين مقدمة له، عرف شولوخوف بصدور مثل هذا الكتاب، واكتفى بالقول للشخص الذي عرض عليه مضمون المقدمة التي كتبها سولجينيتسن :"ماذا يبغي غريب الاطوار هذا؟!".

ان مقولة شولوخوف الشهيرة:"ان قدر الاديب مأساوي" تنطبق تماما عليه. والكلام لا يدور حول حياته المعيشية، وانما حول مصيره الادبي. والحملة التي تعرض لها ما زالت سارية المفاعيل لحد يومنا هذا. ولسبب ما كانوا مستعدين وبكل سرور "للقضاء عليه". فوسط ادباء موسكو لم يشعر نحوه بالحب، وكان هو يكن لهم نفس المشاعر.

لقد جرى تفسير الكثير من المحن التي تعرض لها شولوخوف بالحسد، ولكن كما قال هو: "ان كلمة حسد لا تفسر شيئا. لهذا فان مقولة "قدر الاديب المأساوي" توافق شولوخوف.