الرئيسية » اكتشف روسيا! » سحر الروسيا – سهيل فرح
rossiya-peyzazh.jpg

سحر الروسيا – سهيل فرح

سحر كل حضارة يكمن في الجوانب غير العادية لتكوينها الجغرافي والإثني والثقافي والروحي. فالذي يتواصل بعقله وقلبه مع روح أي حضارة يكتشف الكثير من جمالياتها وسحرها. والذي يتواصل مع روسيا عبر ثقافة المعلومة المتوافرة في بطون الكتب أو عبر الصورة التي تنقلها وسائل الإعلام الأخرى، هو غير ذاك الذي يحتك بها عبر ثقافة العين والأذن والحواس والطاقات الأخرى كلها. هنا فعل العقل يوازي وجدانية القلب. ثمة في المدخل العقلاني مجال رحب للتأمل والتقويم والاستنتاج بغية استخلاص الثابت والمتغير فيها، العظيم والهزيل، الناجح والفاشل في دائرة أقوالها وأفعالها، وفي ملامسة القلب بها. هنا يأخذ فضاء المشاعر والعواطف والروحانيات والجماليات مجالاته الرحبة وتنفتح ثنايا الناس لتذوق البهاء فيها.

ما الذي يأسر العقل والمخيلة في روسيا هذه؟ وما الذي يثير المخاوف والقلق عليها؟ وما هي الدوافع التي تدفع بالبعض إلى أن يكونوا عشاقاً لها، والبعض الآخر رافضاً لها؟ لا يدعي كاتب هذه السطور أن الجواب الشافي موجود لديه، بيد أنه يحاول تبيان بعض المعطيات التاريخية والجغرافية والسوسيوثقافية والفلسفية المسببة لهذه الحالة أو تلك.

روسيا ذات المجال الجغرافي الأوسع على هذا الكوكب تنعم بأرحب وأوسع السهوب والغابات والبحيرات والأنهار. تبدو مدنها وقراها كأنها نقاط متباعدة بين فضاءات واسعة من أنوار وهبات الطبيعة. على جسد روسيا هذه يمتد بساط من الثلج الهائل الاتساع الذي يحتل الحيز الأكبر من القطب الشمالي. فيبدو هذا البلد، ولمدة تتراوح بين السبعة والثمانية أشهر في السنة كأنه مجال متواصل بين الأرض والسماء. انعكاس لون الثلج على هذه البلاد يعطيها صورة المدينة الأرضية المضيئة والجوالة. وسع المجال الروسي يترك تأثيره الكبير في وسع فضاء الكلمة ونقاوتها وبريقها في الشعر والأدب والرسم وحركات الجسد، وكل فنون الرقص وفي شكل أخص في الباليه، إن وسع المجال الذي يحيط بكل حواس الروسي يجعله يحضر في وسع الطروحات والمهمات الفكرية والسياسية، ويظهر على نحو لافت في وسع المساحات الروحية في النفس الروسية.

كما أن التواجد الجغرافي لروسيا في القارتين الأوروبية والآسيوية أعطاها بعداً أوراسياً ذا نكهة خاصة ثقافية وروحية. فيها يتزاوج الغربي مع الشرقي في أكثر من حالة، وكذا المسيحي مع المسلم والبوذي وسواهم من بهاء روحانيات الأديان الأخرى.

حول خصوصية التكوين الحضاري لروسيا تكلم أكثر من مفكر، فشاديسف المتأثر بالغرب أقر بـ "طابع المصادفة الآسيوية والأوروبية التي نسجت التكوين العضوي للحضارة الروسية". في حين أشار المفكر الأوراسي فرنادسكي إلى الوحدة الموحدة لروسيا فقال: "لا توجد روسيتان أوروبية وآسيوية، بل روسيا واحدة أوراسية، أو روسيا الأوراسية". أما زايتسييف الأقرب إلى التيار السلافي فيشير بدوره إلى الطابع التعددي الإثني والثقافي لروسيا: "نحن لسنا فقط سلافيين وتتراً. نحن ورثة الشرق العظيم (بيزنطيا). بلادنا كانت ولا تزال مختبراً هائلاً تكوّن فيه أثناء مئات السنين هذا المزيج من القبائل والأعراق، التي لا مثيل لها من حيث خصوصيتها".

التمازج والتفاعل:

الخصوصية الروسية كانت إذاً نتيجة تمازج وتفاعل بين مجموعة عناصر دخلت على هذا الكوكب. فنمط التفكير الروسي حالة تجمع بين ضوء الشرق ولوغوس الغرب بين الإشراق الإلهي الروحاني، والتشكل الغربي العقلاني الديكارتي. وأنماط السلوك الروسية فيها من التنوع في الممارسات اليومية للناس ما يجعلها تعيش النمط الآسيوي والأوروبي في أبرز مظاهره.

ورغم حضور العقل بكثافة في الذهنية الروسية إلا أن القلب يبقى له الحضور الأوسط، ليس على مستوى التواصل العاطفي والوجداني بين الناس، بل أيضاً في النشاط الذهني. لكن الشيء الذي يسحر المرء، عند محاولته تلمس ماهية الشخصية الروسية هو حضور تلك الجدلية القائمة بين القلب والعقل فيها.

فالشعب الروسي في المحصلة هو شعب الوجدانيات والتأمل. كما أن القلب الروسي النابض بالحيوية يبحث عبر تحريكه لطاقات العاطفة عن الخلاب والجميل والطيب والدافئ. لذا فهو يشكل الينبوع الذي يضج بالمشاعر الجياشة وليس الوجداني لسلوكيات ناسه، بل يدخل في توفير الطاقة الفكرية لمعظم العاملين في المهن، وعلى خلاف القسم الأكبر من شعوب الشرق التي يضعف في ذهنيتها حضور العقل العلمي وتنسكب المشاعر والانفعالات الجياشة في سلوكياتها بلا حدود، فإن منطقة العقل العلمي في الذهن الروسي حاضرة بقوة، بل نراها أحياناً متوقدة ومتفوقة في الكثير من العلوم الدقيقة والإنسانية، مما يجعلها تنتج بين الفينة والأخرى أبدع الابتكارات. غير أن القلب يبقى الخزان الأساسي للطاقة الإنسانية الروسية، ويشير إلى هذه النقطة أحد المفكرين الروس إيلين: "العقل على أهميته يبدو كأنه امتداد لحرارة القلب".

فمن ينبوع القلب يمكن تفسير الكثير من أسرار الإبداع الروسي. سحر المخيلة الروسية الممثل بأشعار بوشكين ويسنين وبلوك واكودجافا، وفي الإشراقات المبدعة لأدب دُستويفسكي وتولستوي وتشيخوف وشولوخوف، وفي شلالات الأنغام المتسامية في انسيابها وحركتها وتموجاتها لدى تشايكوفسكي ورحمانيوف وسكريايين. وفي الفضاءات اللا متناهية في المخيلة القصصية الموجهة للأطفال واليافعين الكبار، تلك التي عكست سحر الجوانب الخفية في عالم الطبيعة والحيوان والإنسان، والتي ظهرت في أعمال باجوف ونوسوف وسواهما، وفي رقص الجسد الروسي المتماهي مع موسيقاه، ومع كل مشاعر الحزن والفرح والبطولة والانكسار في باليه بافلفا وبسمرتنيفا ومكسيموفا، وفي سمفونية الأطياف والألوان الداكنة والفاتحة التي تعكس الطبيعة الجغرافية والإنسانية الشخصية، وتتجلى في ريشة سيروف وربين وسوريكوف وريرخ وزفرييف وآخرين. وهكذا في دراما وتراجيديا النفس الروسية التي أبدعها مخرجون مسرحيون عظام أمثال ستانيسلافسكي ومايرخولد ولوبيموف وآخرون. وأيضاً في السينما التي قدمت للعالم في فترة معينة أبهى الصور المختلجة في أعماق النفس الروسية، والأخرى التي عكست مسيرة آلام ومعاناة البشرية في القرن العشرين.

وفي هذا السياق سجلت أعمال ايزنشتاين وتاركوفسكي وميخالكوف أسطع الإبداعات. والمجال لا يتسع هنا لذكر الإبداعات الكبرى التي تعكس الطاقة الفنية للقلب والعقل والخيال الروسي. بيد أن الخصوصية الروسية في بهاء قلبها برزت في نورانيتها الروحية. فالروسي بشكل عام وعبر علاقته بنفسه الآخر، يرجح الثورة الروحية على الثورة المادية. فكما يقول جورفلييف، وهو أحد العارفين البارزين بشكل أساسي: في روسيا قبل هجوم الثقافة المادية الاستهلاكية لحضارة العولمة، وحتى قبل العهد الاشتراكي كانت الأرثوذكسية تشكل المعلم الأبرز للطعام الروحي لدى أكثرية الروس. ورغم اهتمام السلطة السوفييتية البارز بالطعام الروحي، إلا أنه حمل طابعاً عينياً تمثل بالاهتمام والتذوق بالثقافة الفنية والأدبية والفلسفية ذات اللون الواحد الذي ارتدى العباءة الأيديولوجية على نحو بارز. وفي المرحلة الراهنة، وإن تقلص الاهتمام بالثقافة الراقية، فإن التركيز على البعد الروحي للشخصية الإنسانية لا يزال يشغل الساحة الواسعة من أولئك الذين يناهضون قيم اللا ثقافة لموجة العولمة المادية الاستهلاكية. والبعد الروحي عند الروس هو بلا شك متعدد المصادر والمنابع، منه ديني ومنه جمالي وأخلاقي وكوني ودنيوي عام. غير أن الروحانية الأرثوذكسية وعلى عكس ما توقعته بعض التيارات الروسية من هلاك لها، فإنها استطاعت أن تؤكّد نفسها بأنها الكنز الروحي الأبرز للشخصية الثقافية الروسية. ذاكرة هذا الشعب تختزن أبهى المعاني التي تجسدت في بناء الكنائس والأديرة، تلك التي تشكل واحات فردوسية على أرض روسية الأبدية. كما أن سر تواصل المؤمن الروسي بعالم معتقداته وطقوسه المسيحية يجده المرء في حضور الأيقونة في عالم روحانياته. فن الأيقونية الروبلوفية لا سيما سكب ألوانها النورانية على الرموز المسيحية منحها بعداً جمالياً روحياً جعله يدخل في أنس ووداعة عمق ثقافة كل عين تتذوق الجمال في العالم. والباحث المتعمق في أدب دستويفسكي وتولستوي وغوغول وفكرهم يكتشف أن الإشعاع الماسي الذي يبرق من كلامهم كان يستقي طاقته الآباء الروحيون في دير أوبتيمو في ضواحي موسكو، حيث كان هؤلاء الأدباء يرتادون بين الفينة والأخرى ذاك المكان المقدس. ومن يحاول مؤانسة الروح الروسية المؤمنة ويسعى للتعرف إلى رموزها المقدسة في التاريخ الديني والقومي يلمس أن الإلهام الأرثوذكسي الذي تماهى ولقرون عديدة مع العنفوان القومي يمر عبر آباء كبار يشكلون ضمير الأمة الروحي والأخلاقي والوطني أمثال سرغي و سيرافيم. وكان محقاً حين قال الكاتب الروسي المعروف سولجنيتسن: "كان للكنيسة الأرثوذكسية الدور الأبرز في تكوين الوعي التاريخي للدولة ولنواتها الروحية".

الطاقة الروحية:

وهنا لا يعجب المرء من الشحنات الروحية القوية التي تتكون لدى الزوار والأجانب لهذا البلد. وفي هذا الصدد أفهم جيداً دهشة أحد الصحفيين الفرنسيين العاملين في الصفحة الثقافية لجريدة "لوفيغارو"، حين عبر عن خواطره لإحدى الجرائد الروسية بعد خروجه من إحدى الكنائس البديعة في مدينة نوفغورد قائلاً زرت تقريباً معظم بلدان العالم وكتبت عنها. فروما مثلاً أعرف تفصيلها كما أعرف شقتي في باريس. ما شهدته عيناي عندكم لم أره في أي مكان. والآن أدركت الفرق بيننا وبينكم طوال تاريخنا. كنا ننظر إلى السماء عبر النوافذ الزجاجية النظيفة لبيوتنا وصنعنا حضارتنا. أما أنتم فكنتم في هذا الوقت تتأملون قبة معابدكم وتبدعون هذه الثقافة العظيمة.

وفي هذا السياق يسجل أحد العارفين الكبار في أسرار الروحانية الأرثوذكسية المطران جورج خضر بعد زيارة له لعدد من الأديرة في قلب روسيا في مدن الخاتم الذهبي فلاديمير وسوزدول – يسجل انطباعاته عن حضور الروحانية في النفس المؤمنة الروسية: يركنون إلى جو التعبد العابق في الكنائس الروسية وليس هناك مسيحي في العالم على الكثافة الروحية التي عليها الشعب الروسي.

من هنا نلمس في تاريخ روسيا السبب الذي يجعل معظم المنتمين إلى الإثنية السلافية الذين يشكلون أكبر المجموعات السكانية في البلاد يلتفون حول الروحانية الأرثوذكسية. فالكنيسة الروسية كانت تجد نفسها في اللحظات التاريخية الحرجة في قلب الإنسان الروسي في خندقه الروحي الأمامي، المدافع عن نقائه الداخلي وعن خصوصيته الثقافية. وفي المرحلة الراهنة وإن بدت الكنيسة الأرثوذكسية المحلية متشددة أو محافظة في نظر اللاهوت الغربي أو في نظر المغربنين من الروس، وأيضاً في نظر فئة واسعة من المتابعين للشأن الثقافي والديني الروسي من الخارج، فإن آباءها ومفكريها يعتبرون الكنيسة في ظل الفراغ الأيديولوجي وربما الروحي الذي حصل بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، بأنها المدافعة الرئيسة عن الذات الروسية. لذا ورغم انفتاحهم الحذر على الخارج فإن حرصهم أشد على الهوية الخاصة. فهم كمن يطبق في الحياة مقولة أحد حكماء الشرق الأقصى عندما طرح عليه السؤال عن الطريقة الناجعة لصون الهوية الخاصة والانفتاح على العالم فكان جوابه "سأفتح نوافذي مشرعة لكل هواء نقي، لكني لا أسمح للريح بأن تبعثر أوراقي الخاصة".

لكن الحديث عن الروحانية الأرثوذكسية ينبغي ألا يُنسي المرء حضور الروحانيات البهية والرائعة لكل من المسلمين والبوذيين وأتباع الديانات الأخرى وأيضاً لإبداع المفكرين والفلاسفة الكبار، الذين اشتغلوا على ما أسموه "الفكرة الروسية" الهادفة إلى تشكل العناوين الاكسيولوجية للخصوصية الحضارية الروسية. فعلى الرغم من انفتاح الفكر الروسي على إبداعات حضارات الشرق والغرب في بعديها المادي والروحي بيد أنه وجد أن ثمة ضرورة ماسة لابتكار فكرة أو فلسفة خاصة نابعة من أعماق الذات الثقافية الروسية. من هنا جاءت أفكار كل من فلورنسكي وبولجاكوف ايلين وسولوفيوف فرانك ولوسييف ومعهم شيخ الفلاسفة الروس نيكولاي بردييف. فهؤلاء أرادوا أن يقدموا إلى القارئ فلسفة أو خطاباً ثقافياً عاماً ذا نكهة روسية، لا هي مقلدة لمنظورة المعارف الغربية التي تحضر العقلانية والبراغماتية الصارمتان في فلسفتها، ولا هي شرقية متماهية مع الروح الميتافيزيقية إلى وضع الفلاسفة الروس أمامهم وعلى حد قول بردييف "مهمة فلسفية روحانية تأخذ أبعاداً فكرية أخرى". وتلك الأبعاد يجدها الدارس في أعمالهم متمثلة بالموضوعات الروحية والمادية والكونية وبالذات في شقيها الديني والعلمي. ولكي تكون "الفكرة الروسية" أكثر جاذبية للشعوب القاطنة في الحاضرة الروسية ولأصدقاء روسيا هذه في الخارج، اشتغل المنظرون على فكرة العدالة والتركيز على البعد الأخلاقي والروحي في الشخصية الإنسانية، وعلى مناصرة الضعفاء في الأرض. وهذا ما نلمسه في الموضوعات الفكرية الكبرى التي ارتبط كل منها باسم هذا الكاتب أو ذاك الفيلسوف. كفكرة الكيانة الإنسانية لدى دُستويفسكي والكونية لدى تولستوي وبلافتسكا وتسيلكوفسكي وكل التيار الكوني الروسي على اختلاف طروحاته وتنوعها، وفلسفة القضية المشتركة فيودورف، ومبدأ وحدانية الكل لدى سولوفيوف، وفكرة السابورست لدى خومياكوف، والأوراسية لدى ترويسكس وسواه من ممثلي أطياف الفكر الأوراسي والتضامن الأممي أو الإنساني، مع جميع كادحي وشعوب الأرض لدى المفكرين اليساريين. في هذا المعنى يلمس المراقب أن الفكرة الروسية لا ترتكز على حس قومي محافظ بقدر ما ترتكز على أساس من القيم الأخلاقية والروحية والإنسانية التي استمدت بعضاً من أصولها من الأفكار الكبرى التي راجت في التاريخ السياسي والحضاري الروسي بين هذه الفترة أو تلك. مثل فكرة "موسكو – روما الثالثة" أو فكرة "روسيا الواحدة" التي تمثل الاتحاد غير القابل للتفرقة بين الشعوب الموحدة أو فكرة "موسكو عاصمة الأممية" التي تمثل مركز الثقل بالنسبة للشرائح العمالية والفلاحية الكادحة وللمثقفين الثوريين في العالم. فهذه الأفكار أو تلك أسرت المخيلة الروسية وأحياناً كثيرة غير الروسية على جاذبيتها البراقة لأنصارها، ويقول عنها البعض الآخر إن الزمن قضى على روحها وتألقها، ولا مجال لإحياء روح جديدة لـ "فكرة روسية جديدة" لا سيما في ظل الهجوم الكاسح لـ "قيم" العولمة الثقافية.

قد يكون لهذا الرأي بعض الأسس الواقعية الراهنة التي تدعمه، بيد أن الرأي الآخر الذي يقول إن إضفاء نمط واحد أو لون ثقافي واحد على كل الحضارات والثقافات هو محض خيال أو أوهام، ولا يجد حماسة له إلا لدى أولئك المصابين بجنون العظمة. فكل حضارة لها روحها الخاصة التي تسعى إلى تجديدها على الدوام، فدُستويفسكي نفسه، الذي يعتبر قديس الأدب الروسي ومعه مفكرون وأدباء روس معاصرون، يشير إلى ضرورة التمسك الروسي بالرسالة الفريدة من نوعها لروسيا محلياً وعالمياً، والتي تقول: قد نجد أناساً يرفضون فكرة خلابة إلا أن ذلك لا يعني أننا لا نسعى إلى إبدال الفكرة الخلابة بأخرى رائعة وخلابة مثلها.

إنقاذ القيم:

والفكرة الخلابة التي يعمل عليها بعض المفكرين الروس المعاصرين أمثال بانارين ويوكفس بستوجيف لادا وليسكوف واوسيبوف وسواهم من المبدعين العاملين في العلوم الإنسانية والتطبيقية، وفي القطاعات الإدارية والمهنية المتنوعة والذين يشتغلون فيما يشبه "ورشة عمل روسية جامعة" حول علم البدائل الحضارية التي تركز على ضرورة الخروج من مأزق المادية والتكنولوجيا التي همشت القيم الإنسانية، وتحديداً الجوانب الأخلاقية والروحية والثقافية الجمالية، وتعمل تلك الورشة بهدوء وبلا ضجيج من أجل الإعلاء من تلك القيم تحديداً، وتسعى إلى استحداث تقنيات وعلوم وأفكار جديدة تفتح ولو باباً من التفاؤل أمام حالة الإحباط العالمي والتشاؤم والكوارث، ومنطق القوة الغاشمة التي تجثم بثقلها على صدر الإنسانية جمعاء. وفي هذا السياق وعلى المستوى العلمي والفكري يبرز تيار الكونيين الروس الذين يستمدون بعضاً من أفكارهم من الموروث الذي تركه أب علم الفضاء الروسي تسيلكوفسكي، ومن المساهمات العلمية الكبرى التي قام بها كل من مندلييف ولوباتشفكي وبافلوف وكورتاشاكوف في ميدان علم الفيزياء بشكل خاص وغيره من العلوم التطبيقة الأخرى. فهؤلاء سواهم جيش من العلماء والباحثين الذين ساهموا في اكتشاف أسرار اليابسة والمياه والفضاء والذين جعلوا سمعة العلم الروسي ومعه إنسانه عالية، ولا يمكن أن يذهب جهدهم في مهب رياح الموجة الثالثة من العولمة العاصفة التي تحمل لواء تأليه المال والقوة والسلطة، كما أن هناك طاقة روسية متقدة تعمل على مد روسيا بروحانية جديدة، تستند بجانب أساسي منها إلى تراثها الأرثوذكسي وسواه من الموروث الديني العلمي، وجانب آخر منها إلى كل الطاقات الروحية الإنسانية التي تأتي من الدينامية الأرضية والكونية.

لذا هناك من المفكرين من هو على حق في رأينا حين يكتشف "الحبل السري" بين الكونية العلمية والكونية الروحية الروسية، مما يجعلها تنشط ضمن ذهنية كونية روسية واحدة، يشغل تأملها وفعلها أوسع الأمكنة والأزمنة والمساحات الإنسانية والثقافية.

بيد أن روسيا الكبيرة في مساحتها وطاقاتها وأحلامها، وكونها هي أيضاً كبيرة جداً في تناقضاتها ومشكلاتها. فما يثير التوجس في الجغرافيا الروسية الواسعة هو الجانب القاسي جداً في طقسها البارد الذي يمتد أحياناً إلى ثمانية أشهر في السنة، مما يترك انعكاساته السلبية على حركة الإنسان في نهاره وليله. حيث يشغل الحيز الأكبر من همومه مكافحة قساوة هذا المناخ وعوائقه، التي تحول دون أن يعطي الجانب المهم من حركته إلى العمل المنتج والمفيد، ومما يجعل الباحث في الفكر السياسي والاقتصادي الروسي يرتاب من سوء الفهم التاريخي وسوء إدارة هذه الجغرافيا الروسية من العقل الحاكم القيصري والسوفييتي وحتى الروسي الحالي. فمن ناحية يجد المرء في هذا المكان الروسي أغنى الثروات الطبيعية والطاقات المتعلمة والذكية، ويلمس من ناحية أخرى المستوى المتدني للحياة المادية لدى معظم السكان.

الحلم ينهج إلى الآن عمل الثلاثي الذي يصوغ الوعي السياسي والاقتصادي للناس، ويوجه سلوكياتهم المادية والحياتية، وأعني بذلك مثلث السلطة وأنتليجنسيا والشعب. فالميزة التي كانت تحرك العلاقة بين هذا الثلاثي الذي يشكل المثلث الروسي العام هي افتقاره إلى اللحمة في معظم مراحل تاريخه باستثناء بعض اللحظات التاريخية التي كانت أمام عدوان خارجي متأت من الغزوات التي اقتحمت عقر داره من هنا وهناك، ويساهم في تقارب أضلاع المثلث الروسي. عادة ما يكون حافزه القيم الروحية والوطنية الجامعة والكبرى وأيضاً إنجازات مبدعيه في العلوم والفنون والرياضة التي أطبقت شهرتها الآفاق. وتخدش النفس الروسية تلك القدرة الهائلة لكل سلطة جديدة تأتي في عملية الهدم المنظمة أحياناً والعشوائية أحياناً كثيرة لكل ما تم بناؤه في السابق بصرف النظر عن الجانب الإيجابي فيه. وهذا الأمر كان يرافق في كل عملية إعادة بناء المجتمع نوعاً من إجراء العمليات الجراحية "القيصرية" الحادة والموجعة جداً لكل الجسم الروسي، مما أنهك وينهك حيزاً مهماً من طاقاته في كل الميادين.

الأمر المريب هنا هو ترك معظم شرائع هذا المجتمع تعيش في مختلف الأزمنة في حالة مادية أقرب إلى العوز منه إلى البحبوحة. فعدم الحفاظ على التقاليد الإيجابية في نظام العمل والإدارة الاقتصادية والسياسية غياب الدينامية المبدعة في تغيير الأساليب والمنهج والطرائق في هذه القطاعات، هذا ما يكاد يشكل السمة الملحوظة التي رافقت العقل السياسي والاقتصادي ليس في الحكم فقط بل في المعارضة أيضاً. التعميم هنا قد يحمل في ثناياه الكثير من المجازفة وربما الكثير من التشاؤم، إنما قد تكون حقيقة مرة يسعى إلى التخلص منها كبار الحكماء والقادة من أجل ترجيح كفّة التفاؤل على إنهاض البلاد اقتصادياً واجتماعياً إلى المستوى الثقافي والروحي الرفيع، الذي يتميز به معظم سكان هذا البلد. ففي تعبير بردييف: "للروس قدرة كبيرة على هدم ما يبنيه الإنسان في دنياه. فهو قليلاً ما يهتم بمظاهر الدنيا وإغراءاتها. يركز تفكيره على بناء الأحلام الكبرى والأيديولوجيات الكبرى والأعمال الفنية والأدبية الكبرى. وفعلاً أثناء عملية إعادة بناء المجتمع تحصل تكسرات كبرى للبنيان العقلي والنفسي والغرائزي والسلوكي العام لمعظم فئات الشعب. فأنتليجنسيا عادة ما ينجز تفكيرها تأثير أفكار غير صحية. تعيش أنتليجنسيات في رحاب الحاضرة الروسية، وهي في الحقيقة غير روسية في روحها. وأمضي أبعد من ذلك لأقوال غير وطنية وغير أمينة للقيم المتسامية في الذات الروسية، فهذا الأمر يسبب الوهن في أفكار الذات المفكرة الروسية، وحالة الجمهور الواسع من الشعب التي لا تقل سلبية عن الأنتليجنسيا المضللة.

أثناء عملية إعادة البناء وبروز مساحات زمنية يغلب عليها الفراغ الروحي والأخلاقي ويخف النظام ومراقبة العقل والوجدانيات النبيلة على السلوك، يطلق حينئذ العنان لكل ما هو غامض وغير أخلاقي وتافه في الطاقة الغرائزية والانفعالية عند الإنسان، والذي يراقب سلوكيات الشريحة الواسعة من الشبيبة الروسية وفي المدن الكبرى تحديداً، ويشاهد البرامج التلفزيونية، وبالأخص تلك البرامج الموجهة إلى الأسرة، ويلمس حالة التهميش بل الهجوم على ما هو خلاق وإيجابي في سلم القيم الروسية الرائعة. في هذه الحالة تظهر كل معالم ما أطلق عليه الأكاديمي لبستوجبف – لادا، صفة اللا ثقافية، وتبرز القشرة الثقافية على سطح السلوكيات اليومية لكل من "العامة" و "الخاصة" من فئات الشعب. وفي هذه المراحل البائسة والمظلمة، ولعل مرحلة بداية التسعينيات في القرن الماضي تشكل واحدة منها، يظهر الأدب السيئ والفن الرخيص والموسيقا المبتذلة والتعلق الكبير بتشييء كل الأمور حتى المشاعر. وكل هذا يحصل على خلفية الترويج للجانب السلبي من ثقافة العولمة المؤمركة. في مثل هذه المراحل، تبرز كل نقاط الضعف والخطيئة في الشخصية الروسية، وفي مثل هذه الظروف تستنفر الطاقة الإيجابية في هذه الشخصية نفسها، وتستنفر بمحاولة تجميع قواها الإيجابية لمجابهة كل أنواع "اللا ثقافية" واقتصاديات الظل والبدع والهرطقات في الأديان، والاستهانة بقيم العمل الجاد والأخلاق النبيلة والإبداعات الأصيلة في كل أنواع الفنون والآداب والعلوم والمهن.

نهايات الأشياء:

بيد أن هناك سمة تكاد تكون عامة، تحدث القلق في نفوس الذوات المفكرة الروسية وفي نفوس أصدقاء روسيا في العالم وهي تعلق القسم الأكبر من الروس بما يسميه البعض بنهايات الأشياء، وهذا ما يظهر على نحو علني، بل فاقع أحياناً، في لحظات حزن الروسي وفرحه وأكله وشربه وانتصاراته وهزائمه وبناء مشاريعه الكبرى والصغرى. فالحكمة الوسطية والعقلانية الحكيمة والواقعية المتزنة في النظر والتعامل مع الأمور لا تتوافر ويا للأسف إلا لفئة صغيرة من الناس. فالميل الفطري إلى نهايات الأشياء يتسبب بالفوضى والخمول والاستكانة والتقهقر بين الفينة والأخرى، ولا ينعكس ذلك فقط على سلوكيات البشر في حياتهم اليومية في الريف والمدن، بل يظهر في رسم السياسات الداخلية والخارجية. الأمر الذي لا يحدث البلبلة الكبرى في الداخل الروسي فحسب، بل كذلك بين أصدقاء روسيا في الخارج وهم كثر.

هذا الجانب من الصور الرمادية التي تعطيه روسيا عن مراحل التوتر والضعف في مسيرتها هو في حال من التبدل نحو الأسود حيناً ونحو الأبيض والمشرق أحياناً أخرى. صورة روسيا عن نفسها متعددة أيضاً في توجهاتها واهتماماتها ومصالحها وآمالها ورموزها. إنها بلا شك صورة تعكس حالة، وإن كانت الفوضى وبعض المظاهر السلبية تعتري بعض مراحل مسيرتها، إلا أنها في السياق العام لحركيتها دينامية ومتمردة على الركون إلى السلبي وواعدة أيضاً. فروسيا في المرحلة الراهنة تعيد بناء روحها وتسعى لتقوية ذاتها في عالم شديد التعقيدات والتقلبات والتحولات. كما أن الصراعات والتناقضات بين كل التيارات الفاعلة فيها تأخذ نبضاً جديداً وأبعاداً جديدة، فرغم كل الملاحظات الحادة جداً التي يوجهها على سبيل المثال أنصار التيار اليساري والقومي إلى الخط العام الذي تنتهجه السلطة الحاكمة الراهنة، إلا أن هناك جوانب قوية ومبشرة في هذا الخط لا يمكن إلا الإقرار بها وتشجيعها، وتتمثل في إدخال قيم العقلانية والواقعية والديمقراطية والحرية في التعبير وممارسة كل النشاطات الحياتية، ما يترك بلا شك انعكاساته الإيجابية على أكثر من مستوى وجانب. كما أن هناك طاقة نشيطة تحرك جميع الذوات المفكرة المتعددة المشرب والانتماء يسكنها هاجس تجديد الذات الروسية عبر إحياء الجانب العريق في تراثها، والانفتاح الملحوظ على الأفكار والطروحات والخيارات الجديدة التي تضخها العقول المبدعة والخيرة في الشخصية الروسية. فالصراع الحامي الذي يدور الآن بين التيار المغربن والآخر المحلي الروسي – الأرثوذكسي السلافي والثالث اليساري والرابع الأوراسي كله يدور حول الصورة الأمثل التي يتوجب أن ترسمها روسيا لنفسها محلياً وأوروبياً وعالمياً. وإن كانت حركية المنافسة تأخذ طابع التعصب والتطرف عند هذا التيار أو ذاك وإن قامت هذه الفئات بادعاء الصواب والحق إلى جانبها والخطأ والضلال لخصمها المنافس حول هذه المسألة أو تلك، وإن وصل التنافر في بعض الأحيان قريباً من العراك، فإن الدارس والعارف بالتاريخ الروسي يلمس ويدرك أن هناك دائماً مخرجاً ما من لعبة المنافسة الحادة والعراك الصدامي. فالضمير الروسي ومن يعبّر عنه من الحكماء الأقحاح عادة ما يغلبون في المنعطفات التاريخية الكبرى فكرة الخلاص الجماعي على فكرة الخلاص الفردي. ولعل هذه السمة تشكل واحدة من الأسرار الكبرى التي تتمتع بها الشخصية الروسية.

السؤال الذي أطرحه في هذا التجوال في نقاط قوة هذه الشخصية وضعفها، هل لروسيا الساحرة هذه في طبيعتها الجغرافيا والإنسانية والغامضة في دواخلها وأسرارها المشرقة في إبداعات بنيها وبناتها الأذكياء، هل لها في زمن العولمة الكاسحة من رسالة جديدة يمكن أن تلعبها على مستوى الأرض والكون؟ في ما وراء بعض سطور هذه المقالة ذرات أفكار وآمال ترجح الجواب الإيجابي عن هذا السؤال، ففي المجال الروسي الهائل الاتساع والإمكانات وأثناء مئات السنين وفي بعض المراحل الحاسمة، كانت روسيا تؤدي دور "مرجل" التاريخ في عملية غلي وتذويب ومن ثم هضم، وإعادة تركيب كل العناصر المكونة للطاقة المادية والروحية لكل من حضارات الغرب والشرق. فالطاقة الثقافية الروسية الإيجابية والروح الوطنية والإنسانية لهذا الشعب تكونت عبر ما وهبه لها وله كل من التاريخ والجغرافيا في القارتين الأوروبية والآسيوية وفي الشرق والغرب بشكل عام. وفي كل مرة جديدة كانت تطل فيه روسيا على العالم من موقع القوة، كانت الإطلالة تأخذ حيناً طابعاً سلمياً وحيناً آخر طابعاً غير سلمي. إلا أن العالم في المرحلة الراهنة أكثر اقتناعاً بأنه ينبغي لمصلحة السلام والتوازن والمستقبل العالمي أن تكون روسيا قوية وعقلانية وعادلة وإنسانية وبديعة في لحظات تألقها.

وروسيا الساحرة تبقى روسيا الأبدية تلك فوق روسيا المغربنة أو روسيا السلافية أو روسيا القيصرية أو روسيا الاشتراكية، أو روسيا الفضاء الجغرافي الكبير واللغة والجمال والطيبة والطاقة العلمية والروحية والثقافية. في موقعها الأرضي والكوني هي روسيا الأبدية….

 

كلمات مفتاحية: سهيل فرح، سحر الحضارة، المجال الجغرافي، الإنسان، اللغة، الفنون، الجماليات، العلم، الكونيات، روسيا الأبدية